رومية 15
النص
يفتتح بولس الأصحاح بقاعدة ثقيلة: «فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ ٱلْأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ ٱلضُّعَفَاءِ، وَلَا نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا»، ويسند هذه القاعدة لا إلى حكمة عامة بل إلى المسيح الذي لم يرضِ نفسه. ثم يوسّع الدائرة: اليهود والأمم معًا، بفمٍ واحد، يمجّدون الله، لأن المسيح خدم المختونين ليثبّت مواعيد الآباء وليرحم الأمم. ويُختم الأصحاح بخطط بولس الملموسة: جمع تبرّع لفقراء القديسين في أورشليم، ورحلة مؤجَّلة إلى إسبانيا، وطلبٌ أن يجاهدوا معه في الصلاة.
القلب
الجملة المفتاحية ليست «احتملوا الضعفاء» بل «وَلَا نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا». بولس لا يطلب تنازلًا تكتيكيًا لحفظ السلام، بل يقلب مفهوم القوة رأسًا على عقب. القوة في منطق الإنجيل ليست حقًّا في أن تفرض ذوقك وقناعتك ووتيرتك، بل هي قدرة فائضة توضع تحت ثقل الآخر. والدليل ليس مثلًا أخلاقيًا بل حدث الصليب: المسيح لم يستعمل امتيازه لنفسه. ثم تأتي الآية السابعة كخلاصة: «ٱقْبَلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضًا قَبِلَنَا». مقياس قبولي لأخي ليس مدى اتفاقه معي، بل الطريقة التي قُبلتُ بها أنا: وأنا ضعيف، مخطئ، غريب.
الخيط الممتد
سلسلة الاقتباسات في الآيات ٩ إلى ١٢ ليست زخرفة. بولس يجمع من الناموس والأنبياء والمزامير شهادات على أن دخول الأمم لم يكن خطة طارئة بل وعدًا قديمًا: «تَهَلَّلُوا أَيُّهَا ٱلْأُمَمُ مَعَ شَعْبِهِ». وذروتها إشعياء: «سَيَكُونُ أَصْلُ يَسَّى وَٱلْقَائِمُ لِيَسُودَ عَلَى ٱلْأُمَمِ». أي أن ابن داود لم يأتِ ليحكم قبيلة بل ليجمع الشعوب. لذلك خدم المسيح «ٱلْخِتَانِ» من أجل صدق الله: أمانة الله لإسرائيل هي نفسها الباب الذي دخلت منه الأمم. والوحدة التي يطلبها بولس في كنيسة رومية ليست مجاملة اجتماعية، بل هي الشكل المنظور لتحقّق وعد قديم.
المرآة
اسأل نفسك أين تمارس قوتك. ربما في البيت: أنت الأسرع في الجدال، فتكسب كل نقاش مع زوجتك أو ابنك المراهق وتخسر العلاقة. ربما في العمل: لك خبرة عشرين سنة، فتسحق اقتراح الزميل الجديد بنصف جملة ساخرة. ربما في الكنيسة: قناعتك في مسألة ثانوية صارت معيارًا تُصنِّف به الناس إلى ناضجين ومتخلّفين. بولس لا يقول لك إنك مخطئ في قناعتك؛ هو يقول إن القوي هو من يحمل، لا من يُحمَل إليه. والمحكّ الدقيق هو كلمة «لِأَجْلِ ٱلْبُنْيَانِ»: هل يخرج منك ما يبني الآخر، أم ما يثبت مكانتك؟
اليوم، أرسل رسالة قصيرة لشخص في كنيستك تختلف معه، لا تذكر فيها الخلاف بحرف واحد، بل اذكر أمرًا واحدًا محدّدًا رأيته فيه وشكرت الله عليه.
السمات
كان في رومية يهود عادوا إلى المدينة بعد سنوات من الطرد، فوجدوا كنائس بيوت صارت أكثريتها من الأمم، بعادات غريبة عنهم، بلا تحفّظ على اللحم أو على الأيام. تخيّل الإحراج: من يستضيف من؟ على أي مائدة؟ حين يسمع هؤلاء «ٱقْبَلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا»، فهم لا يسمعون شعارًا عن المحبة، بل قرارًا عمليًا بشأن من يجلس معهم ويأكل من صحنهم. و«بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَفَمٍ وَاحِدٍ» كانت تعني أن تُسمع تسبحة واحدة من حناجر عبيد وتجار ويهود وأمم في غرفة واحدة، في مدينة بُنيت كلها على سلّم طبقي صارم.
التفصيلة
كلمة واحدة في الآية ٢٧ تكسر كل رومانسية حول العطاء: «وَإِنَّهُمْ لَهُمْ مَدْيُونُونَ». لم يقل بولس إن الأمم تبرّعوا من كرمهم، بل إنهم يسدّدون دينًا. أخذوا الروحيات من أورشليم: الكتب، المواعيد، المسيح نفسه. فمن العدل أن يردّوا «فِي ٱلْجَسَدِيَّاتِ». هذا ينقل التبرّع من خانة الفضل إلى خانة الالتزام، ويربط المال بالعقيدة ربطًا لا فكاك منه. من استفاد روحيًّا من جماعة أو شخص أو إرسالية، صار مدينًا ماديًّا. فكّر بمن علّمك الإيمان ومن يخدم في مكان أفقر من مكانك: ليست عطيتك إحسانًا متعاليًا، بل تسديد متأخّر.
الشخصية المحورية
بولس في النصف الثاني لا يقدّم نفسه كبطل. يمدح أهل رومية قبل أن يعظهم، ويعترف أنه كتب «بِأَكْثَرِ جَسَارَةٍ» لا لتفوّقه بل «بِسَبَبِ ٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي وُهِبَتْ» له. له طموح واضح، إسبانيا، أقصى الغرب، ومبدأ صارم ألّا يبني على أساس لآخر. لكنه يؤجّل حلمه كله ليحمل كيس نقود إلى أورشليم. وهو خائف، بصراحة لا يخفيها: «لِكَيْ أُنْقَذَ مِنَ ٱلَّذِينَ هُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ»، وخائف أيضًا ألّا تُقبل خدمته من القديسين أنفسهم. فيطلب لا دعاءً مجاملًا بل جهادًا: «أَنْ تُجَاهِدُوا مَعِي فِي ٱلصَّلَوَاتِ». رجلٌ قوي يعترف أنه لا يقدر وحده. هذا بالضبط هو القوي الذي يصفه في الآية الأولى.
أسئلة للتأمل
في أي علاقة محدّدة تستعمل أنت حقك الصحيح بطريقة تهدم بدل أن تبني؟
من هم الذين أخذتَ منهم «روحيات» ولم تسدّد لهم شيئًا بعد؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Romans 15
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى رومية 15؟
عمّ يتحدث رومية 15؟
ما هو السياق التاريخي لـ رومية 15؟
ماذا يعلّمنا رومية 15 عن صفات الله؟
كيف لا يزال رومية 15 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Romans 15
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
لأن المسيح أيضا لم يرض نفسه". جملة قصيرة تهزّ كل حساباتنا. هو الذي له الحق في كل شيء، اختار أن يحمل الإهانات الموجّهة لغيره. تأمل: التعييرات لم تكن له أصلًا، لكنه وقف في المكان الذي تسقط فيه، ليقي من خلفه.
واليوم؟ هناك شخص قريب منك، ضعيف، يتعبك احتماله. هل ترضي نفسك، أم تقف حيث وقف سيدك؟
يا أبانا، أنت تسعى إلى من لم يسمع اسمك بعد، وتفتح عيونًا لم ترَ نورك. اجعل قلبي يشتاق لمن هم بعيدون، ولا أكتفي بالمألوف. أرسلني حيث لم يُذكر اسمك، وعلّمني أن أحمله بمحبة صادقة، لا بكلام فقط.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
