متى 27
النص
يبدأ الفصل بفجرٍ بارد: مجمعٌ يتشاور كيف يقتل رجلاً، ثم يوثقونه ويسلّمونه إلى واليٍ وثني. يهوذا يرتدّ بفضّته ولا يجد من يأخذ عنه ثقل دمه، فيمضي ويخنق نفسه، وتُشترى بثمنه مقبرةٌ للغرباء. أمام بيلاطس يقف يسوع صامتًا حتى يتعجّب الوالي، والجمع يختار باراباس، والوالي يغسل يديه بماءٍ لا ينظّف شيئًا. ثم الجلد، والإكليل من شوك، والسخرية، وسمعان القيرواني المسخَّر تحت الخشبة، وجلجثة. يُصلَب بين لصّين، ويُقسَم ثوبه بالقرعة، ويُعيَّر ممن يمرّون ومن الرؤساء ومن المصلوبين معه. ثم ظلمةٌ ثلاث ساعات، وصرخةٌ واحدة: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»، ثم صرخةٌ أخيرة وتسليم الروح. ينشقّ الحجاب، تتزلزل الأرض، تتفتّح القبور، ويعترف قائد مئةٍ روماني. وفي المساء تأتي النساء الصامتات ويوسف الرامي بكتّانٍ نقيٍّ وقبرٍ جديد، وفي الغد يُختَم الحجر بالحرّاس.
الجوهر
في هذا الفصل يفعل الله أعظم ما فعله وهو صامت. لا معجزة تُنقذ، لا نار تنزل، لا ملاك يتدخّل. كل الأصوات العالية تنتمي إلى الآخرين: الجموع تصرخ «ليُصلب»، الرؤساء يستهزئون، الجند يهتفون بسلامٍ كاذب. والذي يستطيع أن ينزل عن الصليب لا ينزل. هنا يُكشف أن خلاص الله لا يأتي بإلغاء الألم بل بالدخول فيه حتى القاع، حتى الصرخة التي تسأل «لماذا تركتني؟». وهنا أيضًا يُكشف الإنسان بلا رتوش: التديّن الذي يتورّع عن وضع فضّةٍ ملوّثة في الخزانة بينما اشترى بها دمًا؛ السلطة التي تعرف البراءة وتغسل يديها؛ الندم الذي يعترف «قد أخطأت» ولا يعرف إلى أين يحمل خطيئته. والمفارقة أن انشقاق الحجاب «من فوق إلى أسفل» يقول إن اليد التي مزّقته ليست يدنا. الغضب لم يُهدَّأ بجهدنا؛ الطريق فُتح من الجهة الأخرى.
الخيط الجامع
ثلاثون من الفضّة، ثمن عبدٍ يُنطَح، وحقلٌ يُشترى بثمن دم: متى يقول إن هذا كله «تمّ ما قيل». ليست الأحداث تفلت من يد الله لتُلتقَط بعد فوات الأوان؛ إنها تسير في مجرى حُفر قبل أن يُولد يهوذا. وحين يقتسم الجند الثياب، يضع متى المزمور الثاني والعشرين في المشهد: «ٱقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». ذلك المزمور نفسه يبدأ بالصرخة التي سيصرخها يسوع بعد ساعات. أي أن الصلب ليس انقطاعًا في قصة الله مع شعبه بل ذروتها: البار المتألم الذي عرفه إسرائيل في مزاميره يأخذ الآن وجهًا واسمًا. والحجاب الذي فصل الشعب عن قدس الأقداس قرونًا ينشقّ في اللحظة عينها. الذبيحة التي كان الهيكل ظلّها قد جاءت، فانتهى دور الظلّ.
المرآة
هناك جملة في هذا الفصل تُقال مرتين بصيغتين، وهي أخطر ما فيه: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» يقولها الرؤساء ليهوذا، ثم يقول بيلاطس للجمع: «أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!». كلٌّ يدفع الثقل إلى الآخر، وفي النهاية لا يحمله أحد إلا المصلوب. أنت تعرف هذه الحركة. في العمل حين يُتَّخذ قرار ظالم وتقول لنفسك إنك مجرد منفّذ. في العائلة حين تصمت أمام كلمةٍ جارحة لأن التدخّل مكلف. في الكنيسة حين تنضمّ إلى رأي الجماعة لأن الوقوف وحدك يخيف. بيلاطس لم يكن شريرًا بمقاييسنا، كان فقط خائفًا من الشغب، ومستعدًّا لأن يدفع ثمن راحته من جيب بريء. الماء لم ينظّف يديه؛ الماء لا ينظّف شيئًا. اليوم: اكتب على ورقة اسم الموقف الواحد الذي غسلت يديك منه هذا الشهر، وقل بصوتٍ مسموع أمام الله إنك كنت فيه، ثم احتفظ بالورقة حتى تتصرّف.
الشخصية المحورية
في فصلٍ يزحم بالأصوات، البطل هو الصامت. «فَلَمْ يُجِبْهُ وَلَا عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ ٱلْوَالِي جِدًّا». هذا صمتٌ غريب، لأنه ليس عجزًا. الذي أسكت العاصفة وناقش الفرّيسيين ثلاث سنوات يستطيع أن يدافع عن نفسه في دقيقة. لكنه يختار ألّا يفعل. وحين يتكلّم أخيرًا، لا يتكلّم إلى بيلاطس ولا إلى الجمع، بل إلى الله، وبسؤال: «لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟». هذا هو المشهد الداخلي: ملكٌ لا يطالب بشيء لنفسه، وابنٌ يشعر بغياب أبيه ولا يكفّ عن مناداته «إلهي». لاحظ أنه رفض الخلّ الممزوج بمرارة في البداية، أي رفض تخدير الألم، ثم قبل الإسفنجة في النهاية. لم يهرب من شيء، ولم يتظاهر بأن شيئًا سهل.
التفصيل
الفضّة المردودة لا يُسمح بوضعها في الخزانة «لِأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ»، فيُشترى بها «حَقْلَ ٱلْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ». توقّف هنا. رجال أتقياء يرفضون تلويث صندوق الهيكل بمالٍ ملوّث، بينما دم الرجل الذي اشتروه لا يزال يسيل. الورع الدقيق في الصغائر مع العمى التام في الكبائر: هذه صورة دينٍ مات قلبه وبقي هيكله. ثم المفارقة الثانية، وهي أعمق: ثمن الدم يتحوّل إلى مكانٍ يُدفن فيه الغرباء، أولئك الذين لا قبر لهم ولا أهل. من حيث لا يدرون، اشترى هؤلاء الرجال بدم المسيح مكانَ راحةٍ للغرباء. هكذا يعمل الله في هذا الفصل كله: من تحت قرارات الناس، يحوّل جريمتهم إلى مقبرةٍ مفتوحة لمن لا يملك شيئًا.
السؤال
كيف يترك الله الله؟ لا نستطيع أن نقول إن الآب توقّف عن محبة الابن، ولا أن الثالوث انشطر ساعتين. لكننا لا نستطيع أيضًا أن نميّع الصرخة ونقول إنه كان يقتبس مزمورًا فقط ويعرف النهاية السعيدة. الصرخة حقيقية، والظلمة حقيقية، والسماء التي لم تُجب حقيقية. أعتقد أن التعليم هنا لا يُعطى لنا لنفهمه بل لنقف أمامه: الابن ذاق ما نخافه نحن أكثر من الموت، وهو أن تصرخ ولا يأتي جواب. ولأنه ذاقه، لم يعد أحدٌ يصرخ في العتمة وحده تمامًا. أما كيف تحمّل اللهُ هذا في ذاته، فيبقى وراء حجابٍ لم يُشقَّ بعد. المشهد لا ينتهي بتفسير؛ ينتهي بحجرٍ كبير، وامرأتين جالستين تجاه القبر، وصمت.
تأملات
في أي موقفٍ محدّد هذا الأسبوع كنت أشبه ببيلاطس منّي بسمعان القيرواني: غسلتُ يديّ بدل أن أحمل الخشبة؟
لو سألك الله عن صمته في وجعٍ معيّن مررت به، هل تستطيع أن تصلّي «إلهي» و«لماذا تركتني» في النَّفَس نفسه، كما فعل يسوع؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Matthew 27
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى متى 27؟
عمّ يتحدث متى 27؟
ما هو السياق التاريخي لـ متى 27؟
ماذا يعلّمنا متى 27 عن صفات الله؟
كيف لا يزال متى 27 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Matthew 27
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يا يسوع، أنت رفضت ما يخدّر الألم، وشربت الكأس كاملة من أجلي. علّمني ألّا أهرب من وجعي إلى ما يخدّرني، بل أحمله معك وأثق أن حضورك يكفيني. في المرارة التي أذوقها اليوم، ذكّرني أنك ذقتها قبلي ولم تتركني وحدي.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
