2 كورنثوس 1
النص
رجلٌ يكتب أنه حمل في داخله "حكم الموت"، وفي الفقرة ذاتها يبارك الله. هذا هو مفتاح الفصل. يفتتح بولس رسالته بتحية النعمة والسلام، ثم ينفجر في تسبيح لـ "أَبُو ٱلرَّأْفَةِ وَإِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ"، ويشرح أن الله يعزّيه في كل ضيقة لكي يصير هو نفسه قناة تعزية لغيره. بعدها يكشف عن كارثة حلّت به في أسيا، ضيقة فوق الطاقة أفقدته الرجاء بالحياة. ثم ينتقل إلى الدفاع عن نفسه: لم يكن كلامه "نَعَمْ وَلَا"، لأن المسيح المكروز به بينهم ليس متردداً؛ فيه صارت كل مواعيد الله "نَعَمْ" و"آمين". وأخيراً يوضح لماذا لم يأت إلى كورنثوس: إشفاقاً عليهم، لا استعلاءً على إيمانهم.
الجوهر
الله في هذا النص لا يُعرَّف بأنه الذي يزيل الضيقة، بل بأنه "ٱللهِ ٱلَّذِي يُقِيمُ ٱلْأَمْوَاتَ". هذا ليس تعبيراً تقوياً عاماً؛ إنه تعريف لاهوتي دقيق. التعزية التي يتحدث عنها بولس ليست تخفيفاً للشعور، بل قوة القيامة تعمل داخل جسد بشري ما زال يتألم. لذلك يقول إن حكم الموت في داخله كان لغايةٍ: "لِكَيْ لَا نَكُونَ مُتَّكِلِينَ عَلَى أَنْفُسِنَا". هنا يلمس بولس عصب الخلاص كله: الإنسان لا يُخلَّص بترقيع قدرته الذاتية، بل بموتها. وما يُعطى في المقابل ليس مجرد عون، بل ثبات من الله نفسه، مسحة، ختم، و"عَرْبُونَ ٱلرُّوحِ فِي قُلُوبِنَا": دفعة أولى من ميراث الملكوت، ضمانة أن ما بدأه الله سيُتمّه.
الخيط الناظم
عبارة "مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ ٱللهِ فَهُوَ فِيهِ ٱلنَّعَمْ" تجمع العهد القديم كله في جملة واحدة. كل وعد قُطع لإبراهيم، لداود، لأنبياء المنفى، بقي معلقاً قروناً في فضاء التاريخ، وكان يبدو أحياناً أن الله يقول "نعم" ثم "لا": أرضٌ ثم سبي، هيكلٌ ثم خراب. بولس يقول إن الوعود لم تُلغَ ولم تُؤجَّل إلى الأبد؛ صُودق عليها في شخص واحد. والمصطلحات التي يستخدمها عهدية بامتياز: المسحة كانت للملوك والكهنة، والختم علامة ملكية، والعربون عرف تجاري لضمان الوفاء. أضف إلى ذلك أن آلام المسيح "تَكْثُرُ فِينَا": نمط الصليب والقيامة لا يبقى حدثاً ماضياً، بل يصير شكل حياة كل من هو في المسيح.
المرآة
نحن نبني حياتنا على كفاءتنا: خبرة في العمل، شبكة علاقات، مدخرات تكفي لسنتين، جسد يستجيب حتى الآن. ثم يأتي التشخيص، أو الفصل من الوظيفة، أو الابن الذي يغلق الباب، فيتبين أن ما اعتبرناه أساساً كان سقالة. بولس لا يقول إن الله وضعه في تلك الضيقة ليعلّمه درساً لطيفاً؛ يقول إنه أُثقل "فَوْقَ ٱلطَّاقَةِ". ولاحظ ما لم يقله: لم يقل إن الاتكال على الله جاء بسلاسة. ولاحظ أيضاً أن التعزية عنده ليست ملكية خاصة، بل تُعطى لتُمرَّر. اتصل اليوم بشخص واحد تعرف أنه يمرّ في ضيقة عبرتَ أنت مثلها، وقل له بصوتك، لا برسالة، ما عزّاك الله به حين كنت هناك.
الملامح
كورنثوس مدينة تنفّس هواء الشرف والسمعة. الخطيب الناجح فيها كان نجماً، والرجل الذي يغيّر كلامه كان يخسر وجهه. وقد قال بعضهم عن بولس إنه ضعيف الحضور، متقلب في وعوده، غامض في نواياه. فحين يسمعون "أَلَعَلِّي ٱسْتَعْمَلْتُ ٱلْخِفَّةَ؟" هم يسمعون تهمة كانت تدور في مجموعاتهم الصغيرة. ويسمعون أكثر: في مدينة يشتري فيها الأغنياء ولاء الأتباع بالعطاء والرعاية، يقول لهم رسولهم "لَيْسَ أَنَّنَا نَسُودُ عَلَى إِيمَانِكُمْ، بَلْ نَحْنُ مُوازِرُونَ لِسُرُورِكُمْ". هذه ضربة لمنطق الوصاية الديني بأكمله. أما لغة العربون والختم فكانت مألوفة لهم من السوق والميناء، لغة عقود ملزمة، لا مشاعر.
الشخصية المحورية
الشخصية المحورية هنا هي الله، لا بولس. وهو يظهر بملامح متوترة عن قصد: أبٌ للرأفة، وفي الوقت نفسه إلهٌ يسمح بأن يبلغ رسوله حد اليأس من الحياة. لا يشرح النص هذا التوتر ولا يلطّفه. الله لا يقف خارج الضيقة يلوّح بالتشجيع؛ إنه يعزّي "فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا"، من الداخل. وأمانته ليست مزاجاً حسناً بل طبيعة: "أَمِينٌ هُوَ ٱللهُ". هو الذي يثبّت، ويمسح، ويختم، ويعطي عربوناً؛ أربعة أفعال فاعلها الله وحده، والإنسان مفعول به في كلها. وحين ينظر بولس إلى المستقبل لا يقول إن الله قادر أن ينجّي، بل "لَنَا رَجَاءٌ فِيهِ أَنَّهُ سَيُنَجِّي أَيْضًا فِيمَا بَعْدُ".
السياق
نحن في منتصف خمسينيات القرن الأول. بين الرسالة الأولى إلى كورنثوس وهذه الرسالة حدثت زيارة موجعة، ورسالة كتبها بولس بدموع، وتوتر حاد مع جماعة بدأ يتسلل إليها معلّمون يتباهون بمؤهلاتهم ويقيسون الرسولية بالنجاح الظاهر. بولس يكتب من مكدونية، بعد أن مرّ في أسيا، أي أفسس ومحيطها، بأزمة لا يسمّيها: اضطهاد، أو مرض، أو مؤامرة، لا نعرف. كورنثوس عندئذ مستعمرة رومانية أُعيد بناؤها، عاصمة أخائية، مدينة ميناءين وطبقات صاعدة سريعاً. في مثل هذا المكان، رسولٌ يفتخر بضميره وببساطته لا بإنجازاته يبدو غريباً تماماً. وهذا بالضبط قصده.
للتأمل
أين في حياتك اليوم تحمل "حكم الموت" على شيء كنت تتكل عليه، وماذا يعني عملياً أن تنقل ثقتك إلى الله الذي يقيم الأموات، لا إلى احتمال أن تنجو؟
إذا كانت كل مواعيد الله "نعم" في المسيح، فأي وعد تعامله في قلبك كأنه ما زال معلقاً بين "نعم" و"لا"، ولماذا؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول 2 Corinthians 1
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى 2 كورنثوس 1؟
عمّ يتحدث 2 كورنثوس 1؟
ما هو السياق التاريخي لـ 2 كورنثوس 1؟
ماذا يعلّمنا 2 كورنثوس 1 عن صفات الله؟
كيف لا يزال 2 كورنثوس 1 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول 2 Corinthians 1
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
بولس، الرسول الذي تعب وسُجن وكُتبت له نصف الرسائل، يقول: "ليس أننا نسود على إيمانكم بل نحن موازرون لسروركم." لم يكن يريد أن يقف فوق إيمانك، بل بجانب فرحك. تأمل: كم مرة حاول أحدهم أن يسود على إيمانك باسم المحبة؟ وكم مرة فعلتَ أنت ذلك بغيرك؟ الذي يبنيك الحق يتركك واقفًا على قدميك: "لأنكم بالإيمان تثبتون.
أشكرك يا الله لأنك "تعزينا في كل ضيقتنا"، فلم تتركني وحدي في ليالي الحزن، بل جلست معي وضمّدت قلبي. وأشكرك أنك جعلت من وجعي ينبوعًا، فصرت أعزّي غيري بالتعزية التي تعزّيت أنا بها منك.
أشكرك يا رب لأن رجاءنا فيك ثابت، ولأنك جعلتنا "شركاء في الآلام" وشركاء أيضاً "في التعزية". أشكرك أن كل وجع نحمله لا يبقى وحيداً، بل تسنده يدك وتلحقه بعزاء منك. لك الشكر على إخوة يتألمون معنا ويتعزّون معنا.
يا أبي، اجعل كلامي صادقًا وبسيطًا، نعمي نعم ولا لا. أنا أعرف تقلّبي، وكم مرة قطعت وعودًا ثم تراجعت. ثبّت قلبي فيك أنت الأمين، حتى يثق بي من حولي لأنهم يرون فيّ شيئًا من ثباتك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
