المزامير 67
النص
يبدأ المزمور بدعاء صغير: ليتحنّن الله علينا، وليباركنا، "لِيُنِرْ بِوَجْهِهِ عَلَيْنَا". ثم تأتي كلمةٌ تقلب الدعاء رأسًا على عقب: "لِكَيْ يُعْرَفَ فِي ٱلْأَرْضِ طَرِيقُكَ، وَفِي كُلِّ ٱلْأُمَمِ خَلَاصُكَ"، فتُطلب البركة لا لأجل صاحبها بل لأجل العالم كله. ثم ينفتح المزمور على هتاف يتكرّر مرتين، "يَحْمَدُكَ ٱلشُّعُوبُ يَا ٱللهُ. يَحْمَدُكَ ٱلشُّعُوبُ كُلُّهُمْ"، ويُختم بحصادٍ أعطته الأرض وببركةٍ تمتدّ حتى تخشى الله "كُلُّ أَقَاصِي ٱلْأَرْضِ". سبع آيات فقط، لكنها تتنقّل من "علينا" إلى "كل الأمم" في نَفَسٍ واحد.
القلب
هذا المزمور يقول عن الله شيئًا لا نصدّقه بسهولة: إن بركته ليست ملكيّة خاصة. نحن نطلب النعمة لأنفسنا كأنها رصيد شخصي، والمزمور يطلبها كأنها نافذة يُرى الله من خلالها. لاحظ الترتيب: أولًا وجهه المنير علينا، ثم معرفة طريقه في الأرض. أي أن الشعب المبارك يصبح هو نفسه الدليل، والبركة الملموسة عليه تصير حجّةً أمام الأمم على أن إله إسرائيل يَخلُص. وهنا تظهر كلمة غريبة في الآية الرابعة: الأمم تفرح "لِأَنَّكَ تَدِينُ ٱلشُّعُوبَ بِٱلِٱسْتِقَامَةِ". الدينونة سبب فرح؟ لمن ذاق الظلم من الأقوياء، نعم. أن يكون هناك قاضٍ مستقيم في النهاية ليس تهديدًا بل راحة. وما يُقلقنا في هذه الآية ربما يكشف أي جهةٍ نقف فيها.
الخيط الممتدّ
"خَلَاصُكَ" في الآية الثانية هي في العبرية يشوعة، الكلمة التي منها اسم يسوع. لا أريد أن أصنع من هذا لعبة لغوية، لكن المزمور يصلّي فعلًا أن يُعرَف خلاص الله بين كل الأمم، وهذا الدعاء بقي معلّقًا قرونًا. إسرائيل كان مباركًا، ومُسبيًّا، ومُسترَدًّا، والأمم بقيت في الخارج تنظر. ثم جاء واحد صار هو نفسه وجه الله المنير علينا، لا بركةً تُعطى بل بركةً تحلّ في جسد. ومنذ ذلك الحين صار "يَحْمَدُكَ ٱلشُّعُوبُ كُلُّهُمْ" أمرًا يحدث فعلًا في لغاتٍ لم يسمع بها كاتب المزمور. نحن نقف داخل جواب هذه الصلاة، لا أمامها. وهذا يجعلنا نسأل: إن كنا جواب صلاةٍ قديمة، فمن هو الذي ينتظر جوابًا منا؟
المرآة
اسأل نفسك بصدقٍ غير مريح: لماذا تطلب من الله ما تطلبه؟ نصلّي لأجل الوظيفة، لأجل صحة الجسد، لأجل تحسّن البيت، لأجل أن تنجح السنة الدراسية. كل هذا مشروع، والمزمور نفسه يبتهج بالحصاد: "ٱلْأَرْضُ أَعْطَتْ غَلَّتَهَا". لكنه لا يتوقف هناك. الفرق بين إيمانٍ ناضج وإيمانٍ طفولي ليس في ما نطلبه بل في "لكي" التي نضعها بعده. هل تريد الراحة المالية لكي تستريح فقط، أم لكي يُعرف طريق الله في محيطك؟ وهل تحتمل أن تكون بركتك شفافة، أي أن يراها الناس ولا يروك أنت؟ هناك كبرياء خفيّ في من يريد أن يكون مباركًا ومعجَبًا به في الوقت نفسه.
اليوم: خُذ آخر طلبة صلّيتَها لنفسك، اكتبها على ورقة، وأضف تحتها جملة واحدة تبدأ بـ "لكي"، تذكر فيها شخصًا واحدًا باسمه قد يرى الله من خلال جواب هذه الطلبة. ثم صلِّها مرة أخرى بصوتٍ مسموع.
السياق
المزمور مرتبط بالعبادة الجماعية، وفيه نَفَس احتفال الحصاد: الأرض أعطت غلّتها، والخزين دخل. في عالمٍ زراعي بلا مخزونٍ احتياطي، كان الحصاد الجيّد مسألة حياة أو موت، وكان يُقرأ لاهوتيًّا: إن باركت السماء، أكل الناس. والشعب الذي ينشد هذا كان صغيرًا، محصورًا بين إمبراطوريات مصر وآشور وبابل، يعرف أن الأمم أقوى منه. ومع ذلك لا يصلّي أن تُسحق الأمم بل أن تفرح وتسبّح. هذا ليس موقف منتصر يتنازل، بل موقف شعبٍ ضعيف يرى في بركته علامةً أكبر منه. وكلمة "سِلَاهْ" مرتين، في الآية الأولى والرابعة، توقّف موسيقي، فجوة صمت مقصودة. المزمور يطلب منك أن تسكت في منتصفه.
النسيج الكتابي
الآية الأولى صدى واضح لبركة الكهنة في سفر العدد: "يُنِرِ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ". المزمور يأخذ الصيغة الكهنوتية التي كانت تُنطق على الشعب ويحوّلها إلى دعاءٍ يرفعه الشعب نفسه، ثم يوسّع مداها من "عليك" إلى "كل أقاصي الأرض". وخلفه يقف وعد الله لإبراهيم في تكوين 12، أن تتبارك فيه جميع قبائل الأرض؛ فالمزمور ليس انفتاحًا متأخرًا على الأمم، بل تذكّرٌ بأن الدعوة كانت من البداية موجّهة إلى العالم. بركة إبراهيم لم تكن أبدًا مكافأة على حساب الآخرين، بل قناةً نحوهم. وبين هذين النصّين يتّضح أن ضيق الأفق هو الانحراف، لا الاتساع.
من كانوا يسمعون
تخيّل جماعة واقفة في ساحة الهيكل بعد حصادٍ نجا من الجفاف. هم يعرفون طعم السنوات العجاف، ويعرفون الجيوش التي تمرّ في طريقها إلى مكان آخر فتسحق حقولهم عرضًا. حين يسمعون "تَفْرَحُ وَتَبْتَهِجُ ٱلْأُمَمُ"، لا يسمعون شعارًا عن التعدّد الثقافي، بل يسمعون شيئًا يصعب تصوّره: أن تقف أمام الله ذات الأمم التي تخيفهم، وتسبّح. وحين يسمعون "تَدِينُ ٱلشُّعُوبَ بِٱلِٱسْتِقَامَةِ"، يسمعون وعدًا بأن القوة لن تكون هي الكلمة الأخيرة. نحن نقرأ المزمور من موقع الأمم التي دخلت؛ هم كانوا ينشدونه من موقع من يرجو ولا يرى بعد. ولعلّ هذا هو السؤال الذي يتركه المزمور مفتوحًا: ما الذي نرجوه نحن ولا نراه بعد، ونجرؤ على تسبيح الله لأجله الآن؟
أسئلة للتأمل
ما هي "اللكي" الصامتة خلف صلواتي: لأجل من ولماذا أطلب ما أطلب؟
أي جزء منّي يرتاح لفكرة أن الله "يَدِينُ ٱلشُّعُوبَ بِٱلِٱسْتِقَامَةِ"، وأي جزء منّي يفضّل ألّا يفكّر فيها؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Psalms 67
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى المزامير 67؟
عمّ يتحدث المزامير 67؟
ما هو السياق التاريخي لـ المزامير 67؟
ماذا يعلّمنا المزامير 67 عن صفات الله؟
كيف لا يزال المزامير 67 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Psalms 67
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يُبَارِكُنَا اللهُ، وَتَخْشَاهُ كُلُّ أَقَاصِي الأَرْضِ."
لاحظ الترتيب: البركة تأتي إليك، ثم تمضي منك إلى أقاصي الأرض. ما أعطاك الله ليس ملكًا خاصًا تخبّئه، بل ضوءًا يراه البعيدون فيعرفون مَن أشعله.
اسأل نفسك اليوم: هل بركتي توقّفت عندي؟ من حولك ينتظر أن يرى في حياتك سببًا ليخاف الله ويحبّه.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
