لوقا 18:9
النص
قبل أن يبدأ المثل، يخبرنا لوقا لمن قيل. لا يتركنا نستمع من بعيد كمتفرجين، بل يضع لافتة على المدخل: هذا الكلام موجَّه إلى فئة محدَّدة، «لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ ٱلْآخَرِينَ». آية واحدة، لكنها تعمل عمل التشخيص الطبي قبل وصف العلاج: هنا مرضٌ اسمه الثقة بالذات في مسألة البِرّ، وله عَرَضٌ ظاهر لا يمكن إخفاؤه، وهو احتقار الآخرين. ثم يأتي المثل، بالفريسي والعشّار، ليكون المرآة التي يُرفَع فيها هذا المرض إلى النور. الآية التاسعة إذن ليست مقدمة إدارية، بل هي العنوان الذي يقرأ قارئه.
الجوهر
لاحظ الربط الذي يصنعه لوقا: الثقة بالنفس أمام الله واحتقار القريب ليسا خطيئتين منفصلتين، بل وجهان لشيء واحد. من يبني بِرَّه بنفسه يحتاج، بالضرورة، إلى مقياس يقيس به ارتفاعه؛ وهذا المقياس هو الآخرون. لذلك فإن الاحتقار ليس زلّة في الأخلاق فقط، بل هو دليل على أن الإنسان لم يقبل البِرّ كعطية بعد. الكلمة التي يستعملها لوقا هنا للبِرّ هي ذاتها التي سينتهي بها المثل: «نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا». الفرق كله في الفاعل: هل تُبرِّر نفسك، أم يُبرِّرك الله؟ والملكوت، كما يقدّمه المسيح هنا، لا يُدخَل بالإنجاز بل بالإفلاس المعترَف به. من كان بِرُّه هدية لن يجد في قلبه مكانًا لاحتقار أحد، لأنه يعرف من أين جاء.
الخيط الجامع
هذه الآية تقف في قلب صراع قديم يمتدّ من العهد القديم إلى الجلجثة: من يملك حقّ التبرير؟ الشريعة أُعطيت لتكشف الحاجة، لا لتصنع أصحاب فضل؛ لكن القلب البشري له قدرة عجيبة على تحويل كل عطية إلى إنجاز يُتفاخر به. ولاحظ أن لوقا يضع هذا التحذير في الفصل نفسه الذي يقول فيه الرئيس الغني: «هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي»، ثم ينصرف حزينًا. الرجل يملك سجلًّا نظيفًا ويفقد الملكوت. والمسيح، بعد هذا كله، يصعد إلى أورشليم ليُسلَّم ويُستهزأ به ويُتفَل عليه: البارّ الوحيد يقف في موضع المحتقَر. هنا يُقطع الخيط الذي يربط البِرّ بالاستحقاق، ويُربَط من جديد بصليب.
المرآة
اسأل نفسك أين يسكن هذا فيك. ليس في تصريحاتك اللاهوتية، بل في تلك الثانية التي تسمع فيها خبر فشل زميل ينافسك فيرتاح شيء في داخلك. في طريقة كلامك عن أخيك المتهاون في الإيمان أمام العائلة. في الترتيب الصامت الذي تضعه للناس في كنيستك: هؤلاء جادّون، وهؤلاء سطحيّون. في صلاتك حين تذكر شخصًا لا لتحمله إلى الله بل لتبيّن لله ما تراه فيه. الثقة بالنفس نادرًا ما تُعلن عن نفسها؛ إنها تختبئ في المقارنة، ولها طعم لذيذ يشبه الأمان. والمشكلة أن هذا الأمان مبنيّ على وجود من هو أسفل منك، أي أنه ينهار في اللحظة التي يتوب فيها ذاك.
اكتب اليوم على ورقة اسم آخر شخص شعرتَ تجاهه بتفوّق، ثم لا تصلِّ لأجله، بل صلِّ عنك أمام اسمه: «ٱللهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ»، بصوت مسموع، مرة واحدة.
الشخصية الرئيسية
الشخصية هنا ليست الفريسي بعد، بل «قوم» بلا أسماء. ولوقا يتركهم بلا أسماء لأن القناع يناسب كل رأس. من هم؟ أناس متدينون جدًّا، صادقون في صومهم وعشورهم، غير منافقين بالمعنى الشعبي للكلمة. مشكلتهم ليست الكذب بل الحساب: لقد جمعوا حياتهم في ميزان ووجدوا الكفّة راجحة. وتحت هذه الثقة يقبع، في تقديري، خوف عميق: من يبني بِرَّه بيديه لا ينام مطمئنًا أبدًا، لأنه يعرف أن البناء يحتاج صيانة يومية. لذلك يحتاج إلى الآخرين ضعفاء. والمسيح لا يهاجمهم بلعنة، بل يروي لهم قصة؛ يمنحهم مسافة يرون فيها أنفسهم قبل أن يجرحهم.
التفصيل
الفعل الذي يستعمله لوقا للاحتقار يعني حرفيًّا: أن تعدّ الآخر لا شيء، أن تصفّره. ليست كراهية صاخبة، بل إخراج من الحساب. أنت لا تشتم هذا الإنسان؛ أنت فقط لا تُدخله في تقديرك للعالم. وهذا أخطر من الغضب، لأن الغضب يعترف بوجود خصمه. لهذا يصدم المثل: العشّار، الذي صُفِّر في نظر الجميع، هو الذي «نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا». الله يحسب من لا يحسبه أحد. وحين تصفّر إنسانًا، فأنت لا تظلمه فحسب، بل تخالف طريقة الله في القراءة، وتضع نفسك في موضع من يعرف قيمة النفوس أكثر من خالقها.
السؤال
وهنا فخّ لا مخرج منه بالحيلة: ماذا لو قرأتَ هذه الآية وشكرتَ الله أنك لست من أولئك القوم الواثقين بأنفسهم؟ لقد صرتَ في اللحظة عينها ما تنتقده. التواضع الذي أراقب نموّه فيه صار إنجازًا جديدًا أضعه في الميزان، ويمكنني أن أحتقر المتكبّرين كما احتقروا هم العشّارين. لا توجد تقنية تُخرجك من هذه الحلقة، لأن كل محاولة للخروج بجهدك تعيدك إليها. المخرج الوحيد أن يأتيك كلام من خارجك، لا تنتجه أنت: أنك مقبول لا بسبب شيء فيك. لن تُطهَّر من هذا نهائيًّا قبل القيامة؛ لكنك تستطيع، كل صباح، أن تقف من بعيد وتقرع على صدرك.
تأملات
في أي موقف محدَّد من الأسبوع الماضي احتجتَ إلى أن يكون أحدهم أدنى منك لتشعر بأنك على ما يرام؟
لو نُزع منك كل ما تفتخر به من انتظام روحي أو استقامة أخلاقية، ماذا يبقى لك لتقوله لله؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول Luke 18:9
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى لوقا 18:9؟
عمّ يتحدث لوقا 18:9؟
ما هو السياق التاريخي لـ لوقا 18:9؟
ماذا يعلّمنا لوقا 18:9 عن صفات الله؟
كيف لا يزال لوقا 18:9 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما الذي يلمسك في Luke 18؟
لم تُشارَك أي تأملات على هذا المقطع بعد. كن أول من يترك شيئًا: تأملاً أو صلاة أو شكرًا.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة