فيليبي 3:12
النص
بولس، وهو في عزّ اندفاعه وقد بلغ الكلام ذروته عند "قيامة الأموات"، يكبح نفسه فجأة كمن يمسك بلجام فرس جامح: "ليس أني قد نلت أو صرت كاملًا". لا شيء في يدي بعد، لا الجائزة ولا الكمال. ثم يعود ويندفع من جديد، لكن بلهجة أخرى، لهجة العدّاء المنحني إلى الأمام: "ولكني أسعى لعلي أدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع". جملة واحدة فيها حركتان متعاكستان: يد تمتدّ إلى الأمام تحاول أن تقبض، ويد سبقتها منذ زمن فقبضت عليها. الرسول يركض نحو مَن يمسكه أصلًا. هذا هو كل الكلام: إقرار بالنقص، ثم جري، ثم اكتشاف أن الجري نفسه محمول بقبضةٍ سابقة على الطريق إلى دمشق.
الجوهر
لاحظ ترتيب الفعلين، فهو ليس اعتباطيًا: "أدرك" الثاني يسبق "أدرك" الأول في الزمن. المسيح قبض على شاول الطرسوسي وهو في طريقه ليسحل المؤمنين، قبل أن يخطر لشاول أن يطلبه. كل سعي بولس اللاحق ليس محاولة لكسب شيء، بل محاولة لبلوغ ما هو ممسوك به فعلًا. هنا ينهار التصوّر الديني الذي نحمله جميعًا: أن نجدّ لنُقبل. الترتيب معكوس. النعمة ليست مكافأة نهاية السباق، بل هي اليد التي ألقت بنا في السباق ابتداءً. ومع ذلك، انتبه، بولس لا يجلس. القبضة الإلهية لا تُلغي الركض، بل تُنشئه. الرجل الذي يعرف أنه ممسوك هو وحده الذي يجرؤ على قول "لست كاملًا" دون أن ينهار، ودون أن يتظاهر.
الخيط الجامع
هذا الترتيب، القبضة أولًا ثم الركض، ليس اختراعًا بولسيًا. إنه نسيج العهد كله. الله أخرج إسرائيل من مصر أولًا، بذراعٍ ممدودة، ثم أعطاهم الشريعة عند سيناء. لم تكن الوصايا شروطًا للخلاص بل أسلوب حياةٍ لشعبٍ مُخلَّص سلفًا. من يقلب هذا الترتيب يحوّل الإنجيل إلى دين، وهذا بالضبط ما كان بولس يحاربه في أول الأصحاح حين حذّر من "الاتكال على الجسد". والخيط يمتدّ إلى الأمام أيضًا: السباق الذي يركضه بولس له خطّ نهاية محدّد يذكره بعد قليل، حين يقول إن المخلّص الآتي من السماء "سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده". إذًا الركض ليس دورانًا في حلقة مفرغة. له وجهة، وله يومٌ يُدرَك فيه ما نسعى إليه إدراكًا كاملًا، بالجسد.
المرآة
أنت تعرف هذا التوتر جيدًا. تصلّي منذ سنوات على الخطيئة نفسها. تنفجر غضبًا على أولادك في المساء نفسه الذي قرأت فيه عن المحبة صباحًا. تقود مجموعة كتابية وأنت تعلم ما يدور في رأسك حين تُغلق الباب. وأمامك طريقان رديئان: أن تتظاهر بأنك وصلت، فتصير قاسيًا على الآخرين ومتعبًا في داخلك؛ أو أن تستسلم وتقول لا فائدة، فتترك السباق كله. بولس يرفض الاثنين. قال بصراحةٍ محرجة إنه لم يصر كاملًا، وفي الجملة نفسها قال إنه يسعى. الصدق عن الفشل والاستمرار في الجري ليسا متناقضين، بل هما وجها رجلٍ يعرف أنه ممسوك. خذ ورقة الآن، اكتب في سطرٍ واحد الشيء الذي فشلت فيه هذا الأسبوع وتخجل من ذكره، واكتب تحته: "أدركني المسيح يسوع"، ثم اقرأ السطرين بصوتٍ مسموع مرة واحدة ومزّق الورقة.
التفصيل
الفعل المستعمل مرتين هنا في اليونانية هو "كاتالامبانو" (katalambanō)، وهو ليس فعلًا لطيفًا. معناه أن تقبض على شيءٍ قبضة إحكام، أن تلحق بهاربٍ فتمسكه، أن تصطاد. يُستعمل عن العدّاء الذي يلحق بمنافسه فيتجاوزه، وعن الظلمة التي تحاول أن تدرك النور فلا تقدر. والترجمة العربية أصابت حين اختارت "أدرك" بمعناه المزدوج: اللحاق والفهم معًا. فكّر في الصورة: شاول كان هو المطارِد، الراكض خلف المؤمنين بأوراق التوقيف في جيبه. وعلى الطريق انقلب المشهد، وصار هو المطارَد الذي أُمسك. الرجل الذي كان يقبض على الناس، قُبض عليه. وبقية حياته كلها كانت محاولة أن يلحق بمن سبق ولحق به.
التناص
في تكوين ٣٢ يصارع يعقوب رجلًا حتى الفجر ويتمسّك به قائلًا لا أطلقك إن لم تباركني. تبدو الصورة معكوسة عن بولس، لكنها ليست كذلك: يعقوب هو الذي أتى إليه الرجل في الليل، وهو الذي خرج من الصراع أعرج، أي ممسوكًا في جسده إلى آخر عمره. التمسّك البشري حقيقي، لكنه دائمًا استجابة لمبادرةٍ سبقته. وبولس نفسه يستدرك على الغلاطيين بعبارةٍ من الجنس ذاته: أنتم عرفتم الله، بل بالحري عُرفتم من الله. كأن لسانه لا يحتمل أن يترك فاعلًا بشريًا بلا تصحيح. في كل مرة يذكر سعينا يعود ليضع تحته يد الله.
السؤال
إن كان بولس، في نهاية خدمته وهو في السجن، يقول إنه لم يصر كاملًا، فماذا نفعل بدعوة الكتاب إلى القداسة؟ والأصعب: بعد ثلاث آيات يقول "فليفتكر هذا جميع الكاملين منّا". كيف يكون غير كامل ويخاطب الكاملين؟ الجواب الأمين ليس تلاعبًا بالكلمات: هناك نضجٌ حقيقي يمكن بلوغه في هذا العمر، وهو أن تعرف أنك لم تبلغ. الكمال الذي ينفيه بولس هو النهاية، والكمال الذي يثبته هو النضج الذي يرفض أن يدّعي النهاية. وهذا يعني أنك لن تصل قبل القيامة، وأن كل وعدٍ بحياةٍ مسيحية بلا عرجٍ في هذا الجسد هو وعدٌ كاذب. القبضة مضمونة؛ الوصول مؤجَّل. والعيش في هذه المسافة هو الإيمان بعينه.
للتأمل
في أي منطقة من حياتك تركض لتكسب قبولًا سبق أن أُعطي لك، وكيف يبدو ذلك عمليًا في أسبوعك؟
لو صدّقت فعلًا أن المسيح ممسك بك، ما الذي كنت ستجرؤ على الاعتراف به اليوم ولم تجرؤ بعد؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول Philippians 3:12
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى فيليبي 3:12؟
عمّ يتحدث فيليبي 3:12؟
ما هو السياق التاريخي لـ فيليبي 3:12؟
ماذا يعلّمنا فيليبي 3:12 عن صفات الله؟
كيف لا يزال فيليبي 3:12 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Philippians 3
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يا رب، أنا أتمسك بأشياء كثيرة أحسبها ربحًا لي: إنجازاتي، وسمعتي، وما بنيته بتعبي. علّمني أن أرى قيمتها الحقيقية حين أضعها بجوارك. لا أريد أن أخسرك لأني ربحت ما لا يبقى. اجعل معرفتك هي كنزي الأول.
أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع". يكتب بولس هذا وهو سجين مقيّد، الجسد محبوس والقلب يركض. ولاحظ أنه لا يقول "وصلتُ" بل "أسعى"، وهو في آخر عمره. ما يعطّلك اليوم ليس ما تركته خلفك، بل التفاتك المستمر إليه. إلى أين ينظر قلبك الآن؟
يا أبي، أنا لم أصل بعد، وأنت تعرف ذلك أكثر مني. علّمني ألا أتوقف حين أرى نقصي، بل أمضي خطوة أخرى نحوك. أنت أمسكتني أولًا، وبهذا وحده أستطيع أن أكمل الطريق. ثبّت قلبي حين يتعب، واجعل شوقي إليك أقوى من خيبتي من نفسي.
أخيرا يا إخوتي افرحوا في الرب. كتابة هذه الأمور إليكم ليست علي ثقيلة وأما لكم فهي أمان."
لاحظ أن بولس يكرر، ولا يعتذر عن التكرار. ما نسمعه مرارا هو الذي يثبتنا حين تهتز الأرض تحتنا. وهو يكتب من السجن ويقول لك: افرح في الرب. ليس في الظرف، بل فيه هو. هل تحتاج اليوم أن تسمع ثانية ما تعرفه أصلا؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة