يوحنا 17
النص
يرفع يسوع عينيه نحو السماء، لا إلى التلاميذ، ويصلّي: «أَيُّهَا ٱلْآبُ، قَدْ أَتَتِ ٱلسَّاعَةُ. مَجِّدِ ٱبْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ٱبْنُكَ أَيْضًا». ثم يصلّي من أجل الذين أعطاهم الآب له: أن يُحفظوا في الاسم، أن يُقدَّسوا في الحق، أن يكونوا واحدًا، وأن يكونوا معه حيث هو ليروا مجده. تنتهي الصلاة حيث بدأت: عند المحبة التي كانت قبل إنشاء العالم.
اللبّ
الصلاة كلها مبنية على فعل واحد يتكرر ست مرات: «أعطيتني». المؤمنون ليسوا في الأصل نتيجة قرارهم، بل عطيّة من الآب للابن. هذه هي النعمة في أعرى صورها: قبل أن تختار، كنتَ مذكورًا في حديث بين الآب والابن. ولاحظ التعريف الغريب للحياة الأبدية في العدد الثالث: ليست امتدادًا زمنيًا بلا نهاية، بل معرفة: «أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلْإِلَهَ ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ». الخلاص هنا ليس تسوية قانونية فقط، بل دخول إلى علاقة. والمجد الذي يطلبه الابن ليس رفعة على حساب أحد؛ إنه الصليب، لأن «ٱلسَّاعَةُ» في يوحنا هي دائمًا ساعة الموت. الله يتمجّد حين يبذل.
الخيط الجامع
«أَظْهَرْتُ ٱسْمَكَ» تعيدنا إلى العليقة، حيث أعلن الله اسمه لموسى ليخرج شعبًا من العبودية. وما يفعله يسوع هنا هو عمل الكاهن العظيم: يقف بين الله والشعب، يذكر أسماءهم، ويقدّس نفسه لأجلهم. لكن لاحظ الفرق: الكاهن في العهد القديم كان يقدّم ذبيحة غيره؛ هنا الكاهن هو الذبيحة: «وَلِأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي». هذا هو العهد يبلغ نهايته: لا دم حيوان يُرشّ على شعب خارجي، بل ابن يُدخِل شعبه إلى داخل العلاقة نفسها، «لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا». من الخلق («قَبْلَ كَوْنِ ٱلْعَالَمِ») إلى الملكوت («سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ»)، كل قوس الكتاب مشدود في هذه الصلاة.
المرآة
هناك سؤال يقيس إيمانك بدقة: هل تريد أن تُؤخذ من العالم أم أن تُحفظ فيه؟ يسوع لا يطلب مهربًا: «لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ». نحن نحبّ الحلّ الآخر: كنيسة كجزيرة، بيت مسيَّج، أصدقاء متشابهون، وظيفة بين مؤمنين فقط. القداسة في هذا النص ليست انسحابًا بل إرسالًا: «كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى ٱلْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ». وهذا يعني أن مكان قداستك هو غرفة المعلمين، ومجلس الإدارة، وطاولة العشاء مع الأقارب الذين يستفزّونك. أما «أَبْغَضَهُمْ» فهي كلمة قاسية، لكنها تحرّرك من وهم أن الإيمان الأمين سيجعلك محبوبًا من الجميع. لن يجعلك. سيجعلك محفوظًا.
السؤال
يقول يسوع صراحة: «لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ ٱلْعَالَمِ». هذه جملة تخدش. أليس هو الذي جاء ليخلّص العالم؟ ثم يذكر «ٱبْنُ ٱلْهَلَاكِ» الذي هلك «لِيَتِمَّ ٱلْكِتَابُ»، وكأن الأمر محسوم سلفًا. لا أستطيع أن أنزع الحدّة من هذه الكلمات. ما ألاحظه أن الصلاة نفسها لا تقف عند هذا الحدّ: هدف وحدة التلاميذ هو «لِيُؤْمِنَ ٱلْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي». فالعالم ليس مشطوبًا؛ إنه المرسَل إليه. يسوع في هذه اللحظة يصلّي لأجل الفريق الذي سيُرسله، كما يصلّي جرّاح لأجل مبضعه لا لأجل عداوته للجسد. يبقى في النص ظل لا يزول: مصير يهوذا مذكور بلا شرح. أتركه حيث تركه يوحنا، عند حدود ما أُعلن لنا.
التناص
في تكوين ١١ يقول الناس: «هلمّ نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجًا… ونصنع لأنفسنا اسمًا»، فتتبدّد الوحدة لأنها قامت على اسم البشر. هنا الوحدة تُطلَب في اسم آخر: «ٱحْفَظْهُمْ فِي ٱسْمِكَ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ». الوحدة المسيحية ليست إنجازًا تنظيميًا بل ثمرة سُكنى: «أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ». والصلاة تتكامل مع رومية ٨، حيث المسيح «يشفع فينا» عن يمين الآب؛ ما نقرأه في يوحنا ١٧ ليس حدثًا انتهى في تلك الليلة، بل عيّنة مسموعة من خدمة مستمرة. حين لا تعرف كيف تصلّي، هناك من يصلّي عنك بالكلمات نفسها التي قرأتها للتوّ.
التفصيل
توقّف عند العدد ٢٢: «وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ ٱلْمَجْدَ ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي». الفعل بصيغة الماضي التام، لا المستقبل. المجد ليس جائزة مؤجّلة إلى القيامة؛ لقد أُعطي فعلًا. لكن أيّ مجد؟ في هذا الإنجيل، المجد الذي أُعطي للابن هو مجد الطاعة حتى الصليب. فالمجد الذي أُعطي لك ليس هالة، بل قدرة على أن تحبّ بالطريقة التي أفرغت المسيح. وانظر إلى الغاية المذكورة فورًا: «لِيَكُونُوا وَاحِدًا». المجد الممنوح يظهر في الوحدة، لا في التميّز الفردي. حيث يتمسّك أحدهم بحقه في أن يكون على صواب على حساب أخيه، يُدفَن هذا المجد. وحيث يُغفَر جرحٌ قديم في كنيسة صغيرة، يلمع مجد ما قبل تأسيس العالم.
للتأمل
أين في حياتك تطلب أن «تُؤخذ من العالم»، بينما يصلّي المسيح أن تُحفظ فيه؟
إن كانت الحياة الأبدية هي أن تعرف الله، فما الذي تغيّر في معرفتك له خلال السنة الماضية؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول John 17
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى يوحنا 17؟
عمّ يتحدث يوحنا 17؟
ما هو السياق التاريخي لـ يوحنا 17؟
ماذا يعلّمنا يوحنا 17 عن صفات الله؟
كيف لا يزال يوحنا 17 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول John 17
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
من أجلهم أنا أسأل. لست أسأل من أجل العالم بل من أجل الذين أعطيتني لأنهم لك."
في الليلة التي سُلّم فيها، لم يكن يفكر في نفسه، بل كان يذكرك أمام الآب. لاحظ السبب الذي يقدّمه: "لأنهم لك". ليس لأنك قوي أو أمين، بل لأنك ملك الآب. صلاته عنك لم تتوقف منذ ذلك الحين. هل تعيش يومك وأنت تعلم أن اسمك يُذكر هناك؟
أبي، يدهشني أن ابنك يريدني معه، لا بعيدًا ولا على الهامش. في أيامي المزدحمة وفي لحظات شعوري أنني منسيّ، ذكّرني أنني مرغوب فيّ، وأن محبتك سبقت وجودي كله. اجعل قلبي يشتاق إلى المكان الذي أنت فيه.
أنا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته." قال هذا والصليب لم يأتِ بعد، وفي إسرائيل مرضى كثيرون لم يشفهم، وقرى لم يدخلها. لم يقل: عملت كل شيء ممكن، بل: أكملت ما أعطيتني. أنت أيضًا لست مطالبًا بكل الأعمال، بل بالعمل الذي وضعه الله في يدك. هل تعرف ما هو؟ أم تُتعب نفسك في ما لم يُعطَ لك؟
أشكرك يا يسوع لأنك أعطيتنا كلام الآب، ولم تتركنا بلا نور في هذا العالم. أشكرك لأنك قلت: "لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم"، فصار رفض الناس لي شركة معك أنت. أشكرك أن انتمائي لك أقوى من كل بغضة أواجهها.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
