كولوسي 2:14
النص
في هذه الآية يقول بولس إن الله فعل شيئًا بورقةٍ مكتوبة: "إِذْ مَحَا ٱلصَّكَّ ٱلَّذِي عَلَيْنَا فِي ٱلْفَرَائِضِ، ٱلَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا". كان هناك سندُ دَينٍ يحمل اسمنا، وثيقة تقف في وجهنا وتشهد علينا، فمُحيت كتابتها، ثم رُفعت من الوسط، ثم سُمِّرت على الصليب. ثلاثة أفعال متتابعة، كلها في الماضي التام، وكلها فاعلها الله لا نحن.
الجوهر
لاحظ أن الآية لا تقول إن الله تغاضى عن الصك، ولا أنه خفّض المبلغ. هو محاه. والمحو في عالمٍ يكتب على البردي بحبرٍ غير غائر يعني أن تمرّ الإسفنجة على السطر فلا يبقى أثر. لكن بولس لا يكتفي بذلك: الصك المَمحوّ سُمِّر أيضًا. هنا تتوقف اللغة عن الانسياب. لماذا تُسمَّر ورقةٌ فارغة؟ ربما لأن الغفران عند الله ليس نسيانًا سهلًا بل حدثًا له جسد وخشب ومسامير. الخلاص هنا ليس شعورًا بالبراءة، بل تصرّفٌ قانونيّ إلهيّ تم خارجنا، قبل أن نشعر به بزمنٍ طويل. وهذا ما يجعله ثابتًا: لأنه لا يستند إلى حالتنا الداخلية اليوم.
الخيط الجامع
الصك المرفوع "من الوسط" يستدعي كل ما كان يقف في الوسط منذ الفصل الثالث من سفر التكوين: السيف الملتهب، الحجاب، الفاصل بين القدس وقدس الأقداس. الكتاب المقدس قصة عائقٍ في المنتصف، ومحاولاتٍ بشرية متكررة لاجتيازه بالذبائح والفرائض والتقوى. وبولس يقول إن العائق لم يُخترَق بل رُفع. ثم يُكمل في الآية التالية: "إِذْ جَرَّدَ ٱلرِّيَاسَاتِ وَٱلسَّلَاطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا". أي أن الورقة كانت أيضًا سلاح الاتهام بيد قوى معادية، وحين مُحيت نُزع سلاحها. الصليب، الذي بدا في نظر رومية عارًا عامًا، صار هو اللوح الذي عُلِّق عليه إعلان براءتنا.
المرآة
هل تعرف صكك؟ أظن أنك تعرفه. ليس بالضرورة قائمة خطايا مرتبة، بل ذلك الصوت الذي يستيقظ الساعة الثالثة فجرًا ويذكّرك بالكلمة التي قلتها لابنك قبل عشر سنين، بالمال الذي أخذته ولم تُرجعه، بالسنوات التي أضعتها. الغريب أن الإنسان يتشبث بصكه أحيانًا؛ فيه شيء يشبه العدالة، شيء يجعلنا نشعر أننا صادقون مع أنفسنا. أن تصدّق أن الورقة مُحيت يتطلب تواضعًا أعمق من التواضع الذي يجلد الذات. وربما هنا السؤال الذي يجب أن تحمله معك اليوم: إن كان الله قد رفع الصك من الوسط، فمن الذي أعاد نسخة منه إلى درج مكتبك؟
الشخصية المحورية
الفاعل في هذه الآية هو الله، ولا أحد سواه. لاحظ سلسلة الأفعال: أحياكم، مسامحًا، محا، رفع، مسمِّرًا. نحن في هذا النص مفعولٌ به من أوله إلى آخره؛ كنا "أَمْوَاتًا فِي ٱلْخَطَايَا" في الآية السابقة، والميت لا يُساهم. ما يدهش في صورة الله هنا أنه ليس القاضي الذي يُقنَع، بل الدائن الذي يقوم بنفسه ويمحو الورقة. لكن التصوير لا يجعله متساهلًا؛ فالمسامير حقيقية والصليب حقيقي. هذا إلهٌ يحمل كلفة عفوه في جسده. وهو أيضًا إلهٌ يعمل علنًا: لم يمزّق الصك في الخفاء، بل علّقه حيث يراه الجميع.
التفصيل
كلمة "ٱلصَّكّ" في اليونانية cheirographon، أي "المكتوب باليد". وفي العرف التجاري في ذلك الزمان كان المدين يكتب سند دَينه بخط يده، إقرارًا شخصيًا لا يمكن إنكاره: أنا فلان أُقرّ بأنني مدين بكذا. توقف عند هذا. الصك الذي علينا مكتوبٌ بخط أيدينا نحن. لا أحد لفّق التهمة. الفرائض التي حكمت علينا لم تكن ظالمة، بل نحن الذين وقّعنا عليها بحياتنا اليومية، باختياراتٍ صغيرة متراكمة. وهذا ما يجعل المحو مذهلًا: ليس إبطالًا لوثيقة مزوّرة، بل إسقاطًا لدَينٍ مُعترَفٍ به. الله لا يبرّئنا لأننا أبرياء، بل يمحو لأنه رحيم.
الوجه الآخر
الذين استمعوا إلى هذه الرسالة في كولوسي كانوا يتعرّضون لضغطٍ محدد: معلمون يقولون لهم إن الإيمان بالمسيح بداية جيدة، لكن يلزمهم فوق ذلك أعياد وأهلة وسبوت وامتناعات، "لَا تَمَسَّ! وَلَا تَذُقْ! وَلَا تَجُسَّ!". أي أن الصك، في تصوّرهم، ما زال مفتوحًا ويحتاج إلى أقساط. فيأتي بولس بصورة من عالمهم التجاري اليومي، صورة يفهمها كل صاحب دكان في المدينة، ويقول: الحساب أُقفل. ثم يضيف صورة من عالمهم السياسي: المسمار والخشب، أداة الإمبراطورية لإعلان الهزيمة. الرسالة التي سمعوها كانت أعنف مما نسمعه نحن: ما تظنونه طريق التقدم الروحي هو في الحقيقة عودة إلى ورقةٍ لم يعد لها وجود.
—
ما هو الصك الذي تعرف أنه مُحي، ومع ذلك تجد نفسك تقرأه من جديد؟ ولماذا؟
إن كان الغفران قد تمّ خارجك، في الماضي، على خشبة، فما الذي يتغيّر في طريقة صلاتك هذا الأسبوع؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Colossians 2:14
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى كولوسي 2:14؟
عمّ يتحدث كولوسي 2:14؟
ما هو السياق التاريخي لـ كولوسي 2:14؟
ماذا يعلّمنا كولوسي 2:14 عن صفات الله؟
كيف لا يزال كولوسي 2:14 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Colossians 2
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
وأقول هذا لكي لا يخدعكم أحد بكلام ملق." لاحظ أن بولس لا يحذّرك من كلام قبيح، بل من كلام جميل، منمّق، يداعب أذنك. الخداع نادراً ما يأتي بوجه بشع. وحمايتك ليست في ذكاء أكبر، بل في السطر الذي قبله: المسيح الذي فيه "جميع كنوز الحكمة والعلم مخفاة". من عرف الكنز لا يغريه بريق زائف. فمن أين تأخذ أنت قناعاتك هذه الأيام؟
لاحظ الكلمة: لم تكن مريضًا فشُفيت، بل كنت ميتًا. والميت لا يمدّ يده ليطلب النجاة. «وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحاً لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا». لم يقل ببعضها. تلك الخطية التي ما زلت تخجل من ذكرها باسمها أمام الله، هي داخلة في كلمة «جميع».
لاَ تَمَسَّ وَلاَ تَذُقْ وَلاَ تَجُسَّ" قواعد تبدو مقدسة، لكن بولس يكشف سرّها: "الَّتِي هِيَ جَمِيعُهَا لِلْفَنَاءِ فِي الاسْتِعْمَالِ". الطعام الذي منعت نفسك منه بتشدّد يفنى في المعدة، أمّا القلب فيبقى كما هو. اسأل نفسك بصدق: هل قائمة ممنوعاتي تقرّبني من المسيح، أم تعطيني فقط شعوراً لذيذاً بأنني أفضل من غيري؟ القداسة ليست امتناعاً عن أشياء زائلة، بل التصاقاً بشخص حيّ لا يزول.
أبي، أنت جرّدت كل قوة تحاول أن تخيفني، وفضحتها علانية في انتصار المسيح على الصليب. حين تثقل عليّ أصوات الاتهام والخوف، ذكّرني أن المعركة قد حُسمت، وأنني أقف في ظل غلبةٍ ليست من صنع يديّ بل من نعمتك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة