شرح الكتاب المقدس

إرميا 25

هذا الفصل متاح بفضل JL Group

النص

في السنة الرابعة ليهوياقيم، أي في العام الذي بدأ فيه نبوخذراصر حكمه، يقف إرميا ليحصي ثلاثاً وعشرين سنة من الكلام الذي لم يُسمع: «فكلمتكم مبكراً ومكلماً فلم تسمعوا». ثم يأتي الحكم: عشائر الشمال، سبعون سنة من الخدمة لبابل، ثم دينونة بابل نفسها. وفي الجزء الثاني يُعطى إرميا كأساً من يد الرب ويُرسل ليسقيها للأمم واحدة بعد أخرى، بدءاً بأورشليم وانتهاءً بـ«كل ممالك الأرض»، ويُختم الفصل بولولة الرعاة الذين لا مهرب لهم.

القلب

الفصل يقول شيئاً عن الله يصعب استيعابه: صبره الطويل ليس تسامحاً بلا حدود. ثلاث وعشرون سنة من الإنذار ليست تردداً بل رحمة تُمنح مساحة، والدعوة نفسها لم تتغير: «ارجعوا كل واحد عن طريقه الرديء… واسكنوا في الأرض». لاحظ أن الله لا يطلب مشروعاً دينياً جديداً بل رجوعاً. وحين لا يأتي الرجوع، لا يتحول الله إلى وحش غاضب، بل يفعل ما وعد به. الأخطر أن الدينونة لا تبدأ من الأمم الوثنية بل من «المدينة التي دعي اسمي عليها». الانتماء إلى الله يزيد المسؤولية ولا يمنح حصانة. هذا ليس إلهاً قبلياً يحمي أتباعه ضد الآخرين، بل الرب الذي «له خصومة مع الشعوب» كلها، بيته أولاً.

الخيط الممتد

الكأس هي المفتاح. في العهد القديم، كأس السخط صورة ثابتة للدينونة التي تُشرب حتى القاع: «اشربوا واسكروا وتقيأوا واسقطوا ولا تقوموا». ولا أحد يُعفى، وحتى الرفض لا ينفع: «تشربون شرباً». ثم نصل إلى جثسيماني، ونسمع ابن الله راكعاً يقول: «يا أبتِ، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس» (متى ٢٦). ليست هذه استعارة عامة عن الألم؛ إنها هذه الكأس بعينها، المرفوعة من يد الرب، والتي دارت على الأمم. المسيح لم يوزعها كإرميا، بل شربها. ولاحظ الترتيب الذي رسمه إرميا نفسه: الدينونة تبدأ من حيث دُعي اسم الله. وقد بدأت فعلاً، عند الصليب، على الواحد الذي حمل اسم الله كاملاً. البار يشرب كأس غير الأبرار، وهذا هو الإنجيل في صورة واحدة.

المرآة

الفصل يفضح ظناً نحمله جميعاً: أن التحذير المتكرر الذي لم يتحقق بعد هو دليل على أنه لن يتحقق. ثلاث وعشرون سنة سمع فيها أهل يهوذا الكلمة نفسها، وكل سنة مرّت بسلام أكدت لهم أن إرميا مبالغ. أنت تعرف هذا: العلاقة التي تتآكل في بيتك وأنت تقول لنفسك إن الوقت سيصلحها، الدَّين الذي يكبر، الإدمان الصغير الذي «تحت السيطرة»، البرود الروحي الذي تسميه انشغالاً. طول أناة الله ليست تصريحاً بالتأجيل بل مساحة للرجوع، ولها نهاية. والأشد وقعاً: انتماؤك إلى شعب الله لا يجعلك محصناً. «فهل تتبرأون أنتم؟ لا تتبرأون». المعمودية والحضور في الكنيسة ليست تأميناً ضد قسوة القلب، بل دعوة يومية إلى أن تُصدّق الكلمة قبل أن تصير حدثاً.

السياق

نحن في سنة ٦٠٥ ق.م. تقريباً، لحظة مفصلية في تاريخ الشرق القديم: بابل تكسر مصر في كركميش، وتوازن القوى ينقلب. يهوذا دولة صغيرة عالقة بين إمبراطوريتين، وسياستها الخارجية تراوح بين التحالف مع فرعون والخضوع لبابل. يهوياقيم ملك عيّنته مصر، رجل مستبد بلا وزن روحي، وابن ليوشيا الذي كان قد قاد إصلاحاً دينياً انتهى بموته. الجماهير في أورشليم كانت تعتقد أن الهيكل ضمانة لا تُخترق: الله لن يسمح بسقوط بيته. في هذا الجو يقف إرميا ليقول إن العدو الآتي من الشمال ليس حادثاً سياسياً بل أداة في يد الله، وإن سبعين سنة قادمة ستُعاد فيها كتابة هوية الشعب. كلامه بدا خيانة وطنية، وكلفه ذلك حياته الاجتماعية كلها.

التفصيلة

في العدد العاشر يعدّد الله ما سيُبيده: «صوت الطرب وصوت الفرح، صوت العريس وصوت العروس، صوت الأرحية ونور السراج». توقّف عند الأخيرين. ليس الكلام عن الهيكل ولا عن العرش ولا عن الجيش، بل عن صوت حجر الرحى في الصباح، أي رائحة الخبز اليومي، وعن ضوء السراج في المساء، أي البيت الذي لا يزال فيه أحد مستيقظ. الدينونة لا تُقاس هنا بسقوط المؤسسات بل بسكون المطبخ وانطفاء المصباح. هذا هو ما يخسره الإنسان فعلاً حين يخسر الله: العادي، الحميم، المطمئن. ولهذا فإن ما يستعيده المسيح ليس فكرة مجردة عن الخلاص، بل عرساً وخبزاً ونوراً، أي المشهد ذاته الذي انطفأ هنا.

السؤال

كيف يسمّي الله نبوخذراصر «عبدي»؟ الكلمة العبرية هي עַבְדִּי، اللقب ذاته الذي يُمنح لموسى ولداود ولعبد الرب المتألم. أن يُلبَس هذا اللقب لطاغية وثني يُحرق أورشليم أمرٌ مزعج، والنص لا يخفف من وقعه. لا يعني أن نبوخذراصر مؤمن، ولا أن قسوته صارت مقبولة؛ العدد الثاني عشر يعلن أن بابل ستُحاسب «على إثمهم» بعد سبعين سنة. إذاً: الله يستخدم يداً لا يبرئها. هذا لا يُحلّ منطقياً، ويبقى فيه شيء يجرحنا. لكنه ليس عبثاً: لو كان بولس يفكر بمنطق آخر لما كتب عن الصليب أن أشرّ فعل في التاريخ صار أعمق فعل خلاص. الله يُحكم سلطانه في التاريخ من دون أن يصير شريكاً في شره، وأنا لا أعرف كيف. أعرف فقط أنه لم يُنقذ نفسه من الكأس.

أسئلة للتأمل

في حياتي، أي تحذير سمعته مرات كثيرة حتى صار غير مسموع، وما الذي يمنعني من الرجوع اليوم؟

إذا كان المسيح قد شرب الكأس التي كان اسمي عليها، فما الذي يتغيّر في طريقة تعاملي مع خطيئتي: أقلّ خوفاً أم أقلّ تهاوناً؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Jeremiah 25

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى إرميا 25؟
في السنة الرابعة ليهوياقيم، أي في العام الذي بدأ فيه نبوخذراصر حكمه، يقف إرميا ليحصي ثلاثاً وعشرين سنة من الكلام الذي لم يُسمع: «فكلمتكم مبكراً ومكلماً فلم تسمعوا». ثم يأتي الحكم: عشائر الشمال، سبعون سنة من الخدمة لبابل، ثم دينونة بابل نفسها. وفي الجزء الثاني يُعطى إرميا كأساً من يد الرب ويُرسل ليسقيها للأمم واحدة بعد أخرى، بدءاً بأورشليم وانتهاءً بـ«كل ممالك الأرض»، ويُختم الفصل بولولة الرعاة الذين لا مهرب لهم.
عمّ يتحدث إرميا 25؟
الفصل يقول شيئاً عن الله يصعب استيعابه: صبره الطويل ليس تسامحاً بلا حدود. ثلاث وعشرون سنة من الإنذار ليست تردداً بل رحمة تُمنح مساحة، والدعوة نفسها لم تتغير: «ارجعوا كل واحد عن طريقه الرديء... واسكنوا في الأرض». لاحظ أن الله لا يطلب مشروعاً دينياً جديداً بل رجوعاً. وحين لا يأتي الرجوع، لا يتحول الله إلى وحش غاضب، بل يفعل ما وعد به.
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 25؟
الكأس هي المفتاح. في العهد القديم، كأس السخط صورة ثابتة للدينونة التي تُشرب حتى القاع: «اشربوا واسكروا وتقيأوا واسقطوا ولا تقوموا». ولا أحد يُعفى، وحتى الرفض لا ينفع: «تشربون شرباً». ثم نصل إلى جثسيماني، ونسمع ابن الله راكعاً يقول: «يا أبتِ، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس» (متى ٢٦).
ماذا يعلّمنا إرميا 25 عن صفات الله؟
الفصل يفضح ظناً نحمله جميعاً: أن التحذير المتكرر الذي لم يتحقق بعد هو دليل على أنه لن يتحقق. ثلاث وعشرون سنة سمع فيها أهل يهوذا الكلمة نفسها، وكل سنة مرّت بسلام أكدت لهم أن إرميا مبالغ. أنت تعرف هذا: العلاقة التي تتآكل في بيتك وأنت تقول لنفسك إن الوقت سيصلحها، الدَّين الذي يكبر، الإدمان الصغير الذي «تحت السيطرة»، البرود الروحي الذي تسميه انشغالاً.
كيف لا يزال إرميا 25 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
نحن في سنة ٦٠٥ ق.م. تقريباً، لحظة مفصلية في تاريخ الشرق القديم: بابل تكسر مصر في كركميش، وتوازن القوى ينقلب. يهوذا دولة صغيرة عالقة بين إمبراطوريتين، وسياستها الخارجية تراوح بين التحالف مع فرعون والخضوع لبابل. يهوياقيم ملك عيّنته مصر، رجل مستبد بلا وزن روحي، وابن ليوشيا الذي كان قد قاد إصلاحاً دينياً انتهى بموته.
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 25

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

صلاة تحريري في آية 8

يا رب، أعترف أن كلامك وصل إليّ مرات كثيرة ولم أصغِ. انشغلت بصوتي وصوت العالم، وتجاهلت صوتك الصبور. افتح أذنيّ من جديد، وليّن قلبي القاسي، وعلّمني أن أسمع اليوم قبل أن يمرّ الوقت.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

شركة؟