يوحنا 13:23
النص
في اللحظة التي تلبَّدت فيها الغرفة بالشكّ، بعد أن قال يسوع إن واحدًا منهم سيسلّمه، والتلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض محتارين، يلتفت الراوي إلى تفصيل هادئ: واحد منهم كان متّكئًا قريبًا جدًّا من يسوع، في حِضنه، رأسه عند صدره. ولا يُسمّى هذا التلميذ. يُعرَّف بشيء واحد فقط: «كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ». آية واحدة، بلا حوار، بلا حركة. مجرد جسدٍ مائلٍ نحو يسوع في غرفةٍ يتهددها الخبر الثقيل. كأن الإنجيل يضع، وسط ضجيج الأسئلة، صورةً ساكنة: هناك من يسأل «من هو؟»، وهناك من يستريح. والنص لا يشرح لنا كيف صار هذا ممكنًا في مثل تلك الليلة؛ يتركه معروضًا أمامنا، ويمضي.
الجوهر
لاحظ ما يجعله الإنجيل هويةً لهذا الرجل. لا موهبته، لا إخلاصه، لا شجاعته؛ بل أنه محبوب. صيغة الفعل في اليونانية، ἠγάπα (إغابا)، فعل مستمرّ: كان يسوع يحبّه ويظلّ يحبّه، لا لحظة عاطفة بل تيّار ثابت. وهذا هو الجوهر: أن يكون الإنسان معروفًا عند الله بما فعله الله فيه، لا بما أنجزه هو. وهو يُقال في اللحظة الأشدّ هشاشة، حين اتضح أن الدائرة الضيقة حول المائدة ليست آمنة، وأن واحدًا منها سيبيع. المحبة لا تُذكَر هنا كمكافأةٍ على استحقاق، بل كأمرٍ واقعٍ سابقٍ على كل شيء، مثل الأرض تحت القدمين. ثم يبقى السؤال معلّقًا: لماذا يختار الراوي أن يخفي اسمه؟ أليس لأن الاسم الحقيقي، في النهاية، هو «الذي أحبّه يسوع»، وهو اسمٌ يتسع لك أيضًا؟
الخيط الناظم
الغريب أن كلمة «الحِضن» ليست جديدة في هذا الإنجيل. في مطلع يوحنا، حين يحاول الكاتب أن يقول من هو المسيح، يقول إنه الابن الوحيد الكائن في حِضن الآب، وهو الذي أخبر عنه. ثم هنا، في آخر ليلة، نرى إنسانًا في حِضن يسوع. الذي جاء من هناك يفتح مكانًا مثله هنا. هذا هو الخيط: المحبة الأزلية بين الآب والابن ليست دائرة مغلقة، بل تتسع لتضمّ بشرًا مائلين على مائدة. وهذا يفسّر لماذا افتتح الفصل بقوله: «إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى ٱلْمُنْتَهَى». الصليب الآتي ليس انقطاعًا عن هذا الحِضن، بل هو الطريق التي بها يصير حِضنًا مفتوحًا للجميع.
المرآة
نحن نعرف كيف نُعرِّف أنفسنا: بالوظيفة، بالخدمة، بكوننا من يُعتمد عليه في العائلة أو في الكنيسة. وحين يتصدّع أحد هذه التعريفات، يصير السؤال «من هو؟» سؤالًا عنّا: هل أنا الذي سيسقط؟ هل يعرف يسوع فيّ ما لا أجرؤ أن أعرفه؟ التلاميذ سألوا هذا السؤال بقلق، وبطرس الذي أقسم أنه يضع نفسه سيُنكر قبل الصياح. لكن في الغرفة ذاتها كان واحد مستريحًا، لا لأنه أفضل، بل لأنه اكتفى بأن يكون محبوبًا. وهذا ما يقيسه النص فينا: هل نحتمل أن نُعرَّف بشيء لم نصنعه؟ اليوم، قبل أن ينتهي النهار، اجلس دقيقتين في صمت، وقل باسمك بصوت مسموع: «أنا الذي يحبه يسوع». ثم اسكت، ولا تُضف إليها شرطًا ولا تبريرًا.
التفصيل
كانوا لا يجلسون على كراسٍ بل يتّكئون على الجانب الأيسر، والرأس نحو المائدة، والقدمان إلى الخارج. من كان موضعه إلى يمين المضيف كان رأسه بالضبط عند مستوى صدره. فـ«متّكئًا في حِضن يسوع» ليس استعارةً عاطفية، بل وصف هندسي لجسدٍ في مكانٍ معيّن. ولاحظ الحركة بعد قليل: في الآية الثالثة والعشرين هو «في حِضنه»، وفي الخامسة والعشرين «فٱتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ». كان قريبًا، ثم اقترب أكثر ليسأل. القرب لا يُلغي السؤال، بل يجعل السؤال ممكنًا. من بعيد نتهامس ونتخارج بالإشارات كما فعل بطرس؛ من الصدر نسأل مباشرة، ونسمع الجواب الذي لا يسمعه غيرنا.
الملامح
القرّاء الأوائل لهذا الإنجيل كانوا جماعةً جرحها التسليم من الداخل: أُخرجوا من المجامع، وخانهم أقرباء، وعرفوا أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج بل من حول المائدة نفسها. وكانوا يقرأون هذا الكلام على الأرجح بعد موت ذاك التلميذ، فلم يكن السؤال عندهم «من هو؟» بقدر ما كان «هل بقي لنا نحن مكان كهذا؟». في ثقافةٍ تُحسَب فيها مواضع المائدة حسابًا دقيقًا، كان مشهد رأسٍ على صدر المعلّم يقول شيئًا صادمًا: الكرامة هنا لا تُنتَزَع بل تُمنَح. وكان اسم التلميذ المكتوم دعوةً لهم: هذا الموضع لم يُدفَن مع صاحبه، بل تُرك فارغًا لمن يجرؤ أن يميل.
النص الموازي
في افتتاحية هذا الإنجيل، الابن في حِضن الآب هو الذي «أخبر» عنه؛ ما نعرفه عن الله يصل إلينا من داخل علاقة محبة، لا من خارجها. وهذه هي النقطة التي تربط الآية بما يليها: التلميذ في الحِضن هو الذي يسأل ويُجاب. ثم، سنواتٍ بعد ذلك، سيكتب رسولٌ في رسالته أننا نحبّ لأنه هو أحبّنا أولًا؛ وهي بالضبط ترجمة هذه الصورة إلى لاهوت: الوصية الجديدة في الآية الرابعة والثلاثين، «أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا»، لا تُطاق ولا تُطاع إلا لمن سبق أن استراح في المحبة قبل أن يُطلَب منه أن يمارسها.
أسئلة للتأمل
إن نُزعت عنك كل تعريفاتك، خدمتك ونجاحك ودورك في عائلتك، هل يبقى «الذي يحبه يسوع» كافيًا لتعرف نفسك به، أم تشعر أنه اسم مستعار؟
ما السؤال الذي لا تجرؤ أن تسأله يسوع من بعيد، والذي قد تسأله لو كنت متّكئًا على صدره؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول John 13:23
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى يوحنا 13:23؟
عمّ يتحدث يوحنا 13:23؟
ما هو السياق التاريخي لـ يوحنا 13:23؟
ماذا يعلّمنا يوحنا 13:23 عن صفات الله؟
كيف لا يزال يوحنا 13:23 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول John 13
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يا رب، كم مرة وعدتك بأكثر مما أحتمل، وقلت إني مستعد لأي شيء لأجلك، ثم انكسرت عند أول تجربة. أنت تعرف ضعفي قبل أن أعرفه، ومع ذلك ما زلت تدعوني لأتبعك. علّمني أن أتكل على قوتك لا على حماستي، وامسك يدي في الطريق.
أشكرك يا رب لأن "الآب قد دفع كل شيء الى يديه"، ومع ذلك انحنى ابنك ليغسل الأرجل. يدان تحملان كل شيء اختارتا أن تخدماني. أشكرك أن حياتي في تلك اليدين، وأنه هو "من عند الله خرج والى الله يمضي" فصار لي طريقاً واثقاً أسير فيه.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة