إرميا 43
النص
ينتهي إرميا من نقل كلام الرب كله، وينتظر. لكن الجواب لا يأتي كتوبة ولا كصمتِ تفكير، بل كاتهام: «أنْتَ مُتَكَلِّمٌ بِٱلْكَذِبِ! لَمْ يُرْسِلْكَ ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا»، ثم يُلقى اللوم على باروخ الكاتب كأنه المحرِّض الخفي. فيأخذ يوحانان بن قاريح وقوّاد الجيوش البقية كلها، رجالًا ونساءً وأطفالًا وبنات الملك، ويسحبون معهم النبي وكاتبه إلى مصر، إلى تحفنحيس. وهناك، أمام باب بيت فرعون، يأمر الله إرميا بأن يطمر حجارة كبيرة في الملاط، علامةً على أن نبوخذراصر سيأتي وينصب كرسيّه فوق هذه الحجارة نفسها، ويلبس أرض مصر كما يلبس الراعي رداءه.
الجوهر
اللافت هنا أن العصيان لم يأتِ بلغة العصيان. لم يقل أحد: «سمعنا الله ونرفض». قالوا: «لَمْ يُرْسِلْكَ ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا». هذه هي أخطر صورة للتمرّد: أن ننزع عن الكلمة صفة أنها كلمة الله، فيصير الرفض تقوى، والهرب حكمة. ومع ذلك، لاحظ أن النص لا يقبل هذه التسمية؛ فهو يعيد الحكم بصراحة قاسية: «لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِ ٱلرَّبِّ». الله يسمّي الأمور بأسمائها حتى عندما يجمّلها الإنسان. والأدهى: هو لا يتخلى عنهم في مصر. يرسل كلمته إلى تحفنحيس أيضًا. النعمة تلحق العاصي إلى منفاه الذي اختاره، لكنها تلحقه بالحقيقة لا بالمجاملة.
الخيط الناظم
مصر ليست مجرد جغرافيا في الكتاب المقدس؛ إنها الاتجاه المعاكس للخروج. الشعب الذي خرج من هناك بيدٍ قوية يعود إليها الآن طوعًا، بحثًا عن الأمان الذي وعد الله أن يعطيه في أرض يهوذا. هذا هو الخيط الحزين الذي يمتد في العهد القديم: البحث عن ضمانات بشرية بدل الثقة بكلمة العهد. وفي مقابل هذا الشعب المسحوب قسرًا إلى مصر، يأتي متى بخبرٍ مغاير: طفلٌ يُحمل إلى مصر بأمر الله لا رغمًا عنه، ثم يُدعى منها ليكمل الخروج الذي فشل فيه شعبه. المسيح يذهب حيث ذهبوا، لكنه يذهب مطيعًا، ويعود ليصنع خلاصًا لم يستطع خوفهم أن يصنعه.
المرآة
نحن بارعون في هذا. لا نقول «لن أطيع»؛ نقول «لست متأكدًا أن هذا من الله». الوظيفة التي نعلم أننا يجب أن نتركها، والعلاقة التي نعلم أنها تفسدنا، والدين الذي نعلم أننا يجب أن نتوقف عن تكديسه: كلها تُغطّى بلغة روحية مهذّبة. وأحيانًا نفعل ما فعله هؤلاء تمامًا: نبحث عن شخصٍ نلوم رغبتنا عليه. «بَلْ بَارُوخُ بْنُ نِيرِيَّا مُهَيِّجُكَ عَلَيْنَا». اتُّهم الكاتب المسكين لأنه أسهل من مواجهة الكلمة. اسأل نفسك: مَن هو باروخ في حياتك؟ الشخص الذي تتّهمه بالتشدد أو التحريض حتى لا تصغي إلى ما يقوله؟ الخوف يجد دائمًا لنفسه لاهوتًا يبرّره.
التفصيل
حجارة مطمورة في الملاط أمام باب بيت فرعون. تصوّر المشهد: نبيّ عجوز، مهجَّر قسرًا، يجثو في الطين عند مدخل القصر المصري ويدفن حجارة لا يراها أحد بعد لحظات. لا صوت، لا جمهور، لا احتفال. علامة مخفية تحت الأرض. لكن الله يقول عن هذه الحجارة بالذات: «وَأَضَعُ كُرْسِيَّهُ فَوْقَ هَذِهِ ٱلْحِجَارَةِ ٱلَّتِي طَمَرْتُهَا». الشعب هرب إلى مصر ليجلس بعيدًا عن عرش بابل؛ والله يضع علامة العرش في العتبة التي دخلوا منها. المكان الذي اخترته لتفرّ من يد الله هو المكان الذي أعدّ فيه كرسيّه سلفًا. وأصعب ما في الأمر أن العلامة كانت مطمورة: القضاء يعمل تحت السطح قبل أن يُرى.
السؤال
لماذا اضطر إرميا أن يذهب؟ الرجل الذي كان محقًّا يُسحب مع المخطئين، ويحمل معهم عقاب اختيارهم، ويكمل حياته في مصر بلا عودة. النص لا يقدّم أي تفسير، ولا كلمة تعاطف واحدة معه. هذا يجرح شيئًا فينا يريد أن تُحمى الطاعة من نتائج عصيان الآخرين. لكن الكتاب لا يعطينا ذلك. النبي يشارك مصير الشعب الذي رفضه، ويظل حاملًا كلمة الله في المكان الذي لم يخترْه. لا نستطيع أن نسمّي هذا عدلًا بالمعنى البسيط. يمكننا أن نقول فقط إن هذا هو الطريق الذي سيسلكه واحدٌ آخر إلى النهاية: أن يُحمل مع العصاة وهو بريء.
السياق
نحن في سنة 586 قبل المسيح أو بعدها قليلًا. أورشليم محروقة، الهيكل ركام، والملك سُمِلت عيناه وسُحب إلى بابل. تركت بابل بقيةً فقيرة تحت حكم جدليا، محاولةً لإحياء حياة زراعية بسيطة. ثم قُتل جدليا، فصار الخوف مطلقًا: بابل ستنتقم. ويوحانان بن قاريح، قائد عسكري لا نبيّ، يفكر كما يفكر أي ضابط: النجاة في المسافة. ومصر كانت القوة الوحيدة المتبقية، وتحفنحيس مدينة حدودية شرقية فيها قصر ملكي ومستوطنات لأجانب مرتزقة. عمليًّا، كان القرار معقولًا تمامًا. وهذه هي المشكلة: أحيانًا يكون العصيان هو أذكى خطة على الطاولة.
للتأمل
أين في حياتك تستخدم عبارة «لست متأكدًا أن هذا من الله» كغطاء لشيء أنت متأكد منه تمامًا؟
لو كان الله قد وضع كرسيّه سلفًا في المكان الذي تهرب إليه، فما الذي يتغيّر في طريقة تعاملك مع خوفك اليوم؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Jeremiah 43
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى إرميا 43؟
عمّ يتحدث إرميا 43؟
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 43؟
ماذا يعلّمنا إرميا 43 عن صفات الله؟
كيف لا يزال إرميا 43 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما الذي يلمسك في Jeremiah 43؟
لم تُشارَك أي تأملات على هذا المقطع بعد. كن أول من يترك شيئًا: تأملاً أو صلاة أو شكرًا.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
