متى 6:12
النص
في وسط الصلاة التي علّمها الرب، بعد طلب الخبز الكفاف مباشرة، يأتي طلب أثقل: «وَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا». نطلب من الآب أن يمحو ما علينا، ونربط الطلب بحرفٍ صغير مخيف: «كما». أي أننا، ونحن ننطق هذه الكلمات، نقيس أنفسنا بمقياسٍ نحن الذين نضعه.
الكلمة اليونانية هنا ليست «خطايا» بالضبط بل «ديون» (opheilēmata)، أي ما هو مستحق عليّ ولا أستطيع سداده. والمذنبون إلينا هم مديونونا: الذين أخذوا منّا شيئًا لن يعيدوه.
الجوهر
هذا الطلب يفترض أمرين لا يحبّهما أحد. الأول: أنك مديون. ليس مخطئًا أحيانًا، بل عليك دَينٌ لا تقدر على سداده. الصلاة لا تعطيك خيار الدفع بالتقسيط؛ تعطيك خيار الإعفاء فقط. الثاني: أن الغفران الذي تناله ليس شيئًا تحتفظ به في جيبك، بل شيء يمرّ بك. الله لا يمنح الغفران كوديعةٍ ساكنة بل كتيار؛ ومن يسدّ المخرج يكشف أنه لم يفتح المدخل أصلًا.
لهذا يعود يسوع بعد الصلاة مباشرةً، ولا يعلّق على طلب الخبز ولا على التجربة، بل على هذا الطلب وحده: «وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ، لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلَّاتِكُمْ». هذه ليست جملة تخويف بل تشخيص. القلب الذي يمسك بدَينٍ صغير ضد أخيه لم يفهم بعد حجم الدَّين الذي أُلغي له.
الخيط الجامع
من أول العهد القديم والله يُعرّف عن نفسه كمن «يغفر الإثم والمعصية»، لكن الغفران هناك كان يجري عبر دمٍ ومذبحٍ وكاهن. وكانت سنة اليوبيل تُلغي الديون في إسرائيل كل خمسين سنة، لأن الأرض لله والشعب عبيدٌ محرَّرون، ومن حُرِّر لا يحقّ له أن يستعبد. يسوع يأخذ منطق اليوبيل ويضعه في فم كل تلميذ كل يوم: أنت مُعفى، فأعفِ.
ثم يفعل ما هو أبعد. الذي علّمنا أن نصلي «اغفر لنا» هو نفسه الذي حمل الدَّين على الصليب وصلّى لأجل صالبيه. الغفران في هذه الصلاة ليس مبدأً أخلاقيًا معلّقًا في الهواء؛ إنه مؤسَّس على أن أحدًا دفع. ولذلك ليس رخيصًا، ولا هو تظاهرٌ بأن الجرح لم يحدث.
المرآة
كن محدّدًا معي. هناك زميل نسب إلى نفسه عملك أمام المدير، وأنت منذ ذلك اليوم تتكلم عنه بنبرة معيّنة. هناك أخٌ اقتطع من الميراث ما ليس له، وأنت تحسبه في رأسك بالأرقام كل عيد. هناك أب قال لك في الخامسة عشرة جملةً ما زلت تسمعها في الأربعين. هناك زوج أو زوجة تعرف كيف تُخرج ملف الأخطاء القديمة في نصف دقيقة، مرتّبًا بالتواريخ.
هذا هو معنى «المذنبين إلينا». ليس مفهومًا عامًا عن التسامح، بل أسماء. وحين تصلي هذه الصلاة صباحًا وأنت تحمل الاسم، فأنت تقول لله: عاملني بالطريقة التي أعامل بها فلانًا. جرّب مرة أن تضع الاسم في الجملة بصوتٍ مسموع. ستكتشف أن الصلاة التي كنت تحفظها منذ الطفولة لها أسنان.
والغفران هنا فعل، لا شعور. لن تستيقظ يومًا وقد صار قلبك دافئًا نحو من جرحك. الفعل هو أن تكفّ عن المطالبة بالسداد: تتوقف عن رواية القصة، عن الانتظار حتى يعتذر، عن استعمال الذنب سلاحًا في النقاش القادم. تشطب الدَّين وتتحمّل أنت خسارته. هذا مؤلم، لأن الغفران دائمًا يعني أن أحدًا يدفع، وقد قرّرتَ أن تكون أنت.
السؤال
هل يعني هذا أن غفران الله لي مشروطٌ بأدائي؟ أليس هذا نسفًا للنعمة؟
الأمانة تقتضي ألّا نخفّف الجملة. يسوع لم يقل «سيصعب عليك أن تشعر بالغفران»، بل قال «لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ». لكن انتبه إلى ترتيب الصلاة: نحن نناديه «أَبَانَا» قبل أن نطلب شيئًا. العلاقة قائمة أولًا، والنعمة سابقة. ثم إن «كما» ليست مقارنةً في المقدار؛ لا أحد يغفر بمقدار ما يغفر الله. إنها مقارنة في النوع والاتجاه.
يبقى التوتر قائمًا، ولا أظنه يُحلّ بشرحٍ ذكي. ربما الأصدق أن نقول: من يرفض الغفران رفضًا مستقرًا واعيًا يكشف أنه يقف خارج الدائرة، لا أنه طُرد منها. أما من يصارع ويعجز ويعود ليصلي، فهو داخلها يتعلّم المشي.
الملامح
الذين سمعوا هذه الكلمات على التل كانوا شعبًا محتلًّا، مثقلًا بديونٍ حقيقية بالعملة، لا مجازية. الفلاح الجليلي كان يعرف تمامًا ما يعني أن يسقط في الدَّين: مصادرة الأرض، ثم العمل أجيرًا في أرضٍ كانت له، ثم العبودية. وكان يعرف أيضًا من هو «المذنب إليه»: جابي الضرائب، الجندي الروماني، الجار الذي شهد زورًا.
فحين قال لهم يسوع أن يغفروا لمديونيهم، لم تكن الكلمة نصيحةً عاطفية بل قرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا خطرًا. وكان الشعب كله ينتظر مسيحًا يحاسب الظالمين. فجاء المسيح وعلّمهم أن يُلغوا الحساب.
النص المقابل
بعد فصولٍ قليلة يسأل بطرس: كم مرة أغفر؟ فيروي يسوع مثل العبد المديون بعشرة آلاف وزنة، الذي أُعفي كله، ثم خنق زميلًا يدينه بمئة دينار. المثل ليس إلا شرحًا موسّعًا لكلمة «كما» في صلاتنا: التفاوت بين الدَّينين هو المفتاح كله.
وفي الاتجاه المقابل، يقف بولس في رسالته إلى أهل أفسس فيقول للكنيسة أن يتسامحوا «كما سامحكم الله في المسيح». الصيغة نفسها، لكنها الآن مؤرَّخة: الغفران المسيحي ليس مبادرةً منّا، بل صدى.
للتأمل
ما الاسم الذي يخطر ببالك حين تقول «المذنبين إلينا»، وما هو الفعل المحدد الذي يعني الغفران في حالته: صمتٌ عن الرواية، مكالمة، تنازل عن مال، إنهاء انتظار الاعتذار؟
هل تشعر أن دَينك أنت أمام الله كبير فعلًا، أم صرت تحسبه صغيرًا؟ وكيف يظهر جوابك في طريقة تعاملك مع من أخطأ إليك هذا الأسبوع؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Matthew 6:12
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى متى 6:12؟
عمّ يتحدث متى 6:12؟
ما هو السياق التاريخي لـ متى 6:12؟
ماذا يعلّمنا متى 6:12 عن صفات الله؟
كيف لا يزال متى 6:12 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Matthew 6
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
«لِذلِكَ» في أول الآية تربطها بما قبلها مباشرة: «لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ». فالقلق ليس مجرد ضعف في أعصابك، بل خدمة لسيد آخر يشغل قلبك. ثم يسألك المسيح سؤالاً هادئاً: «أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ؟» الذي وهبك الحياة كلها، أتظنه يبخل عليك باللقمة؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة