شرح الكتاب المقدس

متى 18

هذا الفصل متاح بفضل JL Group

النص

وسط جدال التلاميذ عن مَن الأعظم، يستدعي يسوع ولدًا ويُقيمه في الوسط، ويقلب سؤالهم رأسًا على عقب: لا مدخل إلى الملكوت إلا بالرجوع والصِّغَر. ثم يمتد الكلام إلى العناية بـ«الصغار» الذين لا يريد الآب أن يهلك أحد منهم، وإلى طريقة استرداد الأخ الخاطئ خطوة بخطوة، وينتهي بمَثَل العبد المديون بعشر آلاف وزنة الذي سُومح ثم خنق رفيقه على مئة دينار.

الجوهر

كل هذا الأصحاح مبنيّ على انقلاب واحد: الملكوت لا يُدخَل من فوق بل من تحت. الولد الذي أقامه يسوع في الوسط لم يكن رمزًا للبراءة كما نتخيّل نحن، بل رمزًا لانعدام الوزن الاجتماعي: بلا صوت، بلا شرف، بلا قدرة على ردّ الجميل. «إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ ٱلْأَوْلَادِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ». والرجوع هنا ليس تحسينًا للسلوك بل تغيير اتجاه كامل: من التسلّق إلى النزول. وحين ينتقل يسوع من الولد إلى الراعي الذي يترك التسعة والتسعين، ثم إلى الملك الذي يشطب دَينًا لا يُسدَّد، يكون قد رسم صورة الله: ليس محاسبًا دقيقًا يوازن الدفاتر، بل باحثًا عن الضالّ ومُطلِقًا للمديون.

الخيط الجامع

الصورة التي يستعملها يسوع ليست جديدة. الأنبياء وصفوا رعاة إسرائيل الذين سمّنوا أنفسهم وتركوا الغنم تتشتّت، ووعد الله أن يأتي هو بنفسه ليطلب الضالّ. هنا يقف ذاك الراعي في الجسد ويقول: «لِأَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ». ولاحظ أنّ المَثَل الأخير لا يقول إنّ الملك أهمل الدَّين، بل «تَرَكَ لَهُ ٱلدَّيْنَ»، أي حمله هو. هذا هو الخيط الممتد إلى الصليب: المسامحة ليست مجانية على الله، هي مجانية علينا فقط. ومن هنا يصير العفو بيننا ليس فضيلة إضافية بل امتدادًا طبيعيًا لِما جرى لنا.

المرآة

سؤال التلاميذ ليس غريبًا عنّا. نحن نطرحه بلغة أنظف: مَن يُذكر اسمه في الاجتماع، مَن يُستشار قبل القرار، مَن يُشكر من على المنبر. والأصحاح يضع أمامنا شخصين: الأخ الذي أخطأ إليك، والصغير الذي تحتقره. الأول يطالبك بشجاعة الذهاب إليه وحدك بدل الحديث عنه مع الآخرين، وهذا أصعب مما نعترف؛ فالنميمة تريحنا لأنها تُبقينا في موقع المظلوم. والثاني يطالبك بأن تنتبه لمن لا يفيدك: الموظف الجديد، الابن الذي لا يشبه إخوته، العضو المزعج في المجموعة. ثم يأتي بطرس بحسابه السخي ظاهريًا، سبع مرات، فيُكسر الحساب كله. من يعدّ المرات لم يفهم بعد كم كان دَينه.

السؤال

الآية الأخيرة تخدش: «فَهَكَذَا أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ». هل تُسحَب المغفرة إذن؟ ألا يناقض هذا النعمة؟ لا أظن أن يسوع يقدّم شرطًا تجاريًا. المَثَل يكشف أن الذي يخنق رفيقه على مئة دينار لم يستوعب أصلًا ما جرى له؛ رجع من أمام الملك بقلبٍ لم يمسّه شيء. المغفرة التي لا تُنتج رحمة هي مغفرة لم تُستقبل بعد. لكن يبقى في النص ما لا يُنعَّم: التسليم «إِلَى ٱلْمُعَذِّبِينَ» جدّي، والتحذير حقيقي. ويسوع يقوله لتلاميذه، لا لأعدائه. من الأمانة أن نترك هذا الحدّ حادًّا بدل أن نبرده بتفسير مريح.

السياق

تخيّل المشهد: بيت في كفرناحوم، ورجال بالغون يتناقشون عن المراتب في مجتمع كان الشرف فيه عملة أثمن من المال، حيث موضع جلوسك على المائدة يعلن قيمتك. يدخل ولد لا يحقّ له الكلام في مجلس رجال. ثم يذكر يسوع «حَجَرُ ٱلرَّحَى»، الحجر الضخم الذي يديره حمار، ويذكر الإغراق في البحر، وهي عقوبة رومانية بشعة كان اليهود يرونها لعنة لأنها تحرم الجسد من قبر. أما «عَشَرِ آلَافِ وَزْنَةٍ» فرقم يثير الضحك المرّ: أضعاف ما كانت تجبيه ولاية كاملة في السنة. ومقابله «مِئَةِ دِينَارٍ»، أي أجرة نحو ثلاثة أشهر. الفارق مقصود ومضحك ومخيف معًا.

أصداء الكتاب

قوله «لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ» مأخوذ حرفيًا من شريعة موسى في التثنية، حيث كان القصد حماية المتّهم من الاتهام المتسرّع. أي أنّ يسوع لا يبني آلة تأديب بل سياجًا يمنع الظلم. والصدى الثاني أقدم: في تكوين يتباهى لامك بأنه ينتقم سبعين مرة سبع مرات. يسوع يأخذ الرقم نفسه ويقلبه من صيغة الثأر إلى صيغة الغفران. العالم القديم كان يعرف الحساب المفتوح في الانتقام؛ الملكوت يفتح الحساب في الرحمة. وحين يقول «حَيْثُمَا ٱجْتَمَعَ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِٱسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ»، فالكلام ليس عن اجتماع صلاة عمومًا، بل عن هذه اللحظة الصعبة تحديدًا: حين تحاول جماعة صغيرة أن تستردّ أخًا ضالًّا.

للتأمل

مَن هو «الصغير» الذي تعوّدتَ أن تمرّ بجانبه دون أن تراه، في بيتك أو عملك أو كنيستك؟

هل هناك شخص تحمل عليه حسابًا مفتوحًا منذ سنين، وما الذي يمنعك من الذهاب إليه «بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا»؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Matthew 18

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى متى 18؟
وسط جدال التلاميذ عن مَن الأعظم، يستدعي يسوع ولدًا ويُقيمه في الوسط، ويقلب سؤالهم رأسًا على عقب: لا مدخل إلى الملكوت إلا بالرجوع والصِّغَر. ثم يمتد الكلام إلى العناية بـ«الصغار» الذين لا يريد الآب أن يهلك أحد منهم، وإلى طريقة استرداد الأخ الخاطئ خطوة بخطوة، وينتهي بمَثَل العبد المديون بعشر آلاف وزنة الذي سُومح ثم خنق رفيقه على مئة دينار.
عمّ يتحدث متى 18؟
كل هذا الأصحاح مبنيّ على انقلاب واحد: الملكوت لا يُدخَل من فوق بل من تحت. الولد الذي أقامه يسوع في الوسط لم يكن رمزًا للبراءة كما نتخيّل نحن، بل رمزًا لانعدام الوزن الاجتماعي: بلا صوت، بلا شرف، بلا قدرة على ردّ الجميل. «إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ ٱلْأَوْلَادِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».
ما هو السياق التاريخي لـ متى 18؟
الصورة التي يستعملها يسوع ليست جديدة. الأنبياء وصفوا رعاة إسرائيل الذين سمّنوا أنفسهم وتركوا الغنم تتشتّت، ووعد الله أن يأتي هو بنفسه ليطلب الضالّ. هنا يقف ذاك الراعي في الجسد ويقول: «لِأَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ». ولاحظ أنّ المَثَل الأخير لا يقول إنّ الملك أهمل الدَّين، بل «تَرَكَ لَهُ ٱلدَّيْنَ»، أي حمله هو.
ماذا يعلّمنا متى 18 عن صفات الله؟
سؤال التلاميذ ليس غريبًا عنّا. نحن نطرحه بلغة أنظف: مَن يُذكر اسمه في الاجتماع، مَن يُستشار قبل القرار، مَن يُشكر من على المنبر. والأصحاح يضع أمامنا شخصين: الأخ الذي أخطأ إليك، والصغير الذي تحتقره. الأول يطالبك بشجاعة الذهاب إليه وحدك بدل الحديث عنه مع الآخرين، وهذا أصعب مما نعترف؛ فالنميمة تريحنا لأنها تُبقينا في موقع المظلوم.
كيف لا يزال متى 18 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
الآية الأخيرة تخدش: «فَهَكَذَا أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ». هل تُسحَب المغفرة إذن؟ ألا يناقض هذا النعمة؟ لا أظن أن يسوع يقدّم شرطًا تجاريًا. المَثَل يكشف أن الذي يخنق رفيقه على مئة دينار لم يستوعب أصلًا ما جرى له؛ رجع من أمام الملك بقلبٍ لم يمسّه شيء.

ما الذي يلمسك في Matthew 18؟

لم تُشارَك أي تأملات على هذا المقطع بعد. كن أول من يترك شيئًا: تأملاً أو صلاة أو شكرًا.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

بدعم من شركائنا
شركة؟