شرح الكتاب المقدس

متى 7:3

النص

تخيّل المشهد: رجلٌ ينحني نحو وجه أخيه، يقرّب إصبعه من عينه، عيناه ضيّقتان من فرط التركيز، يبحث عن ذرة تراب صغيرة علقت هناك. وفي عينه هو، ناتئةً أمام الجميع، خشبةٌ كاملة. هذا هو السؤال الذي يطرحه يسوع في قلب الموعظة على الجبل: «وَلِمَاذَا تَنْظُرُ ٱلْقَذَى ٱلَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا ٱلْخَشَبَةُ ٱلَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلَا تَفْطَنُ لَهَا؟». إنه لا يقول إن القذى غير موجود، ولا إنه لا يهمّ. بل يسأل عن حدّة بصرك: كيف صارت عينك قادرة على رصد أدقّ ما في أخيك، وعاجزة تمامًا عن ملاحظة ما هو أضخم وأقرب فيك أنت؟ السؤال ليس بلاغيًا فحسب؛ إنه فخّ منصوب بعناية، ومن يسمعه بصدق يجد نفسه واقفًا فيه.

الجوهر

المفارقة هنا ليست في حجم الخطية بل في اتجاه النظر. يسوع يفضح آليةً نفسية وروحية معًا: العين التي تُدين غيرها تفقد قدرتها على رؤية ذاتها. ليست المشكلة أننا لا نعرف عيوبنا، بل أننا لا «نفطن» لها، أي أننا نعيش معها حتى تصير جزءًا من المشهد الطبيعي، كخشبة نحملها فلا نعود نشعر بثقلها. وهذا يقول شيئًا عن الله: هو وحده الديّان، وكل من ينتزع هذا المقعد لنفسه يكشف أنه لم يفهم بعد موقعه أمامه. الملكوت لا يُبنى على جماعة من المفتّشين، بل على أناسٍ عرفوا نعمةً غفرت لهم خشبة، فصاروا رفقاء بمن يحمل قذى. ومن هنا الرابط بما قبله: «لِأَنَّكُمْ بِٱلدَّيْنُونَةِ ٱلَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ». المقياس الذي ترفعه في وجه أخيك يُرفع يومًا في وجهك.

الخيط الناظم

هذه ليست نكتة أخلاقية عابرة؛ إنها تقع في صميم ما جاء المسيح ليصنعه. الكتاب كله يروي قصة الله الذي يرى بوضوح ما لا نراه نحن في أنفسنا، ويأتي مع ذلك لا ليدين بل ليخلّص. حين وقف ناثان أمام داود بقصة النعجة الوحيدة، لم يكن داود يجهل خطيته؛ كان قد بنى فوقها بيتًا وسكنه. احتاج إلى صوتٍ يقول له: أنت الرجل. والمسيح هو هذا الصوت وهذا الخلاص معًا. إنه الوحيد الذي في عينه لا خشبة ولا قذى، الوحيد الذي له حقّ الدينونة كاملًا، وهو الذي يحتمل الدينونة عوضًا عنا. لذلك فإن من يقف عند الصليب لا يستطيع أن يعود مفتّشًا في عيون إخوته؛ لقد رأى حجم خشبته في ثمن إخراجها.

المرآة

فكّر في آخر مرة تكلّمت فيها عن أحدهم بنبرةٍ فيها شيء من اللذّة. زميل في العمل يتأخر دائمًا. قريب لا يحسن تربية أولاده. أخ في الكنيسة يتكلّم أكثر مما ينبغي. لاحظ كم كان تشخيصك دقيقًا، وكم كانت الكلمات جاهزة. ثم اسأل نفسك متى آخر مرة فحصت فيها قسوتك أنت بالدقة نفسها، أو بخلك، أو الطريقة التي تتكلّم بها مع زوجتك حين تتعب. الحقيقة المرّة أن انتقاد الآخرين متعة رخيصة: إنه يمنحنا إحساسًا بالبرّ بلا كلفة توبة. الخشبة ثقيلة، وإخراجها يؤلم، أما القذى في عين غيرنا فيمنحنا شغلًا لطيفًا يصرفنا عن أنفسنا سنوات.

اليوم، خذ ورقة واكتب عليها اسم الشخص الذي انتقدته آخر مرة، ثم اكتب تحته جملة واحدة صادقة عن الخشبة التي في عينك أنت، ثم اطوِ الورقة وصلِّ لأجل ذلك الشخص باسمه قبل أن تنام.

التفصيل

الفعل «تَفْطَنُ» هو مفتاح الآية كلها. اليونانية تستخدم هنا فعل κατανοέω، أي أن تنظر بانتباهٍ وتأمّل، أن تدرس شيئًا وتتفحّصه حتى تفهمه. والمفارقة أن يسوع يستعمل للقذى فعلًا أبسط، مجرد النظر، بينما يستعمل للخشبة فعل التأمل العميق. أي أن الرجل في المثل يرى أخاه نظرةً عابرة فيلتقط عيبه فورًا، لكنه لا يملك الصبر ولا الشجاعة ليجلس مع نفسه ويتفحّصها. المشكلة إذًا ليست ضعف البصر بل رفض التأمل. نحن لا نفتقر إلى المعلومات عن ذواتنا؛ نفتقر إلى الاستعداد لأن نطيل النظر فيها. والخشبة، لضخامتها وقربها، تصير هي نفسها العائق: كلما اقتربت العتمة من العين، صعب تسميتها.

السؤال

إن كان كل حكمٍ ممنوعًا، فكيف نطيع بعد ثلاث آيات: «لَا تُعْطُوا ٱلْقُدْسَ لِلْكِلَابِ»، وبعد قليل: «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ»؟ كلاهما يتطلّب تمييزًا حادًا، بل حكمًا على أشخاص. النص لا يلغي التمييز، ولا يدعونا إلى سذاجةٍ تسمّي كل شيء محبة. ويسوع نفسه يختم المثل بقوله: «وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ ٱلْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ»، أي أن إخراج القذى يبقى هدفًا مشروعًا. الفرق ليس بين أن تحكم أو لا تحكم، بل بين من يقترب من عين أخيه بيدٍ طاهرة وقلبٍ تائب، ومن يقترب بيدٍ ترتجف من التشفّي. ولا أحد يستطيع أن يقيس ذلك في قلبك سواك. هذا هو التوتر الذي لا يحلّه النص عنّا؛ يتركنا فيه عمدًا، لأن الحلّ الوحيد هو التوبة اليومية لا القاعدة السهلة.

التناص

الرسالة إلى رومية تفتح فصلها الثاني بالمنطق ذاته: الذي يدين غيره يدين نفسه، لأنه يفعل تلك الأمور بعينها. بولس لم يخترع الفكرة؛ إنه يشرح هذه الآية لجماعةٍ منقسمة بين يهودٍ وأمم يتبادلون الاحتقار. وفي الاتجاه المقابل، يقف مثل الفريسي والعشّار في لوقا 18: رجلان في الهيكل، أحدهما يشكر الله لأنه ليس مثل الآخرين، والآخر لا يجرؤ أن يرفع عينيه. الفريسي رأى قذى الجميع؛ العشّار لم ير سوى نفسه، فنزل إلى بيته مبرَّرًا. المسافة بين الرجلين هي بالضبط المسافة بين النظر والفطنة.

تأمل

ما هو الأمر الذي أنتقده في الآخرين بسرعة وثقة، والذي لم أجرؤ قط على فحصه في نفسي بالدقة نفسها؟

هل هناك شخص أحتاج فعلًا أن أكلّمه في أمرٍ يخصّه، ولكن ليس قبل أن أتعامل مع ما في عيني أنا؟ ما الخطوة الأولى في ذلك؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Matthew 7:3

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى متى 7:3؟
تخيّل المشهد: رجلٌ ينحني نحو وجه أخيه، يقرّب إصبعه من عينه، عيناه ضيّقتان من فرط التركيز، يبحث عن ذرة تراب صغيرة علقت هناك. وفي عينه هو، ناتئةً أمام الجميع، خشبةٌ كاملة. هذا هو السؤال الذي يطرحه يسوع في قلب الموعظة على الجبل: «وَلِمَاذَا تَنْظُرُ ٱلْقَذَى ٱلَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا ٱلْخَشَبَةُ ٱلَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلَا تَفْطَنُ لَهَا؟».
عمّ يتحدث متى 7:3؟
هذه ليست نكتة أخلاقية عابرة؛ إنها تقع في صميم ما جاء المسيح ليصنعه. الكتاب كله يروي قصة الله الذي يرى بوضوح ما لا نراه نحن في أنفسنا، ويأتي مع ذلك لا ليدين بل ليخلّص. حين وقف ناثان أمام داود بقصة النعجة الوحيدة، لم يكن داود يجهل خطيته؛ كان قد بنى فوقها بيتًا وسكنه. احتاج إلى صوتٍ يقول له: أنت الرجل.
ما هو السياق التاريخي لـ متى 7:3؟
اليوم، خذ ورقة واكتب عليها اسم الشخص الذي انتقدته آخر مرة، ثم اكتب تحته جملة واحدة صادقة عن الخشبة التي في عينك أنت، ثم اطوِ الورقة وصلِّ لأجل ذلك الشخص باسمه قبل أن تنام.
ماذا يعلّمنا متى 7:3 عن صفات الله؟
إن كان كل حكمٍ ممنوعًا، فكيف نطيع بعد ثلاث آيات: «لَا تُعْطُوا ٱلْقُدْسَ لِلْكِلَابِ»، وبعد قليل: «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ»؟ كلاهما يتطلّب تمييزًا حادًا، بل حكمًا على أشخاص. النص لا يلغي التمييز، ولا يدعونا إلى سذاجةٍ تسمّي كل شيء محبة. ويسوع نفسه يختم المثل بقوله: «وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ ٱلْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ»، أي أن إخراج القذى يبقى هدفًا مشروعًا.
كيف لا يزال متى 7:3 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
هل هناك شخص أحتاج فعلًا أن أكلّمه في أمرٍ يخصّه، ولكن ليس قبل أن أتعامل مع ما في عيني أنا؟ ما الخطوة الأولى في ذلك؟
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Matthew 7

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

تأمّل تحريري في آية 19

كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار." لاحظ أن الشجرة لم تُدَن لأنها فعلت شرا، بل لأنها لم تصنع خيرا. الفراغ نفسه حساب.

يسوع يتكلم عن أنبياء كذبة، لكن الميزان يقع علينا أيضا: ليس ما نقوله عن الإيمان، بل ما ينضج منه في حياتنا فعلا.

ما الثمر الذي يستطيع أحد أن يقطفه منك هذا الأسبوع؟

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

شركة؟