إرميا 20
النص
في باب بنيامين الأعلى، عند مدخل بيت الرب حيث يمرّ كل صاعدٍ إلى الهيكل، جلس نبيّ في المقطرة: رجلاه وعنقه ويداه مثبّتة في خشبة، ظهره موجوع من الضرب، ووجهه معروضٌ لكل عابر. فشحور بن إمّير، الكاهن والناظر الأول، أي رئيس شرطة الهيكل، سمع كلام إرميا فأسكته بالطريقة الأسرع. وفي الغد أطلقه، فخرج إرميا من الخشبة لا ليصمت بل ليعطي الرجل اسمًا جديدًا: «مَجُور مِسَّابيب»، أي الخوف من كل جانب، ويعلن سبي يهوذا ونهب خزائنها وموت فشحور في بابل. ثم ينقلب الأصحاح فجأة إلى الداخل: شكوى مرّة ضد الله نفسه، واعترافٌ بأن كلمته نارٌ محصورة في العظام، وصرخة ثقة، ثم لعنةٌ على يوم الولادة.
الجوهر
الأصحاح يضع أمامنا إلهًا لا يُقاوَم. «قد أقنعتني يا ربُّ فاقتنعتُ، وألححتَ عليّ فغلبتَ»: الفعل العبري هنا أقوى مما توحي به الترجمة، فهو يُستعمل عن إغواءٍ أو خداعٍ يُفضي إلى استسلام، وإرميا يتّهم الله بأنه جرّه إلى خدمةٍ لم يكن يعرف ثمنها. هذا ليس تجديفًا، بل هو أصدق ما في الكتاب: الله يحتمل أن يُخاطَب هكذا. والجوهر أن كلمة الله ليست رسالةً يحملها النبي كما يحمل ساعٍ رسالةً في جيبه، بل نارٌ تأكله من الداخل إن أمسكها. السلطة الدينية تستطيع أن تضرب الفم وتقيّد الجسد في المقطرة، لكنها لا تملك شيئًا تجاه النار. وهنا موضع النعمة القاسية: الله لا ينقذ نبيّه من الألم، بل يقف معه فيه «كجبّارٍ قدير».
الخيط الجامع
المشهد عند باب بنيامين ليس حادثة معزولة في تاريخ يهوذا، بل هو النمط الذي يتكرر: الله يرسل كلمته، والمؤسسة التي يُفترض أنها تحرسها هي أول من يضربها. رجلٌ بارّ معلّقٌ عند مدخل الهيكل، معروضٌ للسخرية طوال النهار، أصدقاؤه «يراقبون ظلعي» وينتظرون زلّة ليمسكوه بها. من يقرأ الأناجيل لا يحتاج إلى شرح: المحاكمة التي بدأت من رئيس الكهنة، والجنود الذين سخروا، والتلاميذ الذين تفرّقوا. الفارق أن إرميا طلب أن يرى نقمة الله من مضطهديه، والمسيح طلب الغفران لهم. لكن الخيط واحد: كلمة الله تمرّ في جسد إنسان، ويُدفع ثمنها في ذلك الجسد. وما بين الآية الثالثة عشرة، «رنّموا للرب»، والآية الرابعة عشرة، «ملعون اليوم الذي وُلدت فيه»، تمتدّ المسافة نفسها التي يعيشها كل مؤمن بين القيامة المُعلنة والألم الحاضر.
المرآة
نحن نميل إلى ترتيب حياتنا الروحية: أولًا الشكوى، ثم التوبة، ثم الثقة، ثم التسبيح، والنهاية سعيدة. إرميا يكسر الترتيب. يسبّح في الثالثة عشرة ويلعن يوم ميلاده في الرابعة عشرة، ولا أحد يصحّح له. إن كنتَ قد خرجتَ من اجتماع صلاة مرنّمًا ثم جلستَ في السيارة وبكيتَ من المرارة، فأنت لستَ منافقًا، أنت في الأصحاح العشرين. وثمة مرآة أقسى: فشحور ليس وثنيًا، بل كاهنٌ يخدم في بيت الرب ويظن أنه يحمي السلام العام. أخطر مقاومةٍ لكلمة الله تأتي ممن يملكون المفاتيح ويقولون إنهم يحفظون النظام: في اجتماع العمل، في مجلس الكنيسة، في العائلة حين يُسكَت الصادق باسم «عدم إثارة المشاكل». اليوم، قبل أن ينتهي النهار: اكتب في دفترك أو في ملاحظات هاتفك جملةً واحدةً صادقة تقولها لله عن وجعك، بلا تجميل ولا «لكن»، ثم اقرأها بصوتٍ مسموع.
السؤال
لماذا لم يجبه الله؟ الأصحاح ينتهي عند «لماذا خرجتُ من الرحم، لأرى تعبًا وحزنًا؟» ولا يأتي صوتٌ من السماء. لو كنّا نحن محرّري الكتاب لأضفنا آيةً تاسعة عشرة فيها تعزية. لكن النصّ يتركنا في الصمت، والصمت هنا هو الجواب الوحيد الصادق. إرميا سيظل أربعين سنةً يكرز لشعبٍ لن يتوب، وسيُلقى في الجبّ، وسيموت في مصر غالبًا، ولن يرى الرجوع من السبي. فهل غلبه الله فعلًا بغير إنصاف؟ النص لا يبرّئ الله ولا يدينه، بل يفعل شيئًا أغرب: يحفظ الشكوى في الكتاب المقدس، يجعلها كلمة الله عن نفسها. أي أن الله اختار أن يبقى هذا الاتهام منقوشًا في كتابه إلى الأبد. ومن يحتمل ذلك، يحتمل صراخك أنت أيضًا.
التناص
أيوب الثالث يقول كلامًا يكاد يكون نسخةً: «ليته هلك اليوم الذي وُلدتُ فيه». لكن أيوب يلعن يومه وهو لا يعرف لماذا يتألم، وإرميا يلعن يومه وهو يعرف تمامًا لماذا، وهذا أمرّ. المعرفة لا تخفّف الألم بالضرورة. والصدى الثاني في إرميا الأول، حين وعده الله: «هأنذا قد جعلتك اليوم مدينةً حصينة». الوعد تحقّق حرفيًا: فشحور ضربه ولم يكسره، أطلقه فعاد يتنبّأ. لكن «حصينة» لا تعني «غير متألمة». المدينة الحصينة تصمد وهي مثقوبة الأسوار. هذا تصحيحٌ ضروري لكل من ظنّ أن حفظ الله يعني غياب الجراح.
التفصيل
الاسم الذي أعطاه إرميا لفشحور، «مَجُور مِسَّابيب»، الخوف من كل جانب، يعود في الآية العاشرة من فم أعدائه هو نفسه: «خوفٌ من كل جانب». الكلمة التي قذفها النبيّ ارتدّت إليه. صاروا يلقّبونه بها في الشوارع، كأنها نكتةٌ شعبية: ها هو «الخوف من كل جانب» قادم. في ثقافة الشرق القديم الاسم ليس تسميةً بل مصير، وتغيير الاسم فعل سلطة. إرميا مارس سلطة الله على فشحور، ثم وجد المصير نفسه يلتصق به. هذا هو ثمن حمل الكلمة: أنت لا تُلقيها على الآخرين من مسافة آمنة، بل تدخل أنت أيضًا في دائرتها.
أسئلة للتأمل
أين في حياتك تمسك كلمةً تعرف أنها صحيحة، لكنك تصمت لأن الكلفة الاجتماعية أعلى مما تحتمل؟
هل تسمح لنفسك بأن تقول لله ما قاله إرميا، أم أنك تظن أن صلاتك يجب أن تكون مهذّبة أولًا؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Jeremiah 20
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى إرميا 20؟
عمّ يتحدث إرميا 20؟
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 20؟
ماذا يعلّمنا إرميا 20 عن صفات الله؟
كيف لا يزال إرميا 20 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 20
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
في الآية التي قبلها كانوا يهمسون: "لعله يُغوى فنقدر عليه"، ينتظرون سقطته. ثم ينطق إرميا: "ولكن الرب معي كجبار قدير. من أجل ذلك يعثر مضطهديّ ولا يقدرون".
لاحظ التبديل: هم كانوا يترصدون عثرته، فصار العثور نصيبهم. لم يقل إرميا إن الألم انتهى، بل إن الله واقف معه في وسطه.
أنت أيضًا، لا تحتاج أن تكون قويًّا. يكفي أن يكون الجبار القدير معك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
