المزامير 36
النص
يبدأ المزمور بجملة غريبة، أشبه بتنصّت: «نَأْمَةُ مَعْصِيَةِ ٱلشِّرِّيرِ فِي دَاخِلِ قَلْبِي أَنْ لَيْسَ خَوْفُ ٱللهِ أَمَامَ عَيْنَيْهِ». داود يصغي إلى همس الشرّ ويصف رجلاً أغلق على نفسه: يملّق ذاته، كلامه إثم وغشّ، يبيت على فراشه يخطّط للسوء ولا يرفض الشرّ. ثم ينقلب المزمور انقلاباً مفاجئاً، بلا جسر ولا تمهيد، إلى اتّساع كوني: رحمة الله في السماوات، أمانته إلى الغمام، عدله كجبال الله، أحكامه لجّة عظيمة. وتحت جناحيه يحتمي بنو البشر، يروون من دسم بيته، ويشربون من نهر نعمه، «لِأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ ٱلْحَيَاةِ». ويختم بصلاة: أدِمْ رحمتك، ولا تدسْني رجل الكبرياء. الشرّ يسقط، والمصلّي يبقى واقفاً.
الجوهر
المزمور يضع عالمَين متجاورين ويترك الفرق يصرخ. عالم الشرّير ضيّق كغرفة بلا نوافذ: صوت واحد، صوته هو، يمدح نفسه لنفسه حتى يفقد القدرة على رؤية إثمه. الخطيّة هنا ليست أوّلاً فعلاً قبيحاً بل انكماشاً في البصر، غياب الله «أمام العينين». وعالم الله بالمقابل يقاس بالسماوات والغمام والجبال واللجّة، أي بأبعاد لا يستطيع إنسان أن يصنعها أو يزوّرها. وبين العالمَين تقف الجملة التي تحمل المزمور كلّه: «بِنُورِكَ نَرَى نُورًا». لا نضيء أنفسنا. الرؤية نفسها عطيّة، والحياة نفسها تُشرب من ينبوع خارجنا. هذه هي النعمة قبل أن يُنطق اسم المسيح: الخلاص ليس تحسين الإنسان لذاته، بل نورٌ يُعطى لمن لا يملكه، وماء يُسقى لمن لا نبع فيه.
الخيط الناظم
انظر إلى الصور الثلاث التي يكدّسها المزمور في وسطه: ظلّ الجناحين، مائدة البيت ونهرها، وينبوع الحياة الذي منه نرى النور. كلّها صور لله يعطي ما لا يستطيع الإنسان أن ينتجه، وكلّها تلتقي لاحقاً في شخص واحد. إنجيل يوحنا يفتتح بجملتين تكادان تكونان ترجمة لهذا المزمور إلى لغة التجسّد: فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس. ما كان في المزمور صفةً لله عند هيكله، صار في المسيح جسداً يمشي بين الناس، يقول للمرأة السامريّة إنّ الماء الذي يعطيه يصير ينبوعاً، ويقول للجموع إنّه نور العالم. المزمور لا يتنبّأ بالمسيح بالاسم، لكنّه يحفر الحوض الذي سيُملأ. والذين يشربون منه اليوم يشربون من الينبوع نفسه، إلّا أنّه صار له وجه واسم.
المرآة
الآية الرابعة هي الآية التي تفضحنا: «يَتَفَكَّرُ بِٱلْإِثْمِ عَلَى مَضْجَعِهِ». ليست صورة مجرم محترف، بل صورة إنسان مستلقٍ في الظلام يعيد ترتيب دفاعه عن نفسه. هناك، حيث لا شهود، نصوغ خطاب البراءة: لماذا كنتُ محقّاً في ما قلته لزوجتي، لماذا يستحقّ ذاك الزميل ما فعلته به، لماذا هذا المبلغ الذي أخفيته ليس سرقة حقّاً. هذا هو التملّق المذكور في الآية الثانية: أن تصير محامي نفسك وقاضيها معاً، حتى لا تجد إثمك ولا تبغضه. والخطر ليس أنّ الله لا يرانا، بل أنّنا نفقد القدرة على رؤية أنفسنا. قبل أن تنام الليلة، اكتب في ورقة واحدة الأمر الذي تدافع عنه في داخلك منذ أشهر، ثم قل بصوت مسموع: «بِنُورِكَ نَرَى نُورًا»، وأرِني ما لا أراه.
الملامح
سامعو هذا المزمور لم يكونوا يفكّرون في استعارات شعريّة حين سمعوا «ظِلِّ جَنَاحَيْكَ» و«دَسَمِ بَيْتِكَ». كانوا يرون بأعين ذهنهم جناحَي الكروبَين المبسوطين فوق تابوت العهد في قدس الأقداس، ويشمّون رائحة الذبيحة المشويّة في وليمة الشكر التي يأكلها المصلّي وأهله في ساحة الهيكل. الهيكل كان أيضاً ملجأً قانونيّاً: المظلوم الهارب من صاحب نفوذ يركض إليه. فالانتقال من وصف الشرّير في الآيات الأولى إلى صور البيت والمائدة ليس قفزة مزاجيّة، بل حركة جسد: رجلٌ مهدَّد بيد الأشرار يدخل الدار ويجلس إلى المائدة. كانوا يسمعون رائحة طعام وأماناً ملموساً حيث نسمع نحن لاهوتاً مجرّداً.
التفصيل
«مِنْ نَهْرِ نِعَمِكَ تَسْقِيهِمْ». الكلمة العبريّة وراء «نعمك» هي عَدَن، الكلمة نفسها التي يحمل بها الفردوس اسمه في سفر التكوين. حرفيّاً: نهر عدنك. وفي قصّة الجنّة نهر يخرج من عدن ليسقي الأرض، وشجرة حياة، وإنسان يمشي في النور مع الله. المزمور يستعيد ذلك كلّه ويضعه في الحاضر: ما فقده آدم يُسكب الآن على الذين يحتمون تحت الجناحين. وهذا يفسّر لماذا يبدو النصف الثاني من المزمور أوسع من موضوعه. ليس مديحاً عامّاً لله، بل إعلان أنّ الفردوس ليس مغلقاً بالكامل؛ هناك نهر يتسرّب منه إلى هنا. والكتاب كلّه ينتهي حيث بدأ، بنهر وشجرة حياة في المدينة الجديدة.
النص الموازي
بولس، في رومية الثالث، يجمع سلسلة من الاقتباسات ليثبت أنّ الجميع تحت الخطيّة، ويختمها بالضبط بالآية الأولى من هذا المزمور: ليس خوف الله أمام عيونهم. لاحظ ما فعله: ما وصفه داود كصورة «الشرّير»، ذاك الآخر البغيض، صيّره بولس تشخيصاً للبشريّة كلّها، يهوداً ويوناً. وهذا يقلب قراءتنا للمزمور. لسنا نقف مع داود ننظر إلى الشرّير من بعيد؛ نحن الموصوفون في الآيات الأربع الأولى، والذين مع ذلك يُدعَون إلى الظلّ والمائدة والنهر. بولس يكمل السطر بعد صفحة: متبرّرون مجّاناً بنعمته. فالانقلاب المفاجئ في منتصف المزمور، من الظلمة إلى الاتّساع، هو بالضبط بنية الإنجيل.
أسئلة للتأمل
في أيّ موضع من حياتك صرتَ محامي نفسك، تصوغ دفاعاً محكماً لا تصدّقه إلّا أنت؟
«بِنُورِكَ نَرَى نُورًا»: ما الذي تغيّر في رؤيتك لنفسك منذ أن عرفت المسيح، وما الذي ما زال في العتمة؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Psalms 36
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى المزامير 36؟
عمّ يتحدث المزامير 36؟
ما هو السياق التاريخي لـ المزامير 36؟
ماذا يعلّمنا المزامير 36 عن صفات الله؟
كيف لا يزال المزامير 36 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما الذي يلمسك في Psalms 36؟
لم تُشارَك أي تأملات على هذا المقطع بعد. كن أول من يترك شيئًا: تأملاً أو صلاة أو شكرًا.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
