رومية 1:17
النص
آيةٌ واحدة تحمل ثقل الرسالة كلها: في الإنجيل، لا في مكان آخر، يُكشف شيءٌ كان مستوراً، وهو «بِرُّ ٱللهِ». وبولس يشدّد على الطريق: «بِإِيمَانٍ، لِإِيمَانٍ»، أي أن هذا البرّ لا يُنتزَع بالجهد ولا يُشترى بالاستقامة، بل يُستقبَل. ثم يسند كلامه إلى نصٍّ قديم من الأنبياء: «أَمَّا ٱلْبَارُّ فَبِٱلْإِيمَانِ يَحْيَا». لاحظ ما يفعله السياق: الآية تبدأ بـ«لِأَنْ»، فهي تعليلٌ لما قبلها، لعدم استحياء بولس بالإنجيل ولكونه «قُوَّةُ ٱللهِ لِلْخَلَاصِ». وهي في الوقت نفسه تمهيدٌ لما بعدها مباشرة، حيث يُعلَن الغضب أيضاً. إعلانان متجاوران: برّ وغضب. والفرق بينهما ليس في مزاج الله، بل في موقعك أنت: داخل الإنجيل أم خارجه.
الجوهر
عبارة «بِرُّ ٱللهِ» كانت لقرونٍ تُقرأ كتهديد: عدالةٌ تقيس وتحكم وتدين. وهنا يقلبها بولس رأساً على عقب. البرّ في هذه الآية ليس معياراً يُطالبك الله به، بل عطيةً يفعلها الله فيك ولأجلك. هذه هي النقطة التي تنقسم عندها كل ديانات الأرض عن الإنجيل: هل أصعد أنا إلى الله ببرّي، أم ينزل هو إليّ ببرّه؟ وصيغة «بِإِيمَانٍ، لِإِيمَانٍ» تغلق الباب أمام أي مساهمة منك: البداية إيمان، والمسار إيمان، والنهاية إيمان. ولهذا يقول بولس إن الإنجيل «قُوَّةُ ٱللهِ»، لا نصيحته ولا اقتراحه. فالمشكلة ليست أننا نجهل الصواب، بل أننا عاجزون عنه. والخلاص إذاً ليس تحسيناً لإنسانٍ متعثّر، بل إحياءٌ لإنسانٍ ميت. وما يُطلب منك ليس إنجازاً، بل أن تمدّ يديك فارغتين.
الخيط الجامع
الاقتباس الذي يستشهد به بولس ليس زخرفةً، بل جسرٌ يمتدّ من نبيٍّ واقفٍ على سور مدينةٍ محاصرة إلى كنيسةٍ صغيرة في قلب روما. حبقوق كان يصرخ لأن الظالم يبتلع من هو أبرّ منه، والجواب الذي تلقّاه لم يكن شرحاً بل وعداً: من يثبت متمسّكاً بأمانة الله سيحيا. بولس يأخذ هذه الجملة ويقرأها في ضوء القيامة، لأن الله فعل أخيراً ما وعد به «بِأَنْبِيَائِهِ فِي ٱلْكُتُبِ ٱلْمُقَدَّسَةِ». الخيط إذاً واحد من العهد القديم إلى الجلجثة: الله يبرّر لا بأن يخفّض معاييره، بل بأن يحمل هو ثمنها في ابنه، «ٱلَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ ٱلْجَسَدِ». البرّ المُعلَن ليس فكرة، بل شخص.
المرآة
اسأل نفسك بصدق: ما الذي تستخدمه لتثبت أنك على ما يرام؟ ربما انضباطك في القراءة الصباحية، أو أنك لم تفعل ما فعله أخوك، أو أنك الوالد الذي لم يستسلم، أو الموظّف الذي لم يغشّ يوماً. نحن لا نبني برّنا من العدم؛ نبنيه من أشياء حقيقية وحسنة، وهذا ما يجعله خطراً. هذه الآية تسحب البساط من تحت كل ذلك، وهو مؤلم قبل أن يكون محرّراً. مؤلم لأن سنوات من الجهد لا تُحتسب عملةً؛ محرّر لأن فشلك لا يُحتسب عملةً أيضاً. إن كنت تستيقظ بشعورٍ ثقيل بأن عليك أن تعوّض شيئاً لله اليوم، فأنت تعيش خارج هذه الآية. اليوم: اكتب على ورقة الشيء الواحد الذي تُشهره في وجه ضميرك لتثبت استحقاقك، ثم اقرأ فوقه بصوتٍ مسموع: «أَمَّا ٱلْبَارُّ فَبِٱلْإِيمَانِ يَحْيَا»، ومزّق الورقة.
التناص
الجملة التي يقتبسها بولس هنا مأخوذة من حبقوق الأصحاح الثاني، حيث تُقال لرجلٍ ينتظر في الظلام ولا يرى تدخّل الله؛ وهذا يفيدنا لأنه يكشف أن «الإيمان» في ذهن بولس ليس مجرّد قبولٍ ذهني لعقيدة، بل تعلّقٌ بأمانة الله حين لا يوجد دليل مرئي. والاقتباس نفسه يعود مرة أخرى في رسالة العبرانيين، هناك في سياق الاحتمال والصبر، لا في سياق التبرير؛ وهذا يمنعنا من تضييق الإيمان إلى لحظة اهتداء واحدة. الإيمان الذي يبرّرك في البداية هو الإيمان نفسه الذي يُبقيك حيّاً في منتصف الطريق. وقارن أيضاً ما يأتي مباشرة بعد آيتنا: البشرية التي «حَجَزَتِ ٱلْحَقَّ بِٱلْإِثْمِ» تحتاج إعلاناً من فوق، لا ترقيةً من داخلها.
السياق
بولس يكتب من كورنثوس تقريباً، في منتصف الخمسينيات الميلادية، إلى كنيسةٍ لم يؤسّسها ولم يزرها. روما هي مركز العالم: مدينة الشرف والعار بامتياز، حيث مكانتك تُقاس بمن يعرفك ومن يمدحك. وفي مدينةٍ كهذه يقول رجلٌ يهودي، ابن شعبٍ مهزوم، إنه لا يستحي برسالةٍ محورها رجلٌ صُلب صلباً رومانياً، أي أحطّ ميتة في تصوّرهم. الكنيسة هناك كانت خليطاً متوتراً من يهودٍ عادوا بعد نفي كلوديوس ومن أمم دخلوا حديثاً، وكلا الفريقين يميل إلى أن يجعل من خلفيته امتيازاً. جملة «بِإِيمَانٍ، لِإِيمَانٍ» تُسقط الامتيازين معاً، تماماً كما يقول: «لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ».
التفصيل
توقّف عند كلمة «مُعْلَنٌ». هي الكلمة نفسها التي يستخدمها بولس في الآية التالية عن الغضب، وهي في اليونانية من جذر «أبوكالوبتو»، أي يكشف الغطاء عن شيءٍ كان موجوداً لكنه محجوب. هذا يغيّر كل شيء: برّ الله لم يُخترع مع الإنجيل، ولم يبدأ في يوم الجمعة العظيمة؛ كان دائماً هناك، مخبّأً في وعودٍ وذبائح وأنبياء، حتى انكشف الستار. والفعل مبني للمجهول ومستمر: أنت لست من يكشفه، ولا تكتشفه بذكائك أو بتقواك. يُكشف لك، حين يُكرَز به. لهذا يصرّ بولس على السفر إلى روما ويقول «إِنِّي مَدْيُونٌ»: لأن ما لا يُعلَن يبقى مستوراً، ولأن الإيمان لا ينبت من فراغ بل من كلمةٍ مسموعة.
تأمل
ما الذي تخسره فعلياً إن توقّفت اليوم عن محاولة إثبات برّك أمام الله، وما الذي يخيفك في تلك الخسارة؟
«بِإِيمَانٍ، لِإِيمَانٍ» تعني أن الطريقة التي بدأت بها هي الطريقة التي تستمرّ بها. أين تسلّلت المحاولة والاستحقاق إلى حياتك مع الله بعد بدايتك؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول Romans 1:17
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى رومية 1:17؟
عمّ يتحدث رومية 1:17؟
ما هو السياق التاريخي لـ رومية 1:17؟
ماذا يعلّمنا رومية 1:17 عن صفات الله؟
كيف لا يزال رومية 1:17 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Romans 1
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
أشكرك يا رب لأنك لم تتركني بلا معرفة، بل وضعت في قلبي شهادة تعرّفني "حكم الله". أشكرك أنك نزعت عني السرور بالشر، وأعطيتني أن أفرح بالحق وبمن يسلكون فيه. احفظ قلبي حسّاسًا لصوتك، ولا تدعني أبرّر خطيئة ولا أشجّع فاعلها.
الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم". لاحظ الترتيب: النعمة أولاً، ثم الرسالة. لم يُرسَل بولس ليستحق شيئاً، بل لأنه نال ما لا يستحقه. وانتبه إلى التعبير الغريب: "إطاعة الإيمان". الإيمان ليس مجرد اقتناع في الرأس، بل خضوع يتحرك. وكل هذا "لأجل اسمه"، لا لأجل اسمك. فلمن تعمل اليوم حقاً؟
الذين بينهم أنتم أيضا مدعوو يسوع المسيح." وسط أمم كثيرة، وأسماء لا تحصى، وقعت عليك دعوة باسمك. لست رقماً في زحمة، ولا فائضاً عن الحاجة. أنت مدعو، ومدعو له هو، لا لمشروع ولا لخدمة فقط. اسأل نفسك اليوم: هل أعيش كمن سمع صوتاً ناداه، أم كمن ما زال ينتظر أن يُلاحَظ؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة