المزامير 70
النص
خمس آيات، كلها لهاث. يبدأ المزمور بلا فعل، صرخة مقطوعة: "اَللَّهُمَّ، إِلَى تَنْجِيَتِي"، كمن لا يجد وقتاً لبناء جملة كاملة. ثم ينقسم العالم إلى فريقين: "طَالِبُو نَفْسِي" و"ٱلْمُشْتَهُونَ لِي شَرًّا" الذين يقولون "هَهْ! هَهْ!" من جهة، و"كُلُّ طَالِبِيكَ" و"مُحِبُّو خَلَاصِكَ" من جهة أخرى. يطلب المصلي أن يُخزى الأولون وأن يبتهج الآخرون، ثم يعود إلى نفسه بوصف لا يجمّله: "أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَفَقِيرٌ". ويُغلق كما فتح، بالعجلة: "أَسْرِعْ إِلَيَّ… لَا تَبْطُؤْ".
الجوهر
هذا المزمور يعلّمنا شيئاً غير مريح عن الإيمان: أنه ليس دائماً هدوءاً وثقة ناضجة، بل أحياناً استعجال صريح لله. المصلي لا يتظاهر بأنه صبور. يقول لله: أسرع، لا تبطؤ. وهذا ليس نقصاً في التقوى بل اعتراف بالحقيقة: أنا لا أستطيع حماية نفسي، ولا أملك الوقت، ولا القدرة. الوصف الذي يختاره لنفسه، "مِسْكِينٌ وَفَقِيرٌ"، ليس تواضعاً أدبياً؛ إنه موقع اجتماعي حقيقي في إسرائيل، موقع من لا سند له إلا الله. والعجيب أن هذا الموقع هو بالضبط ما يجعل الصلاة ممكنة. من يظن نفسه مكتفياً لا يستعجل أحداً. الفقر المعترَف به هو باب النعمة، لا عقبتها.
الخيط الناظم
في العهد القديم يتكرر هذا النمط: الضعيف الذي يُحاصره الأقوياء يسلّم قضيته لله بدل أن ينتقم. داود في الصحراء، إرميا في الجب، العبد المتألم في إشعياء. وفي يسوع المسيح يبلغ هذا النمط ذروته: هو الذي سمع "هَهْ! هَهْ!" من حول الصليب، وهو الذي لم يرد لعناً بلعنة بل أسلم أمره لمن يقضي بعدل. لكنه أيضاً صلّى صلاة الفقير، وصار هو نفسه "مسكيناً وفقيراً" حتى لم يكن له موضع يسند رأسه. ومنذ ذلك الحين تغيّر معنى الاستعجال: الكنيسة لا تزال تصرخ "لا تبطؤ"، لكنها تصرخ وهي تعرف أن الذي تنتظره جاء مرة، ووعد بالعودة. الانتظار صار انتظاراً بملامح معروفة.
المرآة
هنا يصير المزمور عملياً بشكل مزعج. "هَهْ! هَهْ!" هو صوت الزميل الذي فرح بفشلك في الاجتماع، صوت القريب الذي قال لك "قلت لك"، صوت التعليق الذي قرأته عن نفسك ولم تنسه. والسؤال الأخلاقي ليس: هل تتألم؟ بل: ماذا تفعل بالألم؟ المزمور يرفض خيارين معاً. يرفض التظاهر بأن لا شيء حدث، ويرفض أن تأخذ أنت المبادرة في الانتقام. يضع الغضب كله في فم الله، وهذا بالضبط ما ينزع السلاح من يدك. من يسلّم القضاء لله لا يحتاج أن يردّ الرسالة اللاذعة، ولا أن يُسرّب المعلومة، ولا أن يفرح سراً بعثرة خصمه. ثم لاحظ الآية الرابعة: المصلي يطلب فرحاً عاماً، "وَلْيَبْتَهِجْ وَيَفْرَحْ بِكَ كُلُّ طَالِبِيكَ". قضيته الخاصة تتسع لتصير قضية جماعة. هذا هو الفرق بين المرارة والصلاة: المرارة تضيق، والصلاة تتسع.
اليوم: اكتب على ورقة اسم الشخص الذي قال عنك "هَهْ! هَهْ!"، وقل الآية الثانية بصوت مسموع أمام الله كما هي، ثم أتبعها بـ"لِيَتَعَظَّمِ ٱلرَّبُّ"، واتركه عند هذا الحد: لا رسالة، لا تعليق، لا ردّ اليوم.
السؤال
لكن كيف نصلّي "لِيَخْزَ وَيَخْجَلْ"؟ المسيح أمرنا أن نحب أعداءنا، فهل هذه الآية بقية من دين أقدم وأقسى؟ لا أريد أن ألطّف الأمر: الكلمات قاسية فعلاً. لكن لاحظ ما لا تقوله. لا تطلب موتهم ولا تعذيبهم، بل خزيهم وارتدادهم إلى خلف؛ أي توقف الشر عن النجاح. والأهم: إنها تُقال لله، لا للعدو. هذا فارق أخلاقي هائل. الصلاة هي المكان الذي نقول فيه أسوأ ما فينا لمن يستطيع أن يطهّره، بدل أن نحمله إلى يدينا وألسنتنا. ومع ذلك يبقى شيء غير محلول: أنا لا أستطيع أن أصلّي هذه الآية ببراءة تامة، لأن قلبي يريد أكثر مما تقوله. ربما هذا هو الدرس: صلِّ الآية كما هي، لا كما يشتهيها غضبك.
التفصيل
انظر إلى الآية الأولى مرة أخرى: "اَللَّهُمَّ، إِلَى تَنْجِيَتِي". لا يوجد فعل. في العبرية الأمر نفسه: اسم الله، ثم كلمة "لتنجيتي"، ثم صمت. المترجمون في كل اللغات يشعرون بالحاجة إلى إضافة فعل، لأن الجملة ناقصة نحوياً. لكن النقص هو المعنى. هذا مزمور ٤٠ نفسه (الآيات ١٤ إلى ١٨) لكن بُتِر منه كل ما يمكن بتره؛ حتى الفعل سقط من شدة العجلة. إنها صلاة رجل يركض. وفي هذا تعليم عملي لمن يظن أن الصلاة تحتاج صياغة لائقة قبل أن تُقبل: أحياناً كل ما تملكه هو اسم الله وكلمة واحدة عن حاجتك. هذا يكفي. الله لا ينتظر منك جملة كاملة.
النص الموازي
المزمور الأربعون يحتوي الكلمات نفسها تقريباً، لكنه يبدأ بشهادة عن خلاص سابق: انتظرتُ الرب فأصغى إليّ. أي أن المزمور السبعين هو هذه الصلاة بعد أن نُزعت منها الذكرى، صلاة من لم يبقَ لديه سوى الصرخة. وهذا يشرح لماذا احتفظ بها الكتاب مرتين: لأننا نحتاجها في الحالتين. ومن جهة أخرى، مَثَل الأرملة الملحّة في لوقا ١٨ يقف في الاتجاه المعاكس تماماً: هناك الله هو الذي يبدو متأخراً، ويسوع يقول إنه سينصف سريعاً. المزمور يصرخ "لَا تَبْطُؤْ"، والمسيح يجيب أن التأخير ليس إهمالاً. لا يُلغى الصراخ، لكنه يُعطى وعداً يستند عليه.
تأملات
أين في حياتك تنتظر أن ينتصف الله لك، وما الذي تفعله بيديك في أثناء الانتظار؟
هل تستطيع أن تقول عن نفسك اليوم "أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَفَقِيرٌ" دون أن تشرح أو تبرر، أم أن شيئاً فيك يرفض هذا الموقع؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Psalms 70
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى المزامير 70؟
عمّ يتحدث المزامير 70؟
ما هو السياق التاريخي لـ المزامير 70؟
ماذا يعلّمنا المزامير 70 عن صفات الله؟
كيف لا يزال المزامير 70 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Psalms 70
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
اَللَّهُمَّ إِلَى تَنْجِيَتِي، يَا رَبُّ إِلَى مَعُونَتِي أَسْرِعْ."
لا مقدمة، لا شرح طويل، لا كلام منمّق. رجلٌ في ضيق يفتح فمه فتخرج كلمة واحدة: أسرع. أحياناً تظن أن صلاتك ناقصة لأنها قصيرة ومرتبكة، لكن الله لا ينتظر منك خطاباً. يكفي أن تقول له: أنا لا أحتمل أكثر، تعالَ الآن. هو يعرف بقية القصة.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
