تكوين 47
النص
يقف يوسف أمام فرعون فيقدّم خمسة من إخوته، ثم يُدخل أباه الشيخ الذي يبارك الملك ويصف عمره بأنه «قليلة ورديّة»؛ فتُعطى العائلة أفضل الأرض في جاسان. ثم يتحوّل المشهد إلى المجاعة: يجمع يوسف فضّة مصر وكنعان، ثم مواشيها، ثم أرضها وأجسادها، حتى يقول الشعب: «اشترنا وأرضنا بالخبز، فنصير نحن وأرضنا عبيدًا لفرعون». ويُختم الأصحاح بإسرائيل يثمر ويكثر في جاسان، ويعقوب يستحلف يوسف ألّا يدفنه في مصر.
اللبّ
في هذا الأصحاح حركتان متعاكستان في الاتجاه نفسه. مصر تفقد كل شيء: المال، ثم القطيع، ثم الأرض، ثم الحرية. وإسرائيل، الذي لم يملك شيئًا ودخل متسوّلًا للطعام، «تملّكوا فيها وأثمروا وكثروا جدًّا». الجوع نفسه الذي أفقر أمة أغنى عائلة. هذا ليس حظًّا ولا مكافأة على استحقاق؛ آخر ما يستحقه هؤلاء الإخوة هو أفضل الأرض بعد ما فعلوه بيوسف. الله يحفظ عهده عبر آلة إمبراطورية لا تعرفه، ويطعم شعبه من مخازن وثنية. وفي الوقت نفسه يسجّل النص، بلا تعليق، أن الخبز له ثمن: من يملك القمح يملك في النهاية الناس.
الخيط الناظم
«أحييتنا»، يقول المصريون ليوسف. جملة شكر صادقة، لكنها تُقال من فم عبيد. الخلاص الذي قدّمه يوسف حقيقي، لكنه كلّف المُخلَّصين كل ما لديهم: الفضة والأرض والجسد. هنا يبدأ الظلّ يتّخذ شكله: مخلّص يقف بين الموت والناس وبيده الخبز. وحين يقول يسوع في يوحنا ٦ إنه هو خبز الحياة، فهو يقلب معادلة يوسف رأسًا على عقب: لا يأخذ الفضة بل يدفعها، لا يشتري أجسادًا بل يبذل جسده، ولا يُدخل المُخلَّصين في عبودية لفرعون بل يُخرجهم إلى بنوّة. ثم هناك يعقوب الذي يرفض أن تكون مصر قبره: «لا تدفنّي في مصر». رجل على فراش الموت يرهن مستقبل جسده على أرض موعد لا يملك فيها سوى مقبرة. هذا هو الإيمان الذي يسمّيه العهد الجديد نظرًا إلى وطن أفضل.
المرآة
تعرف أنت كيف يبدأ الأمر: تبيع الفضة أولًا، أي الكماليات، ثم المواشي، أي ما يُنتج، ثم تجد نفسك قد رهنت الأرض نفسها. ساعات إضافية لا تنتهي، قرض يمتدّ عشرين سنة، صمت أمام رئيس تعرف أنه ظالم لأن الراتب يأتي منه. ليس هذا جشعًا بالضرورة؛ كثيرًا ما يكون خوفًا: «فلماذا نموت قدّامك؟». والخوف من الجوع يجعل العبودية تبدو صفقة معقولة، بل يجعلنا نشكر من استعبدنا. وفي المقابل يقف يعقوب، الذي لا يجمّل سيرته ولا يسمّي سنواته مباركة، بل «قليلة ورديّة»، ومع ذلك يبارك فرعون ويسجد على رأس السرير. الصدق المرّ والعبادة يمكن أن يسكنا القلب نفسه.
اليوم، اكتب على ورقة الشيء الواحد الذي تخاف فقدانه أكثر من غيره، والثمن الذي تدفعه فعليًّا مقابل الاحتفاظ به، ثم قل بصوت مسموع: «هذا ليس خبزي».
السؤال
هل ما فعله يوسف عادل؟ النص لا يمدحه ولا يدينه. يخبرنا فقط أن الشعب باع نفسه، وأن الكهنة وحدهم نجوا لأن لهم «فريضة من قِبَل فرعون»، وأن الخُمس صار شريعة «إلى هذا اليوم». المحرج أن المنطق نفسه الذي بنى به يوسف دولة فرعون سيُستخدم بعد أجيال ضد نسله: فرعون آخر، وأجساد عبرانية، وسخرة. الكتاب لا يعطينا مخرجًا هنا. ربما هذا بالذات ما يجب أن نسمعه: حتى المخلّص الصالح، إن كان بشرًا، يبني أنظمة تتحوّل إلى أقفاص. يبقى السؤال مفتوحًا، وهو أحد الأسباب التي تجعل الكتاب يسير نحو مخلّص لا يملك حقلًا واحدًا ولا يأخذ من أحد فضّة.
الشخصية المحورية
يوسف يدير الأصحاح، لكن يعقوب يؤطّره. يدخل شيخًا منهكًا على أعظم ملوك الأرض، ولا ينحني بل «بارك يعقوب فرعون»، مرتين. الأصغر لا يبارك الأكبر؛ وهنا الغريب الفقير يبارك صاحب المخازن، لأنه يحمل وعدًا أُعطي لإبراهيم: فيك تتبارك جميع قبائل الأرض. ثم يُسأل عن عمره فيجيب بمرارة لا تليق بالمجاملات الملكية: سنو غربتي مئة وثلاثون، قليلة ورديّة. رجل خدع وخُدع، دفن راحيل، وبكى يوسف سبع عشرة سنة ظنًّا منه أنه ميت. لا يدّعي أن الحساب مستقيم. وفي آخر أنفاسه لا يطلب مالًا ولا ضمانًا لأولاده، بل قبرًا في الأرض الصحيحة. ثم يسجد. هذا هو الإيمان العاري: بلا إنجازات، وبيد ممدودة نحو وعد لم يتحقق بعد.
الملامح
تخيّل من سمع هذا أول مرة: جيل خرج من مصر، أو أبناؤهم في كنعان. حين يُقال لهم إن يوسف أسكن أباه «في أرض رعمسيس»، يرتجف شيء في صدورهم؛ فرعمسيس هي المدينة التي بناها أجدادهم بالطين والسخرة. دخلنا ضيوفًا مكرَّمين في أفضل الأرض، وخرجنا عبيدًا من المكان نفسه. ويسمعون أيضًا كيف صار المصريون عبيدًا لفرعون بأيديهم طوعًا، فيفهمون أن الاستعباد ليس قدرًا بل مسارًا، وأن مصر، مهما كانت كريمة في موسم الجوع، ليست وطنًا. لذلك كان قسم يعقوب بشأن قبره يعني لهم ما لا يعنيه لنا: هو إعلان أن انتماء هذا الشعب إلى أرض الوعد، لا إلى خزائن النيل.
للتأمل
ما هو «الخبز» الذي أشتريه اليوم بثمن حرّيتي، ومن الذي يملكني فعليًّا حين أدفع؟
لو سُئلت الآن كما سُئل يعقوب عن سني حياتي، فهل أستطيع أن أكون صادقًا في المرارة وأبارك في الوقت نفسه؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Genesis 47
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى تكوين 47؟
عمّ يتحدث تكوين 47؟
ما هو السياق التاريخي لـ تكوين 47؟
ماذا يعلّمنا تكوين 47 عن صفات الله؟
كيف لا يزال تكوين 47 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Genesis 47
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
وبارك يعقوب فرعون". تأمل المشهد: شيخ مهاجر، جاء هاربا من الجوع، يقف أمام أعظم ملوك الأرض، فلا يتسوّل بل يبارك. من يملك القمح كله احتاج إلى كلمة من فم رجل لا يملك شيئا سوى الله. قد تدخل أنت أيضا إلى مكان تشعر فيه أنك الأصغر والأفقر. لكن إن كان الله معك، فأنت تحمل ما لا يُشترى بكل خزائن مصر.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
