شرح الكتاب المقدس

لوقا 23:34

النص

على تلّة تُدعى «جُمْجُمَة»، بعد أن دُقّت المسامير وارتُفعت الخشبة، لا يصرخ يسوع من الألم ولا يحتجّ على الظلم، بل يصلّي: «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وفي الجملة نفسها، وكأنّ لوقا يريدنا أن نسمع الصوتين معًا، يذكر أنّ الجنود كانوا في تلك اللحظة يقتسمون ثيابه ويقترعون عليها. صلاة تصعد، وقُرعة تُلقى، في آنٍ واحد.

الجوهر

أوّل كلمة من الصليب ليست شكوى بل شفاعة. وهذا يقول عن الله شيئًا لا نستطيع استنتاجه من الطبيعة ولا من ضميرنا: أنّ مبادرة الغفران تسبق أيّ توبة. لم ينتظر يسوع أن يعتذر الجنود، ولا أن يتراجع الرؤساء؛ صلّى لأجلهم وهم منشغلون بتقسيم ملابسه. لاحظ أنّه لا يقول «هم أبرياء»، بل «لَا يَعْلَمُونَ». الجهل هنا ليس عذرًا يُبرّئ، بل هو الأساس الذي يبني عليه طلبه. البشر مذنبون بجهلٍ لا يجعلهم أقلّ ذنبًا، لكنّه يفتح بابًا للرحمة. الغفران في المسيحية ليس تجاهلًا للذنب؛ إنّه ذنبٌ يُحمل، وهو يُحمَل هنا على الخشبة ذاتها التي تُطلب فيها المغفرة.

الخيط الناظم

منذ الفصل الرابع من سفر اللاويين تعرف الشريعة صنفًا خاصًّا من الخطايا: خطايا السهو، ما يُفعل «بغير علم»، وهي مع ذلك تحتاج إلى ذبيحة. لم تكن التوراة ساذجة: الجهل لا يمحو الحاجة إلى كفّارة. وهنا، على الجلجثة، الذبيحة والكاهن شخصٌ واحد، يطلب الغفران لخطيئةٍ يُرتكبها الناس دون أن يدركوا حجمها. إنّ أعظم جريمة في التاريخ ارتُكبت بأيدٍ ظنّت أنّها تؤدّي واجبها: جنديّ ينفّذ أمرًا، مجلس يحمي الأمّة، وليٌّ رومانيّ يحفظ السلام. هذا هو الخيط: الله لم يأتِ ليخلّصنا من شرّنا الواعي فقط، بل من عمى نظنّه استقامة.

المرآة

اسأل نفسك أين تشبه هؤلاء الجنود. ليس في القسوة الظاهرة، بل في الروتين. رجل يؤدّي عمله، يقتسم مكسبًا صغيرًا، وفوق رأسه تجري مأساة لا يراها. هكذا نمرّ أحيانًا بجوار زوجةٍ تنهار في صمت، أو ابنٍ يذبل، أو موظّفٍ ندوسه في سبيل هدف الربع السنوي، ونحن مقتنعون أنّنا لم نفعل شيئًا خطأً. «لَا يَعْلَمُونَ» ليست تهمة موجّهة إلى أعداء الإنجيل فحسب؛ إنّها تشخيصٌ لنا. والوجه الآخر من المرآة أصعب: هذه الصلاة تُلزمك أن تصلّي مثلها لأجل من أذاك بحقّ، لا أن تنكر الجرح، بل أن تسلّم القضية إلى الآب بدل أن تحتفظ بها لنفسك.

النص المتقاطع

الشطر الثاني من الآية اقتباس مقنّع: تقسيم الثياب والاقتراع عليها هو صورة المزمور الثاني والعشرين حرفيًّا، حيث المتألّم البارّ يرى أعداءه يتقاسمون لباسه. لوقا يضع صلاة الغفران وسط مشهدٍ مأخوذ من ذلك المزمور، ليقول إنّ هذا ليس انهيارًا للمشروع الإلهي بل تحقيقه. وإشعياء الثالث والخمسون يكمل الصورة: العبد المتألّم يُحصى مع أثمة ويشفع في المذنبين. الشفاعة ليست إضافةً عاطفيّة على الذبيحة، بل جزء من عملها.

ثم يعود الصدى في سفر الأعمال. استفانوس، وهو يُرجم، يطلب ألّا تُحسب هذه الخطيّة على قاتليه؛ التلميذ يموت بنبرة معلّمه. وبطرس، مخاطبًا سكّان أورشليم، يقول إنّهم فعلوا ذلك بجهل، ثم يدعوهم فورًا إلى التوبة. هذا يحلّ سوء فهمٍ شائعًا: صلاة يسوع لم تُلغِ الحاجة إلى التوبة، بل أنشأت المهلة التي فيها صارت التوبة ممكنة.

وهناك توتّر حقيقيّ لا ينبغي تمليسه. قبل ستّ آيات فقط قال يسوع لبنات أورشليم: «لَا تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ٱبْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ». هو يغفر ويحذّر من الدينونة في النفس الواحد. والرؤساء بعد آيةٍ واحدة يسخرون قائلين: «خَلَّصَ آخَرِينَ، فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ». هل هؤلاء أيضًا «لا يعلمون»؟ سفر العدد يعرف خطيّة تُفعل «بيدٍ رفيعة»، عن سابق تصوّر، ولا ذبيحة لها. الإنجيل لا يجيب بدقّة عن حدود الجهل؛ يتركنا أمام صلاةٍ واسعة ودعوةٍ عاجلة إلى التوبة، ولا يسمح لنا بأن نطمئنّ إلى أنّنا معذورون تلقائيًّا.

الشخصية المحورية

انظر إلى يسوع في هذا الفصل كلّه: أمام هيرودس «فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ»، وأمام بيلاطس كلمتان فقط. الصمت حيث تُطلب المعجزة استعراضًا، والكلام حيث يحتاج الآخرون. أوّل ما ينطق به على الصليب موجّه إلى الآب لأجل الآخرين، وآخر ما ينطق به موجّه إلى الآب لأجل نفسه: «فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». بين هاتين الصلاتين تقع ساعات الظلمة كلّها. ما يكشفه هذا هو أنّ ثبات يسوع ليس صلابة بطوليّة بل بنويّة: علاقته بالآب لم تنكسر تحت المسامير، ومن داخل تلك العلاقة اتّسع قلبه للذين سمّروه. هنا لا نرى إنسانًا يتحمّل، بل الله يغفر من موقع الضحيّة.

السياق

الوقت جمعة الفصح، والمدينة مزدحمة بالحجّاج، والرومان في حالة تأهّب لأنّ الأعياد كانت موسم الثورات. الصلب عقوبة مصمّمة للإذلال العلنيّ: عارٍ، مرفوع على الطريق، مع لوحة تُعلن الجريمة بثلاث لغات. ثياب المحكوم كانت من حقّ الجنود المنفّذين، مكسبٌ صغير في يومٍ طويل، وهذا يفسّر برودة المشهد. ويسوع مصلوب بين مذنبين، «وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَٱلْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ»، أي في موقع من فقد كلّ اعتبار اجتماعيّ ودينيّ. من هذا المكان الأدنى في سلّم القوّة، لا من عرشٍ ولا من منبر، تصعد أوسع صلاة سمعها التاريخ.

أسئلة للتأمل

أين في حياتك تُرجّح أنّك «لا تعلم ماذا تفعل»، ومن قد يكون قادرًا على أن يفتح عينيك على ذلك؟

صلاة الغفران هذه لم تُلغِ دعوة بطرس إلى التوبة. كيف تحمي نفسك من أن تحوّل رحمة الله إلى ذريعة للبقاء كما أنت؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Luke 23:34

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى لوقا 23:34؟
على تلّة تُدعى «جُمْجُمَة»، بعد أن دُقّت المسامير وارتُفعت الخشبة، لا يصرخ يسوع من الألم ولا يحتجّ على الظلم، بل يصلّي: «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وفي الجملة نفسها، وكأنّ لوقا يريدنا أن نسمع الصوتين معًا، يذكر أنّ الجنود كانوا في تلك اللحظة يقتسمون ثيابه ويقترعون عليها.
عمّ يتحدث لوقا 23:34؟
منذ الفصل الرابع من سفر اللاويين تعرف الشريعة صنفًا خاصًّا من الخطايا: خطايا السهو، ما يُفعل «بغير علم»، وهي مع ذلك تحتاج إلى ذبيحة. لم تكن التوراة ساذجة: الجهل لا يمحو الحاجة إلى كفّارة. وهنا، على الجلجثة، الذبيحة والكاهن شخصٌ واحد، يطلب الغفران لخطيئةٍ يُرتكبها الناس دون أن يدركوا حجمها.
ما هو السياق التاريخي لـ لوقا 23:34؟
الشطر الثاني من الآية اقتباس مقنّع: تقسيم الثياب والاقتراع عليها هو صورة المزمور الثاني والعشرين حرفيًّا، حيث المتألّم البارّ يرى أعداءه يتقاسمون لباسه. لوقا يضع صلاة الغفران وسط مشهدٍ مأخوذ من ذلك المزمور، ليقول إنّ هذا ليس انهيارًا للمشروع الإلهي بل تحقيقه. وإشعياء الثالث والخمسون يكمل الصورة: العبد المتألّم يُحصى مع أثمة ويشفع في المذنبين.
ماذا يعلّمنا لوقا 23:34 عن صفات الله؟
وهناك توتّر حقيقيّ لا ينبغي تمليسه. قبل ستّ آيات فقط قال يسوع لبنات أورشليم: «لَا تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ٱبْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ». هو يغفر ويحذّر من الدينونة في النفس الواحد. والرؤساء بعد آيةٍ واحدة يسخرون قائلين: «خَلَّصَ آخَرِينَ، فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ». هل هؤلاء أيضًا «لا يعلمون»؟ سفر العدد يعرف خطيّة تُفعل «بيدٍ رفيعة»، عن سابق تصوّر، ولا ذبيحة لها.
كيف لا يزال لوقا 23:34 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
الوقت جمعة الفصح، والمدينة مزدحمة بالحجّاج، والرومان في حالة تأهّب لأنّ الأعياد كانت موسم الثورات. الصلب عقوبة مصمّمة للإذلال العلنيّ: عارٍ، مرفوع على الطريق، مع لوحة تُعلن الجريمة بثلاث لغات. ثياب المحكوم كانت من حقّ الجنود المنفّذين، مكسبٌ صغير في يومٍ طويل، وهذا يفسّر برودة المشهد.
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Luke 23

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

تأمّل تحريري في آية 15

بيلاطس يقولها بوضوح: "وها لا شيء يستحق الموت صنع منه." حاكمان فحصاه ولم يجدا فيه علة، ومع ذلك ساقوه إلى الصليب. الحكم كان صحيحاً والقرار كان ظالماً. تأمّل: هو البريء الوحيد وقف مكانك، وحمل ما لم يستحقه لتنال أنت ما لا تستحقه. إن جاءك اتهام اليوم، اذكر أن براءتك اشتُريت بدمه لا بدفاعك عن نفسك.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

شركة؟