إرميا 46
النص
يبدأ الأصحاح بصوت قائد يصرخ في جيشه: «أَعِدُّوا ٱلْمِجَنَّ وَٱلتُّرْسَ وَتَقَدَّمُوا لِلْحَرْبِ»، ثم يُسرَج الخيل وتُصقَل الرماح وتُلبَس الدروع. وفجأة ينقلب المشهد: «لِمَاذَا أَرَاهُمْ مُرْتَعِبِينَ وَمُدْبِرِينَ إِلَى ٱلْوَرَاءِ». مصر التي تصعد كالنيل لتغطي الأرض تتحطّم عند الفرات، ثم يأتي وعد ثانٍ بأن بابل ستدخل أرض مصر نفسها وتدوسها. وفي آخر الأصحاح ينقلب الصوت مرة أخرى، لا ليهدِّد بل ليطمئن: «وَأَنْتَ فَلَا تَخَفْ يَا عَبْدِي يَعْقُوبُ».
الجوهر
هذا نصّ عن مَن يملك التاريخ فعلًا. معركة كركميش سنة 605 ق.م. كانت، بلغة اليوم، إعادة ترتيب للنظام العالمي؛ وإرميا يقول إنها لم تكن حادثة عسكرية بل «ذَبِيحَةً» للرب في أرض الشمال. الله ليس متفرجًا على السياسة، ولا هو طرفٌ فيها يساند الأقوى؛ هو الذي يطرح المقتدرين: «لِأَنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ طَرَحَهُمْ». وهنا تكمن الحدّة الأخلاقية: إن كان الله يدين الإمبراطوريات على كبريائها، فهو يدين المنطق نفسه حين يسكن فينا، منطق مَن يحسب أن قوته تكفي. لكن النص لا يقف عند الدينونة. ففي الآية 26 وعدٌ مذهل لمصر نفسها: «ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُسْكَنُ كَٱلْأَيَّامِ ٱلْقَدِيمَةِ». الضربة ليست الكلمة الأخيرة، ولا حتى على العدو.
الخيط الناظم
«يَوْمُ نَقْمَةٍ» و«ذَبِيحَةٌ» كلمتان تتردّدان في الأنبياء حتى تبلغا ذروتهما في العهد الجديد، لكن بانقلاب غريب: في الجلجثة لا يُذبح العدو بل يُذبح الابن. ما يقوله الله هنا لشعبه، «أُؤَدِّبُكَ بِٱلْحَقِّ وَلَا أُبَرِّئُكَ تَبْرِئَةً»، يبقى معلّقًا كوعدٍ وتهديد معًا حتى يحمل المسيح التأديب بالحق في جسده، فيصير التبرير ممكنًا دون أن يُلغى العدل. وأمّا الوعد بأن مصر ستُسكَن ثانيةً فهو بذرة صغيرة من ذلك الحصاد الواسع: أممٌ كانت أعداءً تُجمَع في نهاية القصة. الله يضرب الأمم ويشفيها؛ هذان ليسا إلهين، بل إله واحد يسير نحو مصالحة.
المرآة
الخطر هنا ليس أنك تعبد آمون نو. الخطر أنك، مثل مصر، تُعِدّ المجنّ والترس وتظن أن ذلك يكفي. انظر إلى عبارة الآية 25: «فِرْعَوْنَ وَٱلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ». الدينونة تطال فرعون ومن اتّكل عليه. ومصر، في عصر إرميا، كانت خطة يهوذا البديلة، الحليف الذي يُلجأ إليه حين يبدو أن الله بطيء. ما هي مصرك؟ الرصيد الذي يجعلك تنام مطمئنًا، السمعة المهنية التي تحميك من أن تُستغنى عنك، الصهر الذي له واسطة، التأمين الصحي الذي صار لاهوتك العملي في مواجهة الموت. لا شيء من هذا شرير في ذاته؛ الشر هو أن تتوكّل عليه. اختبر نفسك بسؤال بسيط: ما الشيء الذي لو فقدته اليوم لانهار إحساسك بالأمان أكثر مما ينهار لو غاب الله؟
افعل هذا اليوم: اكتب على ورقة اسم الشيء الواحد الذي تتّكل عليه فعلًا لحمايتك، ثم قل بصوت مسموع أمام الله: «هذا لا يحميني، أنت تحميني»، ومزّق الورقة.
التفصيل
قفْ عند الآية 11: «ٱصْعَدِي إِلَى جِلْعَادَ وَخُذِي بَلَسَانًا يَا عَذْرَاءَ، بِنْتَ مِصْرَ. بَاطِلًا تُكَثِّرِينَ ٱلْعَقَاقِيرَ. لَا رِفَادَةَ لَكِ». مصر كانت مشهورة بطبّها وأدويتها؛ وإرميا يرسلها ساخرًا إلى جلعاد، مصدر البلسان الشهير شرق الأردن، لتشتري دواءً لجرحٍ ليس من نوع الجروح التي يداويها البلسان. والكلمة العبرية هنا للجرح تعني تمزّقًا عميقًا لا يلتئم. هذا يلمس شيئًا نعرفه جيدًا: نحن بارعون في مضاعفة العقاقير. ساعة إضافية في الجيم، كورس جديد، مستشار مالي، مهدّئ، عطلة. ولا شيء من ذلك خطأ. لكن حين يكون الجرح في موضع علاقتك بالله، فكل دواء آخر، مهما تكاثر، يترك نفس الجملة معلّقة: «لَا رِفَادَةَ لَكِ».
السياق
السنة الرابعة ليهوياقيم، أي 605 ق.م. فرعون نخو هو نفسه الذي قتل يوشيا الملك الصالح عند مجدو قبل أربع سنوات، ثم نصّب يهوياقيم دميةً على عرش أورشليم. فحين تسقط مصر عند الفرات، يسقط الضامن السياسي ليهوذا كلها. ثم يأتي الجزء الثاني من النبوّة عن زحف نبوخذراصر إلى أرض مصر ذاتها، ويُسمّي مُدنًا بعينها: «مَجْدَلَ… نُوفَ وَفِي تَحْفَنْحِيسَ». وهذه الأسماء ليست جغرافيا محايدة؛ إليها بالضبط سيهرب لاحقًا بقيةٌ من اليهود طلبًا للأمان، جارّين إرميا معهم رغمًا عنه. أي أنهم سيختبئون في المكان الذي أعلن الله أن سيفه سيصل إليه. هذا ما يفعله الخوف: يختار الملجأ الذي سبق الله فحذّر منه.
الشخصية الرئيسية
الشخصية المركزية ليست نخو ولا نبوخذراصر، بل «ٱلْمَلِكُ رَبُّ ٱلْجُنُودِ ٱسْمُهُ». لاحظ كيف يتكلم: ينادي الجيش المصري بنفسه ليتسلّح، ثم يسخر من انهزامه. هذه سخرية إله يعرف النهاية. لكنه ليس باردًا. فالصوت نفسه الذي قال «ٱلْخَوْفُ حَوَالَيْهِمْ» يقول بعد أسطر: «لَا تَخَفْ يَا عَبْدِي يَعْقُوبُ… لِأَنِّي أَنَا مَعَكَ». وهذا الفرق هو مفتاح الأصحاح كله: الأمم تُفنى، وأمّا يعقوب فيُؤدَّب. التأديب مؤلم، ولا يُلغى بالتهوين: «وَلَا أُبَرِّئُكَ تَبْرِئَةً». لكنه تأديب أبٍ لا إفناء قاضٍ. أن تكون عبدًا لهذا الإله لا يعني أن تُعفى من الضربة، بل أن تعرف أن الضربة لن تكون كلمتك الأخيرة.
أسئلة للتأمل
ما الذي ستفعله غدًا صباحًا لو عرفت يقينًا أن «مصرك» لن تنجدك؟
أين في حياتك تخلط بين تأديب الله لك وبين غضبه عليك، وما الفرق الذي يصنعه ذلك في صلاتك الليلة؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Jeremiah 46
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى إرميا 46؟
عمّ يتحدث إرميا 46؟
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 46؟
ماذا يعلّمنا إرميا 46 عن صفات الله؟
كيف لا يزال إرميا 46 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 46
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
قد خزيت بنت مصر ودفعت ليد شعب الشمال." مصر التي هرب إليها شعب الله مرارًا طلبًا للأمان، ها هي نفسها تُسلَّم. الملجأ الذي بدا قويًا انكسر. اسأل نفسك: أين تضع ثقتك حين تخاف؟ في عمل، في إنسان، في مال مدّخر؟ كل ملجأ سوى الله يُخزى يومًا، لا ليتركك بلا شيء، بل ليردّك إلى الوحيد الذي لا يسقط.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
