العطاء والعشور في الكتاب المقدس
مقدمة
في نهاية كل شهر، يجلس كثيرون منا أمام شاشة الهاتف يراجعون الحساب: الإيجار، فاتورة الكهرباء، أقساط المدرسة، الدواء. وفي مكان ما بين الأرقام يقف سؤال صغير محرج: وماذا عن نصيب الله؟ هل عليّ أن أدفع العشر؟ من إجمالي الراتب أم من الصافي؟ وماذا لو لم يكفِ ما تبقّى؟ يشعر البعض بالذنب، وآخرون بالغضب من كنيسة تلحّ في طلب المال، وثالثون يعطون بانتظام لكن بقلبٍ بارد لا يفرح.
الكتاب المقدس يتكلم عن المال أكثر مما نتوقع، لكنه لا يتكلم عنه كما نتوقع. في هذه الصفحة سنتتبّع العطاء والعشور من أول ذكر لهما في سفر التكوين إلى المدينة الأخيرة في سفر الرؤيا، وسنكتشف أن السؤال الحقيقي ليس «كم يجب أن أدفع؟» بل سؤال آخر أعمق يغيّر علاقتك بكل ما تملك.
زاوية هذا الدليل
معظم ما يُكتب عن العشور يدور حول نسبة مئوية: هل العشرة بالمئة ما زالت ملزمة للمؤمن اليوم أم لا؟ نحن نقترب من الموضوع من زاوية مختلفة: العشور في الكتاب المقدس ليست ضريبة على دخلك، بل توقيعٌ على وثيقة ملكية. الله لا يطلب عُشرك لأنه محتاج إلى عشرة بالمئة، بل ليذكّرك بأن المئة بالمئة له أصلًا. العُشر جزءٌ صغير يعترف بحقٍّ كبير. حين نفهم هذا، ينتقل النقاش من المحاسبة إلى العبادة، ومن الخوف إلى الحرية، ومن «كم أعطي؟» إلى «لمن أنا ومالي؟». هذه الزاوية سترافقنا في كل قسم من أقسام هذه الصفحة.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن العطاء والعشور؟
أول مرة يظهر فيها العُشر في الكتاب المقدس لا تظهر في سياق شريعة ولا هيكل ولا كهنوت منظّم، بل في سياق انتصار ومفاجأة. أبرام يعود من معركة إنقاذ ابن أخيه لوط، فيخرج للقائه ملكي صادق ملك ساليم، كاهن الله العلي، ويباركه قائلًا كما في تكوين 14:20: «وَمُبَارَكٌ اللهُ الْعَلِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ». فَأَعْطَاهُ عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ». لاحظ الترتيب: البركة أولًا، ثم العطاء. لم يعطِ أبرام ليحصل على شيء، بل أعطى لأنه أدرك أن النصرة لم تكن من صنع سيفه. العُشر هنا ليس فاتورة، بل شهادة: «هذا كله ليس لي، أنا مجرد وكيل».
الخط نفسه يظهر عند يعقوب في بيت إيل، حين نذر نذرًا وقال في تكوين 28:22: «وَكُلُّ مَا تُعْطِينِي فَإِنِّي أُعَشِّرُهُ لَكَ». مرة أخرى، العُشر استجابة لعطية سابقة من الله، لا محاولة لشراء عطية لاحقة.
ثم جاءت الشريعة ونظّمت ما كان قبلها عفويًا. في لاويين 27:30 نقرأ: «وَكُلُّ عُشْرِ الأَرْضِ مِنْ حَبِّ الأَرْضِ وَمِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ فَهُوَ لِلرَّبِّ. قُدْسٌ لِلرَّبِّ». انتبه للصياغة: النص لا يقول «أعطوا الرب عُشرًا»، بل يقول إن العُشر هو للرب أصلًا. ليس تبرعًا من جيبك، بل ردّ أمانة إلى صاحبها. هذه هي نقطة الارتكاز التي تغيّر كل شيء: أنت لا تتبرع لله، أنت تعيد إليه ما هو له، لأن «لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا» (مزمور 24:1).
وقد كان للعشور في إسرائيل وظائف عملية واضحة: إعالة اللاويين الذين لم يكن لهم نصيب في الأرض، وإقامة الأعياد أمام الرب، ورعاية الغريب واليتيم والأرملة كل ثلاث سنوات. أي أن العطاء كان في آنٍ واحد عبادة وعدالة اجتماعية. وفي سفر التثنية يُكشف الهدف التربوي من كل ذلك: أن يتعلّم الشعب مخافة الرب إلههم كل الأيام. العُشر كان مدرسة سنوية في الثقة.
سفر الأمثال ينقل الفكرة من الشريعة إلى الحكمة اليومية، ويقلب منطق الاقتصاد رأسًا على عقب في أمثال 11:24: «يُوجَدُ مَنْ يُفَرِّقُ فَيَزْدَادُ أَيْضًا، وَمَنْ يُمْسِكُ أَكْثَرَ مِنَ الْحَقِّ وَإِنَّمَا إِلَى الْفَقْرِ». الحسبة البشرية تقول: ما تعطيه ينقص منك. الحكمة الإلهية تقول: القبضة المغلقة لا تحفظ شيئًا، بل تخنق صاحبها. اليد المفتوحة وحدها قادرة أن تستقبل.
أما ملاخي فيتكلم في زمن فتور روحي، حين صار الشعب يقدّم للرب المريض والأعرج من قطعانه ويحتجز ما هو له. هناك يأتي التحدي الشهير في ملاخي 3:10: «هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ، وَجَرِّبُونِي بِهذَا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ». وقبلها بآيتين اتهام صادم: «أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي» (ملاخي 3:8). كلمة «سلب» لا تُستعمل إلا حين يُؤخذ ما هو ليس ملكًا للآخذ. هذا بالضبط منطق الملكية: احتجاز العُشر ليس بخلًا فحسب، بل إنكارٌ لحقّ.
العُشر لم يكن أبدًا سعر البركة، بل توقيع الاعتراف.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
من التكوين إلى الرؤيا، يمتد خيط واحد: كل ما لدينا مُعطى، والعبادة الحقيقية تبدأ حين نعترف بذلك بأيدينا لا بألسنتنا فقط. هابيل يقدّم أبكار غنمه وسمانها، وإبراهيم يعطي عُشرًا من كل شيء، والشعب في البرية يقدّم للمسكن حتى يضطر موسى إلى منعهم من الإتيان بالمزيد، وداود يقف أمام تقدمات الشعب لبناء الهيكل ويصلي بكلمات تختصر اللاهوت كله: «لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ» (1 أخبار الأيام 29:14).
حين نصل إلى العهد الجديد، لا يُلغي يسوع المسيح العُشر، لكنه يرفض أن يجعله غطاءً للقلب البخيل. في متى 23:23 يقول للفريسيين: «لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ». هذه جملة دقيقة: لا تتركوا العُشر، لكن لا تظنوا أنه يشتري لكم إعفاءً من الرحمة والعدل.
ثم يفعل المسيح ما هو أعمق: ينقل المقياس من المبلغ إلى ما بقي في اليد. يجلس تجاه الخزانة ويرى الأغنياء يلقون الكثير، ثم يرى أرملة فقيرة تلقي فلسين، فيقول: «إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا، وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا» (مرقس 12:43-44). في محاسبة السماء، لا يُقاس العطاء بما وصل إلى الصندوق بل بما غادر القلب.
وفي لوقا 6:38 يضع يسوع المبدأ في صورة لا تُنسى: «أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ. لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ». الصورة مأخوذة من سوق الحبوب: البائع الكريم يملأ الكيل، ثم يضغطه، ثم يهزّه ليستقر، ثم يسكب حتى يفيض في طيّة ثوب المشتري. هكذا يعطي الله. والسياق مهم: الآية تأتي في نهاية تعليم عن محبة الأعداء وعدم الدينونة، أي أن الكيل المقصود أوسع من المال بكثير.
لكن ذروة الخيط ليست وصية، بل شخص. بولس لا يحفّز الكورنثيين على العطاء بآية من ملاخي، بل بالصليب: «فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ» (2 كورنثوس 8:9). هنا يكتمل منطق الملكية: المسيح لم يعطِ عُشرًا، بل أعطى ذاته. ومن اشتراه بدمه لم يعد يملك عُشرًا مقتطعًا، بل صار هو نفسه مِلكًا. لذلك يمدح بولس كنائس مكدونية بجملة تختصر كل شيء: «أَعْطَوْا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلاً لِلرَّبِّ» (2 كورنثوس 8:5).
ويغلق سفر الرؤيا الدائرة بمشهد بديع: ملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إلى المدينة المقدسة. ما بدأ بأبرام يضع عُشرًا في يد كاهن غامض في وادٍ قديم، ينتهي بأمم كاملة تضع كل ثروتها عند قدمَي الحمل. من عُشر واحد إلى كل شيء.
مفاهيم خاطئة شائعة
المفهوم الأول: العُشر وسيلة لشراء بركة مالية. يُقتبس ملاخي 3:10 كثيرًا وكأنه عقد استثماري: ادفع عشرة بالمئة، واستلم مئة. لكن الوعد في ملاخي موجَّه إلى أمة زراعية في العهد القديم بمطر وحصاد ومحصول، وهدفه استعادة علاقة مكسورة لا إطلاق مشروع ربح. الله يقول «جربوني» ليثبت أمانته، لا ليُغري بالجشع. المؤمن الذي يعطي ليأخذ لم يخرج بعد من منطق التجارة إلى منطق البنوّة. نعم، الكتاب يعد بأن الله يمنح كل شيء بغنى للتمتع (1 تيموثاوس 6:17)، لكن البركة الموعودة تشمل الاكتفاء والسلام والقدرة على الاستمرار في العطاء، لا بالضرورة زيادة في الرصيد.
المفهوم الثاني: العُشر شريعة موسوية بطُلت، فلا علاقة لنا بها. صحيح أن العهد الجديد لا يكرر وصية العشرة بالمئة كقانون للكنيسة، لكن الاستنتاج بأن المسيحي معفيّ من العطاء المنتظم هو قفزة غير كتابية. العُشر سبق الشريعة عند إبراهيم ويعقوب، وكاتب العبرانيين يبني عليه حجة كاملة في مقارنة ملكي صادق بلاوي. والأهم: العهد الجديد لا يخفّض السقف بل يرفعه. من قال «سمعتم أنه قيل لا تقتل، وأما أنا فأقول لكم» لن يقول لتلاميذه «كان عليهم عشرة بالمئة، وأما أنتم فصفر». الشريعة رسمت الحد الأدنى؛ النعمة فتحت الحد الأقصى.
المفهوم الثالث: العطاء شأن مالي بحت. حين يودّع بولس شيوخ أفسس يقول في أعمال 20:35: «فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرَ مِنَ الأَخْذِ». لاحظ أن بولس يتكلم عن تعب يديه، عن وقته وعرقه وقوته، لا عن تحويل بنكي. العطاء الكتابي يشمل الوقت والمهارة والبيت المفتوح والأذن المصغية. من يملك القليل من المال قد يكون من أسخى الناس.
المفهوم الرابع: ما دام العطاء بالنعمة، فليُعطِ كلٌّ حين يشعر بالرغبة. هذا سوء فهم لـ 2 كورنثوس 9:7: «كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا يَنْوِي بِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ اضْطِرَارٍ. لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ». كلمة «ينوي» تعني قرارًا سابقًا مدروسًا، لا اندفاعًا لحظيًا. وبولس نفسه يوصي في 1 كورنثوس 16:2 بأن يضع كل واحد جانبًا في أول الأسبوع بحسب ما تيسّر. العطاء المسيحي ليس مزاجيًا، بل مخطَّطًا ومفرحًا في آن. النية المسبقة هي ما يحمي الفرح من أن يتبخر عند أول ضائقة.
كيف نعيشه اليوم
ابدأ بتغيير السؤال. بدل «كم يجب أن أقتطع؟» اسأل «كم أحتاج فعلًا أن أُبقي؟». هذا ليس لعبًا بالألفاظ؛ إنه انتقال من عقلية المالك إلى عقلية الوكيل. الوكيل لا يشعر بالمرارة حين ينفق مال سيده، لأنه لم يعتبره ملكه في الأصل.
عمليًا، اجعل العطاء أول بند في الميزانية لا آخرها. حين يكون آخر بند، فإنه يتحول إلى ما يفيض بعد كل شيء، ونادرًا ما يفيض شيء. حدّد نسبة واضحة من دخلك، والعشرة بالمئة نقطة انطلاق حكيمة لا سقف نهائي، ثم اجعلها قرارًا مكتوبًا وتلقائيًا قدر الإمكان، لأن ما يُترك للمزاج الشهري يذبل سريعًا.
إن كنت في ضيق مالي حقيقي، لا تُدفن تحت الشعور بالذنب. الأرملة في مرقس أعطت فلسين، والله لم يستصغرهما. ابدأ بما تستطيع، بصدق أمام الرب، مع نية واضحة أن تنمو. والعكس صحيح أيضًا: إن كان الله قد وسّع عليك، فلا تتوقف عند العُشر لأنه رقم مريح. كثيرون يستطيعون أن يعطوا خمسة عشر أو عشرين بالمئة دون أي جوع، لكنهم يتوقفون عند العشرة لأنها تريح الضمير.
فكّر أيضًا في أين يذهب عطاؤك. الأنموذج الكتابي واضح: إعالة خدام الكلمة وخدمة الكنيسة المحلية أولًا، ثم رعاية الفقير واليتيم والأرملة والغريب، ثم دعم امتداد الإنجيل إلى من لم يسمعوا. عطاء لا يلمس فقيرًا أبدًا هو عطاء ناقص بمقياس الأنبياء.
ولا تنسَ العطاء غير المالي. ساعتان من وقتك لجارٍ مريض، وجبة لعائلة مرهقة، مهنتك في خدمة شخص لا يقدر أن يدفع أتعابك، صبرك مع والدين مسنّين. كل ذلك يدخل في «مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرَ مِنَ الأَخْذِ».
وأخيرًا، أعطِ في الخفاء ما استطعت. المسيح حذّر من العطاء المصحوب بالبوق، لا لأن العطاء العلني شر، بل لأن القلب يميل إلى تحصيل أجره من نظرات الناس. جرّب مرة أن تعطي حيث لا يعرف أحد، وراقب ما يحدث بداخلك.
اليد المفتوحة هي أول علامة على قلب حرّ.
المرآة
دعني أسألك سؤالًا مباشرًا: أين يذهب مالك حين لا يراقبك أحد؟ كشف حسابك المصرفي هو أصدق سيرة روحية كتبتها هذا العام. ليس عدد الاجتماعات التي حضرتها، ولا الآيات التي حفظتها، بل ما اشتريته، وما امتنعت عنه، وما أعطيته دون تردد. الله لا يحتاج إلى مالك ليدير كونه، لكنه يعرف أن قلبك يذهب حيث يذهب كنزك.
ربما تقول: وضعي المالي ضاغط، والأسعار ترتفع، والمستقبل غامض. أفهم ذلك، وهو ألم حقيقي لا أستخف به. لكن اسأل نفسك بصدق: هل أنا لا أعطي لأنني لا أستطيع، أم لأنني خائف؟ الخوف مقنع جدًا؛ يرتدي دائمًا ثوب الحكمة والتدبير. القبضة المغلقة تبدو للعين حماية، وهي في الحقيقة عبودية بطيئة.
وربما أنت في الطرف الآخر: تعطي بانتظام، بدقة، وربما أكثر من العُشر، لكن قلبك بارد كآلة حاسبة. تعطي وأنت تشعر أنك أدّيت واجبًا وانتهى الأمر. الفريسي في لوقا 18 كان يعشّر كل ما يقتنيه، ونزل إلى بيته غير مبرَّر. النسبة الصحيحة بقلب متعالٍ لا تساوي شيئًا في السماء.
وربما لست مسألة مال أصلًا. ربما تحتفظ بوقتك كأنه ملكك وحدك، وترفض أن تُقطع خصوصيتك، ولا تفتح بيتك لأحد، وتعطي من فضلة طاقتك فقط. أو ربما تعطي كل شيء للجميع لأنك تخاف أن يرفضك أحد، فيصير عطاؤك شحاذة مقنّعة.
الحقيقة المحرّرة هي هذه: أنت لست مالك حياتك، وهذا خبر سار. لست مضطرًا أن تحمي كل شيء بيديك، لأن الذي اشتراك بدمه قادر أن يعتني بك. حين تصدّق ذلك فعلًا، لن يعود العطاء اقتطاعًا مؤلمًا، بل سيصير أخف الأمور عليك.
مشروح للأطفال
الأطفال يفهمون فكرة الملكية قبل أن يفهموا فكرة النسبة المئوية. لذلك ابدأ معهم من هناك، لا من الحساب. اسأل طفلك: من صنع الشمس؟ من صنع الماء؟ من أعطى بابا العمل الذي يجلب المال؟ ثم قل له ببساطة: كل شيء في العالم لله، وهو يعطينا منه لنستعمله ونفرح به. وحين نعطي شيئًا لله، نحن لا نعطيه هدية من عندنا، بل نقول له «شكرًا، نحن نعرف أن هذا منك».
قصة أبرام وملكي صادق سهلة جدًا للسرد: رجل انتصر في معركة، وبدل أن يفتخر بقوته، قدّم جزءًا من كل شيء لله. وقصة الأرملة والفلسين أقوى من أي درس نظري، لأنها تُظهر للطفل أن الله ينظر إلى القلب لا إلى حجم المبلغ. يمكنك أيضًا أن تجعل العطاء ملموسًا: صندوق صغير في البيت يضع فيه الطفل جزءًا من مصروفه، أو مشاركته في شراء طعام لعائلة محتاجة، أو تركه هو من يضع العطية في الكنيسة بيده.
انتبه إلى نبرتك. إن ربطتَ العطاء بالخوف أو الذنب، سيحمل طفلك ذلك الشعور سنوات طويلة. اربطه بالفرح والامتنان، فيكبر وهو يظن أن العطاء أمر طبيعي ومفرح، وهذا بالضبط ما هو عليه.
نوفّر شروحات مخصّصة لهذا الموضوع بحسب الأعمار: للصغار من ثلاث إلى ست سنوات بلغة القصة والصورة، ولأطفال المرحلة الابتدائية من سبع إلى اثنتي عشرة سنة بأمثلة عملية من حياتهم اليومية، وللمراهقين من اثنتي عشرة سنة فما فوق بنقاش أعمق عن المال والهوية والضغط الاجتماعي.
الأسئلة الشائعة
هل العشور ما زالت واجبة على المسيحي اليوم؟
العهد الجديد لا يعيد فرض العُشر كقانون على الكنيسة، لكنه لا يلغي مبدأ العطاء المنتظم والسخي؛ بل يرفعه إلى مستوى تقديم الذات كلها لله. لذلك يُفضَّل أن نتعامل مع العشرة بالمئة كنقطة انطلاق حكيمة ومدروسة، لا كفاتورة إلزامية ولا كسقف نهائي. المؤمن الذي فهم أن كل ما يملكه ملك للرب لن يبحث عن الحد الأدنى المسموح، بل عن أقصى ما يستطيع أن يعطيه بفرح، بحسب ما ينويه في قلبه أمام الله.
هل أحسب العُشر من إجمالي الدخل أم من صافيه؟
الكتاب المقدس لا يعطي قاعدة محاسبية دقيقة لأننا لسنا في نظام اقتصادي زراعي كإسرائيل القديمة. المبدأ الكتابي هو تقديم «الأوائل» لا الفضلات، أي أن يكون العطاء أول ما يُقتطع لا آخر ما يتبقّى. كثيرون يحسبونه من الإجمالي كتعبير عن الثقة، وآخرون من الصافي بعد الضرائب الإلزامية، وكلا الخيارين مقبول. الأهم من الرقم هو أن يكون القرار مدروسًا ومتّخذًا أمام الرب بضمير مرتاح، لا اختيارًا للطريق الأسهل هربًا من الالتزام.
ماذا يعني قول الله «جربوني بهذا» في ملاخي 3:10؟
هذه هي المرة الوحيدة تقريبًا التي يدعو فيها الله شعبه لامتحانه، وهي دعوة موجّهة إلى أمة كانت تحتجز ما هو للرب في زمن فتور روحي. الله يقول لهم: أعيدوا ما هو لي، وسترون إن كنت لا أفتح كوى السماوات وأفيض عليكم بركة. الوعد حقيقي وأمانة الله ثابتة، لكن السياق زراعي وعهدي، والغاية استعادة العلاقة لا إطلاق برنامج للثراء. من يعطي ليمتحن الله طمعًا بالمال يكون قد أساء فهم الدعوة كليًا.
هل يجب أن أعطي العشور للكنيسة فقط أم يمكن توزيعها؟
النموذج الكتابي يعطي الأولوية للكنيسة المحلية، لأن العشور في العهد القديم كانت تعيل اللاويين وخدمة بيت الرب، والعهد الجديد يؤكد أن من يخدم الكلمة يعيش من الكلمة. ومع ذلك، الشريعة نفسها خصّصت جزءًا للفقير واليتيم والأرملة والغريب. الممارسة الحكيمة أن يكون العطاء المنتظم الأساسي لكنيستك المحلية التي تُطعمك روحيًا وتُحاسَب أمام الله، ثم تُضاف إليه عطايا للفقراء وللإرساليات وللمحتاجين من حولك بحسب قدرتك.
ما الفرق بين العُشر والتقدمة؟
العُشر هو الجزء المحدَّد الذي يُعترف به بأنه للرب أصلًا، كما يقول لاويين 27:30 عن عُشر الأرض إنه «قُدْسٌ لِلرَّبِّ». أما التقدمة فهي ما يُقدَّم فوق ذلك بمبادرة حرة من القلب، مثل تقدمات الشعب لبناء المسكن والهيكل. لهذا يذكر ملاخي 3:8 الاثنين معًا حين يتحدث عن السلب: «فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ». ببساطة، العُشر يعبّر عن الأمانة والاعتراف بالملكية، والتقدمة تعبّر عن السخاء والمحبة التي تتجاوز الواجب.
هل يمكنني التوقف عن العطاء إذا كنت في ضائقة مالية أو مديونًا؟
الله ليس جابي ضرائب قاسيًا، وهو يعرف ظروفك تمامًا. لكن التوقف الكامل عن العطاء نادرًا ما يكون الحل، لأن السخاء في الضيق هو تحديدًا ما مدحه المسيح في الأرملة التي ألقت فلسين من إعوازها. الحكمة أن تخفّض المبلغ إلى ما تستطيعه بصدق دون أن تهمل التزاماتك تجاه عائلتك ودائنيك، وأن تبقي شعلة العطاء مشتعلة ولو صغيرة، مع خطة واضحة للسداد والعودة إلى السخاء حين يفرج الله.
هل تعليم «الازدهار» الذي يعد بعائد مالي مقابل العطاء صحيح كتابيًا؟
لا، وهو تشويه خطير لرسالة الإنجيل. الكتاب يعلّم فعلًا أن الله كريم وأنه يعتني بشعبه، وأن من يفرّق يزداد كما في أمثال 11:24، لكنه لا يقدّم العطاء كآلة استثمار مضمونة العائد. بولس الذي كتب عن الزرع والحصاد هو نفسه من عرف الجوع والعري والسجن. العطاء الذي هدفه الحصول ليس عطاءً بل صفقة، وهو يناقض جوهر 2 كورنثوس 9:7، لأن المعطي المسرور يعطي فرحًا بالله نفسه لا طمعًا فيما في يده.
كيف أعطي بفرح وأنا أشعر بالضيق كلما فعلت؟
ابدأ بالاعتراف الصادق أمام الله بأن قلبك ليس هناك بعد؛ فهو لا يفاجأ بذلك. ثم اعمل على الجذر لا على العَرَض: الضيق غالبًا نابع من خوف على المستقبل أو من إحساس عميق بأن هذا المال ملكك أنت. تأمل في الصليب، حيث المسيح افتقر لكي تستغني أنت، واسأل نفسك ما الذي بقي لك بعد أن أُعطيت هذا. كثيرون يشهدون أن الفرح يأتي بعد الطاعة لا قبلها، وأن القلب يتبع اليد بعد فترة قصيرة من التمرين.
هل يقصد لوقا 6:38 المال فقط حين يقول «أعطوا تعطوا»؟
السياق أوسع من المال بكثير. الآية تأتي بعد تعليم يسوع عن محبة الأعداء وعدم الدينونة وعدم القضاء، ثم يقول: «أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ». المقصود مبدأ عام يشمل الغفران والرحمة والوقت والكلمة الطيبة والمال معًا: بالمقياس الذي تكيل به للآخرين يُكال لك. لذلك من الخطأ اختزال هذه الآية في وعد مالي، فهي في الأصل دعوة إلى حياة كاملة من الكرم في كل شيء.
لماذا يُذكر عُشر أبرام لملكي صادق باعتباره مهمًا إلى هذا الحد؟
لأنه يسبق شريعة موسى بمئات السنين، فيثبت أن مبدأ العُشر ليس اختراعًا كهنوتيًا لاحقًا بل استجابة فطرية للنعمة. في تكوين 14:20 أعطى أبرام «عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» بعد أن بارَكه كاهن الله العلي، أي أن العطاء جاء ردًا على بركة، لا سعيًا إليها. وكاتب العبرانيين يبني على هذا الحدث ليُظهر سموّ كهنوت ملكي صادق، وبالتالي كهنوت المسيح، على كهنوت لاوي. المشهد كله يشير إلى المسيح قبل أن يُولد بقرون.
هل العطاء السري أفضل من العطاء العلني؟
يسوع حذّر من الذين يصنعون صدقتهم أمام الناس ليُمجَّدوا منهم، وقال إنهم استوفوا أجرهم. هذا لا يعني أن كل عطاء معروف خطيئة، فالكنيسة الأولى كانت تعرف من باع حقله ووضع الثمن عند أرجل الرسل. الفرق يكمن في الدافع: هل تعطي ليراك الله أم ليراك الناس؟ العطاء السري تمرين ممتاز لتنقية القلب، لأنه يحرمك من أي مكافأة اجتماعية. وحين يكون العطاء علنيًا، فليكن لتشجيع الآخرين على السخاء لا لتلميع صورتك.
ماذا أفعل إن كنت لا أثق بكيفية إدارة كنيستي للمال؟
هذا قلق مشروع، والكتاب المقدس نفسه يحرص على الشفافية؛ فبولس رتّب أن يرافق التبرعات مندوبون من الكنائس لكي لا يُلام في جمعه. تحدث بمحبة واحترام مع قيادة كنيستك واطلب وضوحًا في التقارير المالية، فالسؤال المهذب ليس تمردًا. إن كان هناك خلل حقيقي غير قابل للإصلاح، فقد تحتاج إلى إعادة النظر في مكان عضويتك بالكامل، لا في مجرد عطائك. لكن احذر أن تتحول الشكوك إلى ذريعة مريحة لتبرير الإمساك.
في الختام
العشور في الكتاب المقدس ليست بندًا محاسبيًا في ميزانية العائلة، ولا شرطًا لفتح كوى السماء لمن يريد رصيدًا أكبر. إنها، من أول ظهور لها في وادٍ قديم حيث وقف أبرام أمام ملكي صادق، إلى آخر مشهد حيث تحمل الأمم مجدها إلى المدينة المقدسة، طريقة الله في تعليمنا حقيقة واحدة بسيطة ومحرِّرة: كل شيء له، ونحن وكلاء لا مالكون. العُشر هو التوقيع الصغير الذي نكتبه كل شهر على وثيقة ملكية كبيرة.
والذي يفهم هذا يتحرر من سؤالين مرهقين معًا: سؤال الذنب «هل أعطيت ما يكفي؟» وسؤال الفخر «انظروا كم أعطيت». يبقى سؤال واحد فقط: هل قلبي مفتوح كما يدي؟
خذ وقتًا هذا الأسبوع لتقرأ 2 كورنثوس الأصحاحين الثامن والتاسع كاملين، ببطء، وكأنك تقرأهما لأول مرة. ثم افتح كشف حسابك، وضع الاثنين جنبًا إلى جنب، وصلِّ. ليس لتشعر بالإدانة، بل لتكتشف أين ما زال قلبك يظن أنه المالك. من افتقر لأجلك وهو غني يستحق أكثر من عشرة بالمئة؛ إنه يستحقك أنت.
