أيوب 25
النص
يتكلّم بِلْدَد الشُّوحي للمرّة الأخيرة في هذا السِّفر، وكلامه قصير بشكل لافت. يرفع بصره إلى السماء ويصف عظمة الله وسلطانه على أجناده السماوية، ثم يهبط بنظره إلى الإنسان فيصفه بأقسى ما يمكن: رمّة ودودة. بين هاتين الصورتين، يطرح سؤالاً حادًّا: كيف يمكن لمولود المرأة أن يتبرّر أمام هذا الإله؟
اللبّ
جواب بِلْدَد يبدو تقيًّا ظاهريًّا، لكنه في الحقيقة استسلام. لقد أفلست حجّته. لم يعد يستطيع أن يُثبت أنّ أيّوب مذنب، فيلجأ إلى ورقة أخيرة: تصغير الإنسان أمام الله إلى حدّ المحو. المشكلة أنّ في كلامه حقًّا لاهوتيًّا، فالله فعلاً قدّوس، والإنسان فعلاً لا يتبرّر بذاته. لكنّه يستخدم هذا الحقّ كسلاح لإسكات صديق متألّم، لا كترنيمة عبادة. حين تُستعمل عظمة الله لسحق إنسان بدل رفعه، يصير اللاهوت الصحيح كذبةً في فم قائله. هذا هو الخطر الدقيق في هذا الأصحاح.
الخيط الجامع
سؤال بِلْدَد "فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ ٱلْإِنْسَانُ عِنْدَ ٱللهِ؟" هو السؤال الذي سيحمله الكتاب المقدّس كلّه على كتفيه حتى يصل إلى الجلجثة. بِلْدَد يطرح السؤال ولا يملك الجواب؛ بل جوابه الضمنيّ هو "لا يستطيع". وأيّوب نفسه سيصرخ لاحقًا طالبًا وسيطًا يضع يده على الاثنين. الرسول بولس سيلتقط الخيط نفسه في رسالته إلى رومية حين يعلن أنّ الإنسان يتبرّر بنعمة الله بواسطة الفداء الذي في المسيح يسوع. بِلْدَد يترك الإنسان دودةً تحت أقدام إله بعيد؛ الإنجيل يُعلن أنّ ذلك الإله البعيد نزل وأخذ الجسد ومات ليُبرّر الدودة.
المرآة
هل تعرف تلك اللحظة حين يمرّ صديقك بمحنة، فتلجأ إلى عبارات دينية كبيرة لأنّك لا تعرف ماذا تقول؟ "الله سيّد"، "طرقه أعلى من طرقنا"، "من نحن حتى نعترض؟" كلّ هذا صحيح، لكنّه أحيانًا يكون هروبًا مُقنَّعًا بالتقوى. بِلْدَد يفعل هذا تمامًا. يقف أمام رجل فقد أولاده وصحّته، ويعظه عن ضآلة الإنسان. الكلام صحيح، والتوقيت قاتل. المرآة هنا حادّة: كم مرّة استعملنا حقائق عن الله كجدار نحتمي خلفه من ألم الآخر؟ كم مرّة كان صمتنا سيكون أكثر أمانة من لاهوتنا؟
التفصيل
كلمة "رِمّة" في العدد السادس ليست مجرّد إهانة. في عالم أيّوب، الرِّمّة هي ما ينخر الجثث في القبور، وهي صورة الفساد النهائي. أيّوب نفسه استعمل هذه الصورة سابقًا ليصف مصيره. لكنّ الفرق شاسع: حين يقول أيّوب عن نفسه إنّه يهبط إلى الدود، فهو يرثي حاله بصدق مكسور؛ وحين يقولها بِلْدَد عن الإنسان عمومًا، فهو يُلقيها كحجّة لاهوتية باردة. الكلمة الواحدة تحمل معنيين: مرثاة على شفتَي المتألّم، وسلاح على شفتَي الواعظ المتعالي. هذا ما يجعل قراءة أيّوب صعبة؛ الكلمات ذاتها تكون خبزًا هنا وحجرًا هناك.
السياق
تخيّل المشهد: خيام بدويّة على أطراف أرض عوص، ليل صحراوي، والنجوم تلمع فوق الرؤوس بوضوح لا يعرفه ساكن المدينة. أربعة رجال جالسون على الرماد منذ أيّام. أيّوب مثخن بالقروح، جسده مكسور، وأصدقاؤه الثلاثة قد استنفدوا حججهم. في الثقافة الشرقيّة القديمة، البلاغة سلاح، والصمت هزيمة، والقدرة على الردّ الطويل علامة حكمة. لكن بِلْدَد هنا يتكلّم بستة أعداد فقط، ثمّ يصمت إلى الأبد في هذا السِّفر. هذا القِصَر مذلّ في سياقه. حين ينظر إلى القمر والكواكب في سماء الصحراء الصافية، يستحضر أعظم مشهد يعرفه سامعوه، مشهد يخشع أمامه كلّ بدوي حين يفترش الأرض ويلتحف السماء. لكنّه يستعمل هذا الجلال ليسحق، لا ليعبد.
السؤال
يبقى سؤال ثقيل: هل كلام بِلْدَد صحيح أم خاطئ؟ لأنّه، بصراحة، لو انتزعنا هذه الأعداد من سياقها ووضعناها في مزمور، لبدت عبادةً جميلة. القمر لا يُضيء أمام الله، والكواكب غير نقيّة في عينيه، والإنسان دودة. هذا كلام يشبه ما نجده على شفاه الأنبياء. الجواب المُرّ هو أنّ الحقّ اللاهوتي يمكن أن يكون مُدمِّرًا حين يُقال في غير موضعه، وأنّ الله في نهاية السِّفر سيوبّخ الأصدقاء الثلاثة قائلاً إنّهم لم يتكلّموا بالصواب عنه، رغم أنّ كثيرًا ممّا قالوه يبدو "صوابًا". هذا يزعزع فكرتنا عن الحقيقة الدينية. لا يكفي أن تكون العبارة صحيحة؛ يجب أن تكون في مكانها، وفي وقتها، وبمحبّة. وهذا يتركنا في مكان غير مريح، لأنّه يعني أنّنا مسؤولون لا عن صحّة كلامنا فقط، بل عن أثره.
للتأمّل
متى كانت آخر مرّة استعملتُ فيها حقيقة عن الله كجدار أحتمي خلفه بدل أن أواجه ألم إنسان أمامي؟
لو كان سؤال بِلْدَد "كيف يتبرّر الإنسان عند الله؟" مطروحًا عليّ اليوم، هل جوابي هو حقًّا المسيح، أم شيء آخر أضفته إليه في الخفاء؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Job 25
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى أيوب 25؟
عمّ يتحدث أيوب 25؟
ما هو السياق التاريخي لـ أيوب 25؟
ماذا يعلّمنا أيوب 25 عن صفات الله؟
كيف لا يزال أيوب 25 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Job 25
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يا الله القدوس، من أنا لأقف أمامك بلا خجل؟ أنا مولود من ضعف، وقلبي يعرف نقصه. لا أستطيع أن أُبرِّر نفسي بجهدي، ولا أن أُطهِّر ما لوَّثته أيامي. لذلك ألجأ إلى رحمتك وحدها، فأنت وحدك تستطيع أن تجعلني نقيًا أمامك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
