أفسس 3
النصّ
يبدأ بولس جملةً في العدد الأول ثم يتركها معلّقة: "بِسَبَبِ هَذَا أَنَا بُولُسُ، أَسِيرُ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لِأَجْلِكُمْ أَيُّهَا ٱلْأُمَمُ"، وبدل أن يكمل، ينحرف ليشرح السرّ الذي أُعلن له: أنّ الأمم صاروا شركاء في الميراث والجسد والموعد في المسيح. ثم في العدد الرابع عشر يستأنف الجملة نفسها، لكن لا بشرحٍ بل بركبتين على الأرض: صلاة أن يتقوّى المؤمنون في الإنسان الباطن، وأن يدركوا محبةً تفوق المعرفة، ويُختم كلّ ذلك بتسبيحةٍ للقادر أن يفعل أكثر جدًّا ممّا نطلب أو نفتكر.
القلب
الكلمة المفتاحيّة هنا "السرّ" (باليونانية مستيريون)، وهي لا تعني لغزًا محيّرًا بل أمرًا كان مكتومًا وقد كُشف الآن. "ٱلسِّرِّ ٱلْمَكْتُومِ مُنْذُ ٱلدُّهُورِ فِي ٱللهِ" ليس معلومةً جديدة أضافها الله إلى ملفّه، بل قصدٌ كان ساكنًا في قلبه قبل أن توجد الأجيال التي ستنكره. والمذهل أنّ مضمون هذا السرّ ليس رؤيا عن آخر الزمان ولا معرفةً باطنيّة للنخبة، بل شيء أبسط وأصعب: أنّ الأغراب صاروا أهل البيت. أن يجلس اليهودي والأمميّ على مائدة واحدة، هذا هو ما كان مخفيًّا في الله منذ الأزل. لاحظ أنّ الحكمة الإلهية لا تُعلن هنا بمعجزةٍ في السماء، بل "بِوَاسِطَةِ ٱلْكَنِيسَةِ". جماعةٌ صغيرة مختلطة في مدينةٍ وثنيّة تصير لوحة إعلانٍ للرؤساء والسلاطين. أليس هذا مقلقًا بقدر ما هو مشرّف؟
الخيط الجامع
لم يكن دخول الأمم فكرةً طارئة. الوعد لإبراهيم في تكوين ١٢ كان يحمل من البداية بركةً لجميع قبائل الأرض، والأنبياء رأوا الأمم قادمة إلى نور صهيون. لكن ما لم يُرَ، ما "لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو ٱلْبَشَرِ"، هو الطريقة: لا أن تأتي الأمم كأضياف على هامش شعب الله، بل أن تكون "شُرَكَاءُ فِي ٱلْمِيرَاثِ وَٱلْجَسَدِ". جسد واحد. هذه ليست توسيعًا للخيمة، بل خلقٌ جديد لشعب. والذي يجعل ذلك ممكنًا هو الصليب الذي كان الفصل السابق يتحدّث عنه: الحائط المهدوم. لهذا يسمّي بولس أباه "أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَعَلَى ٱلْأَرْضِ". كلّ نسبٍ في الوجود يستمدّ اسمه من أبٍ واحد. من هنا، انتماؤك ليس إنجازك.
المرآة
نصلّي عادةً ليتغيّر ظرفنا: العمل، الفحص الطبيّ، الابن الشارد، الحساب البنكيّ في آخر الشهر. وبولس، وهو في السجن فعلًا، يصلّي لأجل شيء آخر تمامًا: "أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِٱلْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي ٱلْإِنْسَانِ ٱلْبَاطِنِ". لا يطلب فتح الأبواب بل تعميق الجذور. وهذا يفضح فينا شيئًا: كم من طلباتنا تدور حول تحسين الغلاف الخارجي للحياة، وكم منها حول أن يسكن المسيح فعلًا في القلب؟ ثم لاحظ أنّ إدراك "ٱلْعَرْضُ وَٱلطُّولُ وَٱلْعُمْقُ وَٱلْعُلْوُ" لا يحدث وحدك، بل "مَعَ جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ"، بمن فيهم ذاك الذي يزعجك في اجتماع الكنيسة. الاتّساع الذي يعرضه بولس لا يُقاس بمفردك. اليوم: اجلس واكتب طلبًا واحدًا لشخصٍ يصعب عليك أن تحبّه في الكنيسة، لا أن تتغيّر أخلاقه، بل أن يتقوّى في الإنسان الباطن، وصلِّ الطلب بصوتٍ مسموع.
السياق
بولس يكتب من قيدٍ رومانيّ، وهذا يعطي كلامه ثقلًا غريبًا. أفسس مدينة ضخمة، مركز عبادة أرطاميس، مزدحمة بالسحر والهياكل والولاءات. في عالمٍ كهذا، الانتماء يتحدّد بالنسب والمدينة والإله المحليّ، والحدّ بين اليهودي والأمميّ حدٌّ اجتماعيّ حقيقيّ، لا فكرة لاهوتيّة. حين يقول بولس إنّه "أَسِيرُ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لِأَجْلِكُمْ"، فهو يعني أنّ سلاسله جاءت تحديدًا من هذا الإعلان: من إدخال الأمم إلى مكانٍ اعتبره كثيرون محرّمًا. ولذلك يقول شيئًا يخالف كلّ منطق الشرف والعار في ذلك العالم: "أَطْلُبُ أَنْ لَا تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لِأَجْلِكُمُ ٱلَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ". سجن الرسول ليس عارًا يجب تبريره، بل مجدهم.
السؤال
كيف نعرف ما "يَفُوق المعرفة"؟ بولس يطلب أن نعرف محبةً وصفها بأنها "ٱلْفَائِقَةَ ٱلْمَعْرِفَةِ". هذا ليس تلاعبًا بالكلام، وهو أيضًا ليس دعوةً إلى ترك العقل. أظنّ أنّه يعترف بحدٍّ حقيقيّ: هناك معرفة تشبه إمساك الماء، تعرف أنّك تلمسه ولا تستطيع أن تحصره. من جرّب أن يشرح لماذا احتمل ولم يسقط، أو ما حدث في تلك اللحظة عند قبر أبيه، يفهم. والنصّ لا يزيل هذا الحدّ ولا يعتذر عنه، بل يبني عليه: من هنا بالضبط ينتقل بولس إلى "أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ". أي أنّ ما لا نستطيع قياسه ليس فراغًا، بل امتلاء ينتظرنا. لكن يبقى السؤال معلّقًا كما تركه: هل نطلب ما لا نقدر أن نتخيّله؟
النصوص المتقاطعة
في سليمان عند تكريس الهيكل (١ ملوك ٨) نجد رجلًا راكعًا يقول إنّ السماوات لا تسع الله، فكيف يسع هذا البيت؟ سؤالٌ يظلّ مفتوحًا حتى أفسس ٣، حيث يصير المسكن قلوبًا بشريّة: "لِيَحِلَّ ٱلْمَسِيحُ بِٱلْإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ". الهيكل انتقل. وفي رومية ١١ يقف بولس أمام حكمة الله فلا يجد إلّا التعجّب من أعماق غناها؛ الحركة نفسها هنا، حيث المنطق يتحوّل إلى ركبتين مثنيّتين ثم إلى تسبيح. من يتعامل بجدّيّة مع هذا السرّ ينتهي به الأمر إلى الصلاة، لا إلى الإتقان الفكريّ.
تأمّل
ما هو أصغر طلبٍ تصلّيه هذه الأيام، ولماذا لا تجرؤ أن تطلب أكثر؟
إن كانت الكنيسة هي الطريقة التي بها تُعرَف حكمة الله عند الرؤساء والسلاطين، فما الذي تعلنه جماعتك عن الله هذا الأسبوع؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول Ephesians 3
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى أفسس 3؟
عمّ يتحدث أفسس 3؟
ما هو السياق التاريخي لـ أفسس 3؟
ماذا يعلّمنا أفسس 3 عن صفات الله؟
كيف لا يزال أفسس 3 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Ephesians 3
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
والقادر أن يفعل فوق كل شيء أكثر جدا مما نطلب أو نفتكر بحسب القوة التي تعمل فينا".
لاحظ آخر الآية: القوة التي تعمل فينا، لا فوقنا ولا بعيدا عنا. بولس قال هذا وهو مقيد في سجن. ما يفوق طلبك ليس معلقا في السماء ينتظر ظروفا أفضل، بل يسكن فيك الآن.
سؤال: هل صغر طلبك لأنك قست الله على مقدار ما تحتمله ظروفك؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة