2 كورنثوس 1:3
النص
يفتح بولس رسالته لا بشكوى ولا بدفاع عن نفسه، بل بتسبيحة: "مُبَارَكٌ ٱللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، أَبُو ٱلرَّأْفَةِ وَإِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ". ثلاثة أوصاف تتراكم كأنها طبقات: هو الآب الذي ليسوع المسيح، وهو أبو الرأفة، وهو إله كل تعزية. لا يقول بولس شيئًا عن نفسه هنا، ولا عن كورنثوس، ولا عن الخلاف الذي سيشغل معظم الرسالة. يقول شيئًا عن الله فقط. والمفارقة أن هذه الكلمات تُكتب من رجل خرج لتوّه من ضيقة كاد يفقد فيها حياته، كما سيروي بعد قليل. أي أن التسبيح هنا ليس مقدمة شكلية، بل خلاصة تجربة. الرجل الذي "أَيِسَ مِنَ ٱلْحَيَاةِ" هو نفسه الرجل الذي يبارك الله بلا تحفّظ.
الجوهر
لاحظ الترتيب: الله يُعرَّف أولًا بعلاقته بيسوع المسيح، ثم بالرأفة والتعزية. هذا ليس تفصيلًا لغويًا. لا نعرف رأفة الله من قراءة أحداث حياتنا، لأن أحداث حياتنا غامضة وقاسية أحيانًا ولا تُملي علينا استنتاجًا واحدًا. نعرفها لأن هذا الإله هو أبو ذاك الابن، وما فعله بالابن هو التعريف الذي لا يُنقَض. والكلمة التي تُترجم "رأفة" (في اليونانية oiktirmos) تعني الشفقة التي تتحرك في الأحشاء، لا العطف البارد من مسافة. وبولس لا يقول إن الله يعطي تعزية، بل إنه "إِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ": أي أن كل عزاء حقيقي، حتى ما يأتي عبر يد إنسان أو كلمة صديق أو نوم هادئ بعد ليل طويل، ينبع من هناك. السؤال الذي يتركه النص مفتوحًا: هل نعرف أن نتلقّى؟
الخيط الجامع
عبارة "مُبَارَكٌ ٱللهُ" ليست ابتكارًا بولسيًا؛ إنها صيغة يهودية قديمة، صلاة كان بولس يرددها منذ طفولته في المجمع: مبارك أنت أيها الرب إلهنا. لكنه هنا يضيف إليها ما يقلبها من الداخل: "أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ". البركة القديمة تبقى، والعنوان يتغير. إله إبراهيم الذي رأى ذلّ شعبه في مصر وسمع صراخهم هو نفسه، غير أنه صار معروفًا الآن في وجه ابنه. وهذا ليس مجرد تطوير في اللاهوت، بل هو الجواب على سؤال ظل معلّقًا طوال العهد القديم: كيف يقترب الله من الوجع من غير أن يبقى فوقه؟ الجواب في الآية الخامسة: "آلَامُ ٱلْمَسِيحِ فِينَا". التعزية لا تنزل من علٍ كمظلّة، بل تصعد من داخل الألم نفسه، لأن الله دخل فيه.
المرآة
هناك نوع من الإيمان يتقن الشكوى ويتقن الطلب، لكنه لا يعرف كيف يتلقّى. تمرّ بك ليلة تنام فيها أخيرًا بعد أسابيع من الأرق، أو تصلك رسالة من صديق في اللحظة التي كنت فيها على حافة الانهيار، أو يجلس ابنك بجانبك من غير سبب، فتمرّ هذه الأشياء من دون أن تُسمّى. النص يقول إن كل هذا من "إِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ"، وإن عدم تسميته ليس تواضعًا بل فقر. وهناك نوع آخر منّا: من ينتظر التعزية الكبرى، شفاء المرض أو حلّ الأزمة المالية أو عودة العلاقة المكسورة، ويرفض التعزيات الصغيرة لأنها لا تكفي. لكن بولس، وهو الذي أيس من الحياة، لم ينتظر الحل الكامل ليبارك. اليوم: اجلس خمس دقائق، واكتب على ورقة عزاءً واحدًا وصلك هذا الأسبوع من يد إنسان، ثم قل بصوتٍ مسموع: "مبارك الله، إله كل تعزية، الذي أعطاني هذا".
السياق
خلفية هذه الكلمات ليست هادئة. علاقة بولس بكنيسة كورنثوس كانت متوترة إلى حدّ الجرح: زيارة مؤلمة، رسالة قاسية، معلّمون آخرون يشكّكون في سلطته وفي صدقه، حتى إنه مضطر لاحقًا أن يدافع عن تغيير خطة سفره كأنه تهمة أخلاقية. وفي الوقت نفسه كان قد مرّ بضيقة في آسيا "فَوْقَ ٱلطَّاقَةِ". في عالم البحر المتوسط آنذاك، كان الخطيب أو المعلّم يُقاس بحضوره القويّ وبلاغته ونجاحه الظاهر؛ رجلٌ مسجون، مضروب، مريض، متعثّر في خططه، كان يبدو دليلًا حيًّا على أن إلهه لا يسنده. بولس يعرف هذا تمامًا. ولهذا يفتح بتعريف الله لا بتعريف نفسه: قبل أن يشرح ضعفه، يعلن من هو الذي يقف خلف هذا الضعف.
السؤال
إن كان الله "أَبُو ٱلرَّأْفَةِ"، فلماذا تُرك رسوله حتى يئس من الحياة؟ النص لا يعتذر عن هذا ولا يخففه. لا يقول إن الضيقة كانت أخف مما بدت، ولا إن الله كان سيتدخل لو صلّوا أكثر. يقول شيئًا أصعب: إن التعزية تأتي داخل الضيقة، لا بدلًا منها، "ٱلَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا". وهذا لا يريح تمامًا، ولا ينبغي أن يريح. لماذا يختار أبو الرأفة هذا الطريق بالذات؟ بولس يعطي جوابًا جزئيًا في الآية التاسعة، أن يزول اتكالنا على أنفسنا، لكنه جواب مكلف، ويصعب قوله لمن يجلس الآن قرب سرير في مستشفى. ربما الأمانة الوحيدة الممكنة هي أن نترك السؤال مفتوحًا، ونلاحظ فقط أن الرجل الذي عاش هذا لم يخرج منه ملحدًا بل مسبّحًا.
التفصيل
كلمة صغيرة يمرّ عليها القارئ بسرعة: "كُلِّ". لا يقول بولس "إله التعزية" بل "إِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ"، ثم يكرّرها في الآية التالية: "فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا"، ثم "فِي كُلِّ ضِيقَةٍ". ثلاث مرات في سطرين. هذه الكلمة تمدّ خيمة واسعة: لا توجد ضيقة خارج نطاق هذا الإله، ولا يوجد عزاء حقيقي من مصدر آخر. وهي أيضًا تمنعنا من ترتيب أوجاعنا بحسب أهميتها اللاهوتية، كأن الحزن على وظيفة ضائعة أقل قيمة من الاضطهاد. "كُلِّ" تعني كلّ. وفيها دعوة هادئة: ما الضيقة التي استثنيتَها أنت من هذه الكلمة، وقررتَ في داخلك أنها أصغر من أن تُحمل إليه، أو أكبر؟
أسئلة للتأمل
متى كانت آخر مرة سمّيتَ فيها عزاءً تلقّيته باسمه، ونسبته إلى الله بدل أن تمرّره كصدفة لطيفة؟
إن كان الله يُعرَّف أولًا بأنه "أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ"، فأيّ صورة عن الله تحملها أنت لا تنسجم مع ما تراه في المسيح، ومن أين جاءتك؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول 2 Corinthians 1:3
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى 2 كورنثوس 1:3؟
عمّ يتحدث 2 كورنثوس 1:3؟
ما هو السياق التاريخي لـ 2 كورنثوس 1:3؟
ماذا يعلّمنا 2 كورنثوس 1:3 عن صفات الله؟
كيف لا يزال 2 كورنثوس 1:3 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول 2 Corinthians 1
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
بولس، الرسول الذي تعب وسُجن وكُتبت له نصف الرسائل، يقول: "ليس أننا نسود على إيمانكم بل نحن موازرون لسروركم." لم يكن يريد أن يقف فوق إيمانك، بل بجانب فرحك. تأمل: كم مرة حاول أحدهم أن يسود على إيمانك باسم المحبة؟ وكم مرة فعلتَ أنت ذلك بغيرك؟ الذي يبنيك الحق يتركك واقفًا على قدميك: "لأنكم بالإيمان تثبتون.
أشكرك يا الله لأنك "تعزينا في كل ضيقتنا"، فلم تتركني وحدي في ليالي الحزن، بل جلست معي وضمّدت قلبي. وأشكرك أنك جعلت من وجعي ينبوعًا، فصرت أعزّي غيري بالتعزية التي تعزّيت أنا بها منك.
أشكرك يا رب لأن رجاءنا فيك ثابت، ولأنك جعلتنا "شركاء في الآلام" وشركاء أيضاً "في التعزية". أشكرك أن كل وجع نحمله لا يبقى وحيداً، بل تسنده يدك وتلحقه بعزاء منك. لك الشكر على إخوة يتألمون معنا ويتعزّون معنا.
يا أبي، اجعل كلامي صادقًا وبسيطًا، نعمي نعم ولا لا. أنا أعرف تقلّبي، وكم مرة قطعت وعودًا ثم تراجعت. ثبّت قلبي فيك أنت الأمين، حتى يثق بي من حولي لأنهم يرون فيّ شيئًا من ثباتك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة