المزامير 89
النص
ثلاثة أرباع هذا المزمور ترنيمة: الله أمين، عهده مع داود ثابت كالشمس والقمر، لا ينقضه ولو خان أبناء داود الشريعة. ثم، عند العدد 38، ينكسر كل شيء بكلمة واحدة: «لٰكِنَّكَ رَفَضْتَ وَرَذَلْتَ، غَضِبْتَ عَلَى مَسِيحِكَ». التاج في التراب، الأسوار مهدومة، العرش مطروح إلى الأرض. ويختم الشاعر لا بحلٍّ بل بسؤال مفتوح: «أَيْنَ مَرَاحِمُكَ ٱلْأُوَلُ يَارَبُّ؟»، وبعبارة بركة تبدو كأنها مضغوطة بين أسنان مطبقة.
الجوهر
المزمور يضع إصبعه على أقسى نقطة في الإيمان التوراتي: ماذا نفعل حين يبدو أن الله لم يَفِ بما قاله بفمه؟ لاحظ أن الشاعر لا يحلّ التوتر ولا يخفّفه. لا يقول «لعلّي أسأتُ الفهم»، ولا «العهد كان مشروطاً على أي حال»، بل يقتبس وعد الله حرفياً ويضعه أمامه كفاتورة غير مدفوعة. وهذا بحد ذاته لاهوت: الإيمان الناضج يجرؤ أن يحاسب الله بكلمته هو. الرجاء هنا ليس شعوراً إيجابياً بل تمسُّكٌ عنيد بما قاله الله حين تناقض الوقائعُ كلَّ حرف منه. «ٱلرَّحْمَةُ» و«ٱلْحَقُّ»، الكلمتان اللتان تتكرران كالنبض في النصف الأول، هما ما يُرفع الآن كشكوى.
الخيط الناظم
العهد مع داود بدا ميتاً سنة 586 ق.م. ومع ذلك احتفظ الشعب بهذا المزمور في كتاب صلاته، ولم يحذف لا الوعد ولا الشكوى. وهناك سبب: الجواب جاء لاحقاً، ومن حيث لم يُتوقَّع. «مَسِيحِكَ» الذي غضب الله عليه وغطّاه بالخزي يجد صداه الأعمق في واحدٍ من نسل داود عُلِّق عرياناً وعُيِّر من عابري الطريق. المفارقة أن الله حفظ عهده لا بإنقاذ الملك من العار، بل بدخوله فيه. والعدد 27، «أَنَا أَيْضًا أَجْعَلُهُ بِكْرًا، أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ ٱلْأَرْضِ»، تحقق في قيامة ذاك الذي سمّاه العهد الجديد «بكر الأموات». ليس تأويلاً مجازياً مقحماً، بل هو الخط الذي تتبعه الكنيسة الأولى بنفسها.
المرآة
أنتَ تعرف هذا الشعور. وعدٌ أخذتَه على محمل الجد: الزواج الذي صلّيتَ عليه سنوات، الوظيفة التي شعرتَ أن الله فتح بابها ثم أُغلق في وجهك بعد ثمانية عشر شهراً، الابن الذي ربّيتَه في الكنيسة وهو اليوم لا يردّ على اتصالاتك. والأسوأ من الألم هو الخجل: شعورك بأنك إن قلتَ هذا بصوت عالٍ ستبدو ضعيف الإيمان. فتبتلعه. تغنّي في الاجتماع «أمانتك عظيمة» وفي داخلك العدد 38 يصرخ.
هذا المزمور يقطع عليك هذا التديُّن المهذَّب. الشاعر لا يخفّف شيئاً أمام الله، ولا يشتم أيضاً. يقول بصراحة: «حَتَّى مَتَى يَارَبُّ تَخْتَبِئُ كُلَّ ٱلِٱخْتِبَاءِ؟» ويبقى. هذا هو الفرق بين الشكوى والمرارة: الشكوى ما زالت موجَّهة إليه.
افتح ورقة الآن واكتب في جملة واحدة، بصيغة المخاطَب لله، الوعدَ الذي تشعر أنه لم يُحفظ في حياتك، ثم اقرأها بصوت مسموع وأضف في النهاية: «مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلَى ٱلدَّهْرِ. آمِينَ فَآمِينَ». قلها حتى لو لم تشعر بها.
الملامح
السامعون الأوائل ليسوا متفرجين على مأساة، بل ناجون منها. على الأرجح جماعة ما بعد سقوط أورشليم: من رأى الأسوار تُهدم فعلاً، ومن سار مع آخر ملوك داود المقتادين بالسلاسل إلى بابل. حين يسمعون «أَفْسَدَهُ كُلُّ عَابِرِي ٱلطَّرِيقِ صَارَ عَارًا عِنْدَ جِيرَانِهِ»، هم يسمعون سخرية الأدوميين والعمونيين، جيرانهم المباشرين، الذين شمتوا بسقوطهم. وما يفوتنا نحن هو ثقل العدد 51: العار ليس عارهم فقط، بل يُفهم في الشرق القديم كهزيمة لإله الشعب. حين سقطت أورشليم، سخر الناس من الرب نفسه. لذلك الصلاة في جوهرها ليست «أنقذنا» بل «ٱذْكُرْ… عَارَ عَبِيدِكَ»: دافع عن اسمك.
التفصيل
انتبه إلى العدد 47: «ٱذْكُرْ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ». فجأةً يتحول المزمور من العرش القومي إلى عُمر رجل واحد. العهد موعود «إِلَى ٱلدَّهْرِ»، أما أنا فعمري قصير. وهنا تكمن الحرقة الحقيقية: المصلّي يعرف أن الله قد يفي بوعده بعد مئة سنة، وهذا لا يفيده هو. «أَيُّ إِنْسَانٍ يَحْيَا وَلَا يَرَى ٱلْمَوْتَ؟» ليس تأملاً فلسفياً في الفناء، بل ضغط زمني على الله: أسرع، فأنا لن أكون هنا. من صلّى يوماً من سرير مستشفى، أو من حسب كم سنة بقيت له ليرى ابنه يعود، يعرف هذه الصلاة من الداخل.
السياق
مزامير الكتاب الثالث (73 إلى 89) تنتهي كلها تقريباً في الظلام، وهذا المزمور هو ختامها. موقعه مقصود: المزامير مرتّبة لتروي قصة، وهنا تصل القصة إلى حائط مسدود، إلى سؤال لا جواب له، قبل أن يفتح المزمور 90 صفحة جديدة بموسى والأبدية. العبارة «مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلَى ٱلدَّهْرِ. آمِينَ فَآمِينَ» ليست خاتمة المزمور بل خاتمة الكتاب الثالث كله، ومع ذلك فإن وضعها هنا، بعد خمسة عشر عدداً من الاتهام المباشر، هو أجرأ ما في النص. الجماعة تختم بالبركة لا لأن الأمور تحسّنت، بل لأنها لا تعرف إلى من تذهب غيره.
تأمل
ما الوعد الذي تشعر أن الله لم يَفِ به لك، ومتى كانت آخر مرة قلتَه له مباشرة بدل أن تتحدث عنه مع نفسك؟
إن كان الله حفظ عهده مع داود عبر صليبٍ لا عبر نصرٍ سريع، فكيف يغيّر هذا توقعاتك عن الطريقة التي سيحفظ بها كلمته معك؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Psalms 89
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى المزامير 89؟
عمّ يتحدث المزامير 89؟
ما هو السياق التاريخي لـ المزامير 89؟
ماذا يعلّمنا المزامير 89 عن صفات الله؟
كيف لا يزال المزامير 89 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما الذي يلمسك في Psalms 89؟
لم تُشارَك أي تأملات على هذا المقطع بعد. كن أول من يترك شيئًا: تأملاً أو صلاة أو شكرًا.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
