المزامير 22:1
النص
صرخة مزدوجة تفتح المزمور: "إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي". ليست شكوى من بعيد، بل مناداة من داخل العلاقة؛ المصلّي لا يتخلّى عن كلمة "إلهي" حتى وهو يتّهم الله بالتخلّي عنه. ثم يتّسع السؤال: "بَعِيدًا عَنْ خَلَاصِي، عَنْ كَلَامِ زَفِيرِي؟" أي أنّ الخلاص الذي يحتاجه صار بعيدًا، وأنّ أنينه نفسه يبدو كأنّه لا يبلغ أذنًا سامعة. الآية التالية تشرح المعنى بلا رحمة: "فِي ٱلنَّهَارِ أَدْعُو فَلَا تَسْتَجِيبُ، فِي ٱللَّيْلِ أَدْعُو فَلَا هُدُوَّ لِي". هذا هو الموقف: إنسان مؤمن، يصلّي بانتظام، ولا يأتيه جواب، ولا حتى سكون يسنده حتى الصباح.
الجوهر
الكلمة العبرية وراء "زَفِيرِي" هي שְׁאָגָה (شِآجاه)، وهي في الأصل زئير الأسد، لا همس المتضرّع. المزمور إذًا لا يقدّم لنا صلاة مهذّبة بل صوتًا خشنًا مجروحًا، ومع ذلك يضعه في كتاب العبادة الرسمي لشعب الله. هنا يقع الثقل اللاهوتي: الله يسمح بأن يُخاطَب هكذا، بل يُعلِّم شعبه أن يفعل. الإيمان في الكتاب المقدس ليس صمتًا مؤدّبًا أمام الألم، بل جرأة على حمل الألم إلى الله نفسه بصيغة سؤال. ولاحظ المفارقة التي يبنيها المزمور: "وَأَنْتَ ٱلْقُدُّوسُ ٱلْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ". الله حاضر في التسبيح، غائب في التجربة، والمصلّي يرفض أن يتخلّى عن أيّ من الحقيقتين. هذا التوتر، لا حلّه، هو ما يصنع إيمانًا ناضجًا.
الخيط الناظم
هذه الآية هي آخر ما نطق به يسوع المسيح بصوت عالٍ على الصليب قبل موته، بحسب متى ومرقس. وهذا ليس اقتباسًا عابرًا: من يبدأ بالسطر الأول من مزمورٍ معروف يستحضر المزمور كله. أي أنّ المصلوب كان يقرأ، في جسده، نصًّا يقول: "ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ"، و"يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ". لكن الأهم أنّ المزمور لا يقف عند السؤال؛ ينتهي عند "يَأْتُونَ وَيُخْبِرُونَ بِبِرهِ شَعْبًا سَيُولَدُ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ". هذا هو الخيط: الصرخة التي تبدو نهاية كل شيء تصير، في المسيح، البوابة إلى خلاصٍ يصل "كُلُّ أَقَاصِي ٱلْأَرْضِ". ما عاشه داود كغموض مؤلم، حمله المسيح كواقع كامل: متروكًا فعلًا، لكي لا يُترك أحد منّا إلى الأبد.
المرآة
لنكن صادقين: أنت تعرف هذه الآية من الداخل. الصلاة التي كرّرتها ثلاث سنوات عن زواجٍ يتآكل، أو عن ابنٍ ابتعد، أو عن تحليل طبي عاد بنتيجة أسوأ، والسماء ساكنة. والأصعب ليس الصمت، بل ما تفعله أنت به: تُجمّله. تقول في اجتماع الصلاة "أنا بخير، الرب أمين"، وتعود إلى البيت لتنام بلا هدوء. هذا المزمور يفضح تديّنًا مهذّبًا يخاف أن يزعج الله، كأنّ الله يحتاج حمايتك من حقيقتك. ويفضح أيضًا الكبرياء المقابلة: أن تصمت احتجاجًا، فتوقف الصلاة بدل أن تصرخ بها. لاحظ أنّ المصلّي هنا لم يقل "الله"، بل "إِلَهِي، إِلَهِي". ما زال يمسك بطرف الثوب.
اليوم، اختلِ عشر دقائق وراء باب مغلق، واقرأ الآية الأولى بصوتٍ مسموع، ثم أكمل بجملة واحدة صريحة: "يا الله، هذا هو الموضع الذي تبدو لي فيه غائبًا: …" وسمِّه باسمه، لا بعموميات.
السياق
هذا مزمور رثاءٍ فردي، من نوعٍ كان يُرفع في الهيكل وسط الجماعة، لا في عزلةٍ خاصة فقط. المصلّي إنسان في موقع الانهيار الاجتماعي الكامل: مريض أو مُطارَد، محاط بخصومٍ يراهم كـ"ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ" و"كِلَابٌ"، وقد فقد كرامته حتى قال عن نفسه "أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لَا إِنْسَانٌ". في ثقافة الشرق القديم، الشرف والعار عملة الحياة كلها؛ أن يَسخر منك الناس علنًا ويهزّوا رؤوسهم يعني أنك خرجت من دائرة البشر المحترمين. وفوق ذلك يأتي الطعن اللاهوتي: "ٱتَّكَلَ عَلَى ٱلرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ". أي أنّ بؤسه صار دليلًا ضدّ إيمانه، وضدّ الله نفسه.
الملامح
السامع الإسرائيلي الأول كان يحمل ذاكرة جماعية صريحة: "عَلَيْكَ ٱتَّكَلَ آبَاؤُنَا. ٱتَّكَلُوا فَنَجَّيْتَهُمْ". خروجٌ من مصر، خلاصٌ متكرّر، تاريخٌ موثّق من الاستجابة. ولهذا كانت الصرخة أثقل عليه ممّا هي علينا: المشكلة ليست أنّ الله مجهول، بل أنّه معروف جدًّا بأنه يُنقذ، ثم ها هو لا يُنقذ. هذا ليس شكّ الملحد؛ هذا جرح المؤمن الذي قرأ السجلّ وعرف أنّ العهد حقيقي. وكانوا يسمعون شيئًا آخر نفقده نحن: أنّ هذه الكلمات دخلت كتاب التسبيح الرسمي. أي أنّ الجماعة قرّرت أن تُنشد شكوى عضوٍ متروك بدل أن تُسكته. كنيسةٌ تغنّي "لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" هي كنيسة لا تطرد المتألّمين.
الشخصية المحورية
المصلّي في هذه الآية رجلٌ ممزّق بين معرفتين لا يستطيع التخلّي عن إحداهما. يعرف أنّ الله قدّوس وجالس بين التسابيح، ويعرف في الوقت نفسه أنّ نهاره كله دعاءٌ بلا جواب. الإنسان العادي يحلّ هذا التوتر بسرعة: إمّا ينكر ألمه ويتظاهر بالسلام، أو ينكر الله ويمضي. هو يرفض الحلّين، ويبقى واقفًا في النار يسأل. هذا ليس ضعف إيمان، بل أعلى درجاته: أن تتّهم الله أمام الله، لأنك لا تعرف عنوانًا آخر تذهب إليه. وهذا تحديدًا ما يجعله صورةً مسبقة للمسيح، الذي حمل الظلمة كلها ولم يُفلت كلمة "إلهي" من فمه.
تأمل
ما هو الشيء الذي تصلّي عنه منذ زمن ولم تجرؤ أن تقول لله بصراحة إنك لم تعد ترى منه جوابًا؟
هل جماعتك مكانٌ يستطيع فيه إنسانٌ متروك أن يقول ذلك بصوت عالٍ، أم عليه أن يبتسم ويصمت؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Psalms 22:1
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى المزامير 22:1؟
عمّ يتحدث المزامير 22:1؟
ما هو السياق التاريخي لـ المزامير 22:1؟
ماذا يعلّمنا المزامير 22:1 عن صفات الله؟
كيف لا يزال المزامير 22:1 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما الذي يلمسك في Psalms 22؟
لم تُشارَك أي تأملات على هذا المقطع بعد. كن أول من يترك شيئًا: تأملاً أو صلاة أو شكرًا.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة