شرح الكتاب المقدس

إرميا 11

هذا الفصل متاح بفضل JL Group

النص

يأتي كلام الرب إلى إرميا بمهمة غريبة: أن يجول في مدن يهوذا وشوارع أورشليم مذكّرًا الشعب ببنود العهد القديم الذي قُطع يوم الخروج من "كور الحديد"، وبأن نقضه يجرّ لعنة. ثم يُعلن الرب أن الشعب قد عاد إلى آثام آبائه، فصارت آلهته بعدد مدنه، ولذلك سيأتي شرٌّ لا مهرب منه، ويُمنع إرميا حتى من الصلاة لأجلهم. وفي آخر الأصحاح ينكشف أن أهل قريته عناثوث يتآمرون على قتله، فيصرخ إرميا طالبًا القضاء العادل.

الجوهر

تخيّل المشهد: النبي واقف، والكلمة تُملى عليه، "ملعون الإنسان الذي لا يسمع كلام هذا العهد"، وحين ينتهي الصوت يقول إرميا: «آمين يا رب». هذه أخطر كلمة في الأصحاح. إنه يوقّع على وثيقة سيُدان بها شعبه وأهل بيته. العهد ليس عقدًا اختياريًا بين طرفين متكافئين؛ إنه صيغة حياة: «فتكونوا لي شعبًا، وأنا أكون لكم إلهًا». وحين يُنقض، لا تختفي بنوده، بل تنقلب. الرب لا يخترع عقابًا جديدًا، بل يقول: «فجلبت عليهم كل كلام هذا العهد». الكلمة نفسها التي كانت خبزًا صارت سيفًا. هذا ما يعنيه أن يكون الله أمينًا: أمانته لا تتبخّر أمام خيانتنا، بل تتخذ شكلًا مرعبًا.

الخيط الجامع

المشهد الأقسى هنا هو انقلاب الاتجاه في السمع. طوال الأصحاح يقول الرب: «اسمعوا صوتي»، وطوال الأصحاح يجيب الشعب بالصمت والعناد. ثم تأتي الجملة التي تقلب المعادلة: «ويصرخون إليّ فلا أسمع لهم». من رفض السماع يُترك في عالم لا يُسمع فيه. وهنا يقف إرميا نفسه، من غير أن يدري، صورةً لما سيأتي: «وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح». الكلمة عينها ستُقال عن يسوع في إشعياء 53، والذي صرخ على الصليب «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟» احتمل الصمت الذي استحقّه الآخرون. الفرق أن إرميا يطلب الانتقام، والمسيح يطلب الغفران. لكن الطريق واحد: بريءٌ يُساق خارج مدينته.

المرآة

انتبه إلى كلمة صغيرة في الآية الثالثة عشرة: «بعدد مدنك صارت آلهتك». لم يهجر أهل يهوذا الهيكل؛ ما زالوا يقدّمون "اللحم المقدّس". أضافوا فقط. مذبح للرب، ومذبح للبعل، لأن البعل يضمن المطر والمحصول والأمان الاقتصادي. هذا ليس إلحادًا، بل تنويعٌ للاستثمار. وأنت تعرف هذا جيدًا: تصلّي صباحًا، ثم تدير يومك كأن الأمان يأتي من الرصيد البنكي، ومن علاقاتك بالمدير، ومن صحّة جسدك التي تراقبها بقلق. لا أحد منّا يقول: تركت الله. نقول: أضفت ضمانات. والنص لا يسمّي ذلك حكمة، بل «فتنة»، خيانة زوجية. والسؤال المرّ: حين تأتي الضيقة، إلى أي مذبح تركض أولًا؟

الشخصية المحورية

الرب في هذا الأصحاح ليس قاضيًا باردًا. اسمع نبرته في الآية الخامسة عشرة: «ما لحبيبتي في بيتي؟» هذه لغة عاشق مجروح، يرى محبوبته في بيته وهي غريبة عنه. ثم تأتي الصورة التي تكشف عمق الاستثمار: «زيتونة خضراء ذات ثمر جميل الصورة دعا الرب اسمك». الزيتونة لا تُزرع لجيل واحد؛ تحتاج عقودًا حتى تثمر، وتعيش قرونًا. الله يقول: أنا غرستُ هذه الشجرة، انتظرتها، سمّيتها باسمي. ثم: «أوقد نارًا عليها فانكسرت أغصانها». وينهي بالجملة الأكثر إيلامًا: ما فعلوه كان «ضد أنفسهم». الخطية ليست إهانة لكرامة إله بعيد؛ إنها انتحار بطيء لشجرةٍ يحبها غارسها.

النص المتقاطع

حين يقول الرب لإرميا: «فلا تصلِّ لأجل هذا الشعب»، فهذا صدىً معكوس لموسى على الجبل، الذي وقف بين الله والشعب بعد العجل الذهبي وقال: إن لم تغفر، فامحُني من كتابك. هناك قُبلت الشفاعة؛ هنا تُمنع. وهذا يقيس عمق الهاوية التي وصلت إليها يهوذا: لم يعد هناك بابٌ للتوسّل، لأن التوسّل بلا توبة صار طقسًا فارغًا. والصورة الثانية، الزيتونة المكسورة الأغصان، سيلتقطها بولس في رومية 11 حين يتكلم عن أغصانٍ قُطعت وأخرى طُعّمت. أي أن النار في إرميا 11 ليست نهاية الشجرة، بل تقليمها العنيف. الجذر يبقى للغارس.

السؤال

يبقى شيء لا يُهضم: إرميا يصلّي «دعني أرى انتقامك منهم»، فيستجيب الله ويعلن موت شبّان عناثوث بالسيف وأولادهم بالجوع، «ولا تكون لهم بقية». هؤلاء جيرانه، أقرباؤه، الأطفال الذين لعبوا في أزقّة قريته. هل نُصفّق لهذا؟ لا. النص لا يطلب منّا التصفيق. إرميا رجلٌ مذعور اكتشف للتوّ أن مَن يشاركونه الطعام يخطّطون لمحو اسمه، وصلاته صرخة إنسان لا حكم إلهي مكتمل. وحين يقول: «فاحص الكلى والقلب»، فهو يسلّم القضية لمن يرى ما لا يراه هو. هذا هو المخرج الوحيد الأمين هنا: ليس تبريرَ العنف، بل رفضَ أن نكون نحن مَن ينفّذه. أن تقول لله ما تشعر به فعلًا، بكل بشاعته، وتترك الحكم عنده. المسيح على الصليب ذهب أبعد؛ لكنه ذهب أبعد من مكانٍ يشبه هذا تمامًا.

للتأمل

ما هو "المذبح الثاني" في حياتك، الضمان الذي تحتفظ به بجانب إيمانك تحسّبًا لأن الله لا يكفي؟

حين ظُلمت آخر مرة، هل قلت لله ما شعرت به حقًا، أم صلّيت صلاة مهذّبة وحملت الغضب بنفسك؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Jeremiah 11

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى إرميا 11؟
يأتي كلام الرب إلى إرميا بمهمة غريبة: أن يجول في مدن يهوذا وشوارع أورشليم مذكّرًا الشعب ببنود العهد القديم الذي قُطع يوم الخروج من "كور الحديد"، وبأن نقضه يجرّ لعنة. ثم يُعلن الرب أن الشعب قد عاد إلى آثام آبائه، فصارت آلهته بعدد مدنه، ولذلك سيأتي شرٌّ لا مهرب منه، ويُمنع إرميا حتى من الصلاة لأجلهم.
عمّ يتحدث إرميا 11؟
المشهد الأقسى هنا هو انقلاب الاتجاه في السمع. طوال الأصحاح يقول الرب: «اسمعوا صوتي»، وطوال الأصحاح يجيب الشعب بالصمت والعناد. ثم تأتي الجملة التي تقلب المعادلة: «ويصرخون إليّ فلا أسمع لهم». من رفض السماع يُترك في عالم لا يُسمع فيه. وهنا يقف إرميا نفسه، من غير أن يدري، صورةً لما سيأتي: «وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح».
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 11؟
الرب في هذا الأصحاح ليس قاضيًا باردًا. اسمع نبرته في الآية الخامسة عشرة: «ما لحبيبتي في بيتي؟» هذه لغة عاشق مجروح، يرى محبوبته في بيته وهي غريبة عنه. ثم تأتي الصورة التي تكشف عمق الاستثمار: «زيتونة خضراء ذات ثمر جميل الصورة دعا الرب اسمك». الزيتونة لا تُزرع لجيل واحد؛ تحتاج عقودًا حتى تثمر، وتعيش قرونًا.
ماذا يعلّمنا إرميا 11 عن صفات الله؟
يبقى شيء لا يُهضم: إرميا يصلّي «دعني أرى انتقامك منهم»، فيستجيب الله ويعلن موت شبّان عناثوث بالسيف وأولادهم بالجوع، «ولا تكون لهم بقية». هؤلاء جيرانه، أقرباؤه، الأطفال الذين لعبوا في أزقّة قريته. هل نُصفّق لهذا؟ لا. النص لا يطلب منّا التصفيق. إرميا رجلٌ مذعور اكتشف للتوّ أن مَن يشاركونه الطعام يخطّطون لمحو اسمه، وصلاته صرخة إنسان لا حكم إلهي مكتمل.
كيف لا يزال إرميا 11 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
حين ظُلمت آخر مرة، هل قلت لله ما شعرت به حقًا، أم صلّيت صلاة مهذّبة وحملت الغضب بنفسك؟
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 11

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

تأمّل تحريري في آية 22

أهل عناثوث ليسوا غرباء. هم جيرانك، رفاق طفولتك، بيت أبيك. وهم الذين قالوا: "لا تتنبأ باسم الرب فلا تموت بيدنا". فجاء الجواب: "هانذا أعاقبهم".

أوجع الطعنات تأتي من الأقربين، ومع ذلك لم يترك الرب خادمه وحده. لكن تأمّل: حين يتولّى الله الدفاع عنك، لا يكون الأمر انتصاراً تهلّل له، بل حزناً. إرميا بكى على الذين طلبوا نفسه. وأنت؟

شكر تحريري في آية 2

أشكرك لأنك لم تصمت، بل قلت: "اسمعوا كلام هذا العهد". أشكرك أنك تكلمتني بعهدٍ واضح، وأنك جعلت لي أذنين تسمعان صوتك في كلمتك المكتوبة. أشكرك أنك تأتمن أولادك على كلامك ليحملوه إلى غيرهم، وأنك ما زلت تدعوني كل يوم لأصغي وأطيع.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

شركة؟