مراثي إرميا 3
النص
في وسط ركامٍ من الحزن يقف رجلٌ يقول: "أَنَا هُوَ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي رأَى مَذَلَّةً بِقَضِيبِ سَخَطِهِ". يصف ألمه بلغة الجسد المكسور والطريق المسدود، ثم فجأةً، في منتصف القصيدة، ينكسر خط الرثاء ويولد رجاء: "هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ". ثم يعود إلى الدموع والصراخ والصلاة من قاع الجب، دون أن يمحو ما قاله عن الرحمة.
القلب
هذا الأصحاح لا يقدّم حلاً بل يقدّم صوتاً. رجلٌ يجرؤ أن يقول لله: أنت الذي كسّرت عظامي، وأنت الذي "صَدَّ صَلَاتِي"، وأنت أيضاً الذي "مَرَاحِمَهُ لَا تَزُولُ". يرفض الكاتب أن يختار بين الصدق والإيمان. لا يكذب على ألمه ليحمي سمعة الله، ولا يكذب على الله ليريح ألمه. وهنا يكمن جوهر اللاهوت الكتابي عن المعاناة: أن الرجاء ليس نفياً للظلمة بل صوتاً يُرفع من داخلها. الله كبيرٌ بما يكفي ليحتمل الاتهام والتسبيح في نَفَسٍ واحد.
الخيط المشترك
الآيات 27 إلى 30 تصف رجلاً يحمل النير، يجلس صامتاً، يضع فمه في التراب، ويعطي خدّه لضاربه. من يقرأ هذه السطور بعد الأناجيل يسمع خطىً أخرى فيها. المسيح هو الذي حمل النير حقاً، وأعطى خدّه للضاربين، وشبع عاراً بلا استحقاق. الرجل في مراثي إرميا يعاني نتيجة خطايا شعبه؛ المسيح يعاني بدلاً عن خطايا شعبه. وحين يصرخ يسوع "إلهي إلهي لماذا تركتني"، فإنه يقف في الموضع نفسه الذي يقف فيه هذا الرجل: في الظلام، تحت السخط، لكن دون أن يفلت اسم الله من فمه. الرجاء الذي يولد في منتصف الأصحاح يجد أساسه الأعمق هناك، عند الصليب.
المرآة
نميل، حين يضربنا الألم، إلى واحدٍ من طريقين: إما أن ننكر ما نشعر به لنبدو مؤمنين، أو أن نغرق فيه ونطرد الله من الحوار. الأصحاح يرفض كلا الطريقين. هل تجرؤ أن تقول لله بصراحة إن مرضك، أو طلاقك، أو ابنك التائه، أو وظيفتك المفقودة، يبدو لك كأنه "قَضِيب سَخَطه"؟ وهل تجرؤ في الوقت ذاته أن تُردِّد في قلبك: "نَصِيبِي هُوَ ٱلرَّبُّ"؟ لاحظ أن الرجاء هنا ليس شعوراً بل قرار: "أُرَدِّدُ هَذَا فِي قَلْبِي، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْجُو". في الليالي التي لا يأتيك فيها شعورٌ بالله، ماذا تُردِّد أنت؟
السياق
نحن في أنقاض أورشليم بعد سنة 586 قبل الميلاد. الهيكل محروق، الملك مقلوع العينين ومُقتاد إلى بابل، الأطفال يموتون جوعاً في الشوارع كما تصف الأصحاحات المحيطة. مراثي إرميا خمس قصائد جنائزية، أربعٌ منها مبنية على ترتيب الحروف الأبجدية العبرية. والأصحاح الثالث هو الأكثف: كل حرف يفتتح ثلاث آيات لا آية واحدة. هذا ليس ألماً فوضوياً؛ إنه ألمٌ مُنَظَّم بعنايةٍ في قالبٍ شعري. الشاعر يقاوم الفوضى بالنظم. حين ينهار العالم، يمسك بالحروف الأبجدية كمن يمسك بحبلٍ في العاصفة.
الملامح
السامعون الأصليون كانوا لاجئين ومنكوبين. بعضهم في المنفى، بعضهم بقي في الخراب. كانوا يتساءلون: هل رفضنا الله إلى الأبد؟ هل انتهى العهد؟ حين يسمعون "لِأَنَّ ٱلسَّيِّدَ لَا يَرْفُضُ إِلَى ٱلْأَبَدِ"، لم يكن هذا كلاماً لطيفاً بل جواباً على سؤالٍ يقضّ مضاجعهم. وحين يسمعون "مَرَاحِمَهُ لَا تَزُولُ"، كانت الكلمة العبرية خلف "مراحمه" هي "حِسِد"، أي أمانة العهد. المعنى: العهد لم يُلغَ. لا يزال الله ملتزماً بكم. هذا لم يكن تعزية عاطفية بل إعلاناً لاهوتياً مزلزلاً في لحظة بدا فيها كل شيء ملغى.
التفصيل
في الآيتين 55 و56 يقول: "دَعَوْتُ بِٱسْمِكَ يَارَبُّ مِنَ ٱلْجُبِّ ٱلْأَسْفَلِ. لِصَوْتِي سَمِعْتَ". لاحظ الفعل: سَمِعْتَ، في الماضي. الرجل الذي قال في الآية الثامنة إن الله "يَصُدُّ صَلَاتِي"، يعترف الآن بأن الله سمع. ماذا تغيّر؟ لم يخرج بعد من الجب. الظروف لم تتبدل. لكن ذاكرته امتدت إلى الوراء ووجدت مواضع سمع الله فيها. أحياناً لا يأتي الخلاص من رؤية المستقبل بل من تذكّر الماضي. الرجاء في هذا الأصحاح ليس تنبؤاً بل ذاكرة. الله الذي سمع من قبل، يسمع الآن، وإن بدا صامتاً.
تأمل
في أي "جبٍّ أسفل" أنت الآن، وما هي المواضع في ماضيك التي سمع فيها الله صوتك، والتي نسيت أن تُردِّدها في قلبك؟
ما الفرق في حياتك بين رجاءٍ هو شعورٌ ينتظر أن يأتي، ورجاءٍ هو قرارٌ يُتَّخذ كل صباح قبل أن تتغير الظروف؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Lamentations 3
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى مراثي إرميا 3؟
عمّ يتحدث مراثي إرميا 3؟
ما هو السياق التاريخي لـ مراثي إرميا 3؟
ماذا يعلّمنا مراثي إرميا 3 عن صفات الله؟
كيف لا يزال مراثي إرميا 3 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Lamentations 3
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
قَرَضُوا فِي الْجُبِّ حَيَاتِي وَأَلْقَوْا عَلَيَّ حِجَارَةً." الحجارة فوق الجب لا تُلقى لتجرحك فقط، بل لتُغلق عليك. هكذا يعمل الألم: يقنعك أن الباب سُدّ وأن القصة انتهت. لكن بعد سطرين يكتب الرجل نفسه: "دَعَوْتُ بِاسْمِكَ يَا رَبُّ مِنَ الْجُبِّ الأَسْفَلِ." صوتك يصعد من حيث لا يستطيع جسدك. صلِّ من تحت الحجارة.
يا الله، كل ما يأتيني يمر أولاً من بين يديك، الحلو والمر. أنا لا أفهم كل شيء، وأحياناً يضيق قلبي ويسأل لماذا. علّمني أن أثق بك حين لا أرى، وأن أعرف أنك لم تتركني في أي يوم من أيامي الصعبة.
أن يقلب الإنسان في دعواه. السيد لا يرى." هذه الكلمة خرجت من فم رجل فقد كل شيء، ومع ذلك يصرّ: الله لا يغمض عينيه عن قضيتك المقلوبة. ربما حُكم عليك ظلماً في مجلس، أو في حديث خلف ظهرك، وقيل لك اسكت، لا أحد يهتم. هناك واحد يهتم، ورأى، ولم ينسَ. وربما، في موضع آخر، أنتَ من قلبت دعوى أخيك.
أشكرك لأنه حتى حين «قادني وسيرني في الظلام ولا نور»، كانت يدك هي التي تمسك بيدي. أشكرك أنك لم تتركني أتخبط وحدي في العتمة، بل سرتَ أمامي في طريق لم أبصره، وجعلتَ الظلمة ممراً لا مسكناً. أشكرك أنك تعرف الطريق وأنا لا أعرفه.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
