شرح الكتاب المقدس

إشعياء 36

اقرأ

النصّ

في السنة الرابعة عشرة لحزقيا يجتاح سنحاريب مدن يهوذا الحصينة كلّها، ثم يرسل ربشاقى من لاخيش إلى أورشليم بجيش عظيم، فيقف عند قناة البركة العليا، عند المكان نفسه الذي وقف فيه إشعياء ذات يوم يدعو آحاز إلى الإيمان. يخرج إليه ثلاثة من كبار رجال البلاط، فينهال عليهم بخطبة محسوبة: مصر قصبة مرضوضة تثقب كفّ من يتوكّأ عليها، وحزقيا نفسه أهان الرب حين أزال المرتفعات، والرب هو الذي أرسل أشور لتخريب الأرض. ثم يرفض أن يتكلّم بالأرامية، ويصرخ بالعبرانية في مسامع الشعب الجالس على السور، يعرض عليهم استسلامًا مغلَّفًا بوعد الكرمة والتينة، ويعدّ آلهة الأمم التي سقطت واحدة تلو الأخرى. يصمت الشعب بأمر الملك، ويعود الرجال الثلاثة بثيابٍ ممزّقة.

الجوهر

الكلمة التي تتكرّر في هذا الأصحاح ليست "جيش" ولا "سور" بل "اتّكال": «مَا هُوَ هَذَا ٱلِٱتِّكَالُ ٱلَّذِي ٱتَّكَلْتَهُ؟». المعركة الحقيقية عند سور أورشليم ليست عسكرية بل لاهوتية، وميدانها قلب الإنسان: على من تستند حين تنهار كل الأسناد المرئية؟ وربشاقى، وهو يهزأ، يقول شيئًا صحيحًا وشيئًا كافرًا في نفَسٍ واحد. الصحيح: أنّ الاتّكال على مصر وهمٌ يجرح اليد التي تتمسّك به. والكافر: أنّه يضع الرب في صفٍّ واحد مع آلهة حماة وأرفاد وسفروايم، كأنّ إله العهد صنمٌ إقليميّ آخر بين الأصنام. هنا تلتقي القداسة بالكفر وجهًا لوجه. أشور قد تكون فعلًا قضيب غضب في يد الله، لكنّ الأداة حين تظنّ نفسها اليد تصير هي ذاتها موضوع الدينونة. والنعمة تظهر في أنّ الله لا يدافع عن شعبه فحسب، بل عن اسمه: هذا الشعب المحاصر ليس واحدًا من الأمم، بل شعب عهدٍ لا يُلغى بجيشٍ عظيم.

الخيط الجامع

خطبة ربشاقى ليست حادثة معزولة، بل هي شكلٌ من أشكال صوتٍ قديم: صوتٌ يقتبس الحقيقة ليقتل الثقة. جاء إلى حواء بسؤالٍ عن كلام الله، وجاء إلى آحاز عند القناة نفسها بخوف رصين وعقلاني، ويأتي إلى أورشليم اليوم بلغة السياسة الواقعية. وسيقف الصوت ذاته يومًا تحت صليبٍ خارج هذا السور بالذات: إن كنت ابن الله فأنقذ نفسك، وليخلّصه الآن إن كان يسرّ به. الفرق أنّ أورشليم نجت بصمتها، أمّا الملك الحقيقي فسكت ومات. حزقيا يحصّن مدينة؛ المسيح يفتح ذراعيه ويسلّم المدينة كلّها إلى يد الآب. وهناك، حيث بدا أنّ الاتّكال خاب تمامًا، ظهر أنّه لم يخب البتّة، وأنّ الفداء يُصنع في العجز لا في السور.

المرآة

نحن نعرف مصر جيدًا. مصر هي الحساب البنكي الذي يجعلك تنام، والعلاقة التي تضمن لك مكانًا، والسمعة المهنية التي تحميك من السقوط، والفحص الطبي الذي جاء سليمًا. ليست هذه الأمور شرًّا، لكنّها قصبة: تحمل قليلًا ثم تنكسر وتثقب الكفّ من الداخل. والأخطر من ربشاقى الواقف على السور هو ربشاقى الجالس في رأسك عند الثالثة فجرًا، يعدّ لك أسماء من صلّوا ولم يُنقَذوا: أين آلهة حماة وأرفاد؟ لاحظ أنّ الجواب في هذا الأصحاح ليس جدالًا بل صمت وثيابٌ ممزّقة تُحمَل إلى الملك. الإيمان أحيانًا هو أن تحمل الكلام إلى الله بدل أن تردّ عليه.

اكتب اليوم على ورقة صغيرة اسم "مصر" التي تتّكئ عليها فعليًا، ثم قل بصوتٍ مسموع: هذه قصبة مرضوضة، وأنا أتّكل على الرب؛ ومزّق الورقة.

التفصيل

توقّف عند العرض في العدد السادس عشر: «ٱعْقِدُوا مَعِي صُلْحًا، وَٱخْرُجُوا إِلَيَّ». الأصل العبري يقول حرفيًا: اصنعوا معي بركة. أشور لا تعرض حربًا فقط، بل تعرض عهدًا مضادًّا ببركةٍ مضادّة: كرمة وتينة وبئر ماء، ثم أرض حنطة وخمر وخبز وكروم. هذه ليست لغة عسكرية، إنها لغة سفر التثنية مسروقة ومقلوبة. إنه خروجٌ معكوس: بدل أن يُخرَج الشعب من العبودية إلى أرض الموعد، يُخرَج من أرض الموعد إلى العبودية، والوعد نفسه هو الطُّعم. هكذا يعمل كل صنم: لا ينكر رغبتك في البركة، بل يقدّم لك نسخة منها بثمن سيّدٍ آخر. والسؤال الوحيد الحاسم في العرض كلّه: من يقول "أنا" فيه؟

التناص

اقرأ إشعياء 7 بجانب هذا الأصحاح. المكان واحد: قناة البركة العليا في طريق حقل القصار. هناك وقف إشعياء أمام آحاز الخائف وقال له إن لم تثبتوا في الإيمان فلن تثبتوا أصلًا، فرفض آحاز واستأجر أشور. الآن يقف ابنُه حزقيا في المكان نفسه أمام ثمرة اختيار أبيه: أشور التي استُؤجرت صارت هي المحاصِرة. الله يعيد الامتحان في البقعة ذاتها. والصدى الثاني في إشعياء 10، حيث يسمّي الرب أشور قضيب غضبه، لكنه يضيف أنّ الفأس لا تفتخر على القاطع بها. ربشاقى يقول إنّ الرب أرسله، وهو لا يدرك أنّه بذلك ينطق بحكمه على نفسه.

المستمعون الأوائل

الجالسون على السور ليسوا قرّاءً، بل ناسٌ جائعون يرون دخان لاخيش في الأفق ويعرفون أن السامرة سقطت قبل سنوات. حين صرخ ربشاقى بالعبرانية عمدًا، كان يفعل ما تفعله كل دعاية حرب: يتجاوز القيادة ويخاطب الجوع مباشرة. وذِكرُ العذرة والبول ليس بذاءة عابرة، بل وصفٌ دقيق لما يعرفه كل من عاش حصارًا. أمّا الجيل الذي قرأ هذا النصّ لاحقًا في بابل، فقد سمع فيه شيئًا آخر: أورشليم نجت مرة، ثم سقطت مرة. لذلك لم يُحفظ الأصحاح كنشيد انتصارٍ وطني، بل كسؤالٍ يبقى مفتوحًا: على من نتّكل حين لا يأتي الخلاص بالشكل الذي انتظرناه؟

أسئلة للتأمل

أيّ صوتٍ في حياتك يقول لك كلامًا صحيحًا جزئيًا ليقنعك بأنّ الله ليس مختلفًا عن سائر الأسناد التي خذلتك؟

متى يكون الصمت أمام الاتّهام إيمانًا، ومتى يكون هروبًا؟ وكيف تميّز بينهما في موقفٍ تعيشه الآن؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Isaiah 36

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى إشعياء 36؟
في السنة الرابعة عشرة لحزقيا يجتاح سنحاريب مدن يهوذا الحصينة كلّها، ثم يرسل ربشاقى من لاخيش إلى أورشليم بجيش عظيم، فيقف عند قناة البركة العليا، عند المكان نفسه الذي وقف فيه إشعياء ذات يوم يدعو آحاز إلى الإيمان. يخرج إليه ثلاثة من كبار رجال البلاط، فينهال عليهم بخطبة محسوبة: مصر قصبة مرضوضة تثقب كفّ من يتوكّأ عليها، وحزقيا نفسه أهان الرب حين أزال المرتفعات، والرب هو الذي أرسل أشور لتخريب الأرض.
عمّ يتحدث إشعياء 36؟
خطبة ربشاقى ليست حادثة معزولة، بل هي شكلٌ من أشكال صوتٍ قديم: صوتٌ يقتبس الحقيقة ليقتل الثقة. جاء إلى حواء بسؤالٍ عن كلام الله، وجاء إلى آحاز عند القناة نفسها بخوف رصين وعقلاني، ويأتي إلى أورشليم اليوم بلغة السياسة الواقعية. وسيقف الصوت ذاته يومًا تحت صليبٍ خارج هذا السور بالذات: إن كنت ابن الله فأنقذ نفسك، وليخلّصه الآن إن كان يسرّ به.
ما هو السياق التاريخي لـ إشعياء 36؟
اكتب اليوم على ورقة صغيرة اسم "مصر" التي تتّكئ عليها فعليًا، ثم قل بصوتٍ مسموع: هذه قصبة مرضوضة، وأنا أتّكل على الرب؛ ومزّق الورقة.
ماذا يعلّمنا إشعياء 36 عن صفات الله؟
اقرأ إشعياء 7 بجانب هذا الأصحاح. المكان واحد: قناة البركة العليا في طريق حقل القصار. هناك وقف إشعياء أمام آحاز الخائف وقال له إن لم تثبتوا في الإيمان فلن تثبتوا أصلًا، فرفض آحاز واستأجر أشور. الآن يقف ابنُه حزقيا في المكان نفسه أمام ثمرة اختيار أبيه: أشور التي استُؤجرت صارت هي المحاصِرة.
كيف لا يزال إشعياء 36 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
أيّ صوتٍ في حياتك يقول لك كلامًا صحيحًا جزئيًا ليقنعك بأنّ الله ليس مختلفًا عن سائر الأسناد التي خذلتك؟

ما الذي يلمسك في Isaiah 36؟

لم تُشارَك أي تأملات على هذا المقطع بعد. كن أول من يترك شيئًا: تأملاً أو صلاة أو شكرًا.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

بدعم من شركائنا