استفانوس في الكتاب المقدس
مقدمة
رجلٌ اختارته الكنيسة ليوزّع الطعام على الأرامل. وظيفة بسيطة، إدارية تقريبًا: أن يتأكد أن أرملةً يونانية اللسان لا تُنسى حين تُوزَّع الحصص اليومية. لم يكن واحدًا من الاثني عشر، ولا كان له صوتٌ في الهيكل، ولا تلمذ على يدي الرب في الجليل بحسب ما نعرف. ومع ذلك، حين تقرأ سفر الأعمال بعين منتبهة، تكتشف أن موت هذا الرجل، لا خدمته في الموائد، هو الذي دفع البشارة خارج أسوار أورشليم إلى السامرة وفينيقية وقبرس وأنطاكية، وفي النهاية إلى العالم كله، وإلى بيتك أنت.
في هذه الصفحة سنتتبّع حياة استفانوس بالترتيب: كيف ظهر، وماذا قال، وكيف مات، وماذا حدث بعد موته. وسترى أن قصته ليست قصة خسارة مؤلمة، بل قصة بذرةٍ وُضعت في الأرض.
زاوية هذا الدليل
أغلب ما يُكتب عن استفانوس يتوقف عند الحجارة: رجلٌ تقي قُتل ظلمًا. لكن لوقا لا يكتب مرثية، بل يكتب خريطة. فهو يربط بخيطٍ واضح بين دم استفانوس في أعمال 8:1 وبين وصول الإنجيل إلى الأمم في أعمال 11:19. زاويتنا هنا إذًا: استفانوس ليس نهاية قصة، بل أول حجر في طريق الإرسالية. الله لم ينقذه من الموت، بل استخدم موته ليفتح أبوابًا لم تكن الكنيسة لتفتحها بإرادتها. هذه الزاوية تغيّر طريقة قراءتنا لخساراتنا نحن أيضًا.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن استفانوس؟
يدخل استفانوس المسرح في أعمال 6 عبر مشكلة بشرية جدًا: "حَدَثَ تَذَمُّرٌ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ عَلَى الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ أَرَامِلَهُمْ كُنَّ يُغْفَلُ عَنْهُنَّ فِي الْخِدْمَةِ الْيَوْمِيَّةِ". كنيسة فتية، متنامية، وفيها بالفعل توتر ثقافي بين اليهود المتكلمين بالعبرية واليهود المتكلمين باليونانية. اقترح الرسل أن تُنتخب سبعة رجال "مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ"، فجاء الاختيار كما يقول أعمال 6:5: "فَحَسُنَ هذَا الْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ الْجُمْهُورِ، فَاخْتَارُوا إِسْتِفَانُوسَ، رَجُلاً مَمْلُوًّا مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَفِيلُبُّسَ، وَبُرُوخُورُسَ، وَنِيكَانُورَ، وَتِيمُونَ، وَبَرْمِينَاسَ، وَنِيقُولاَوُسَ دَخِيلاً أَنْطَاكِيًّا".
لاحظ شيئين. أولًا، أسماء السبعة كلها يونانية، أي أن الكنيسة عالجت شكوى الأقلية بأن سلّمتها الخدمة. ثانيًا، استفانوس وحده بين السبعة يُوصف وصفًا خاصًا: "مَمْلُوًّا مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ". لم يُقَل إنه مملوء خبرةً إدارية. ما أهّله للموائد هو ذات ما أهّله لاحقًا للمجمع والحجارة.
ثم يتّسع الوصف في أعمال 6:8: "وَأَمَّا إِسْتِفَانُوسُ فَإِذْ كَانَ مَمْلُوًّا إِيمَانًا وَقُوَّةً كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْبِ". هنا يحدث شيء لافت: الرجل المعيَّن لخدمة ثانوية يصنع ما كان يصنعه الرسل. الروح القدس لا يحترم تقسيماتنا الوظيفية. من كان أمينًا في توزيع الخبز صار مَجرى لقوة الله في الشعب.
الاحتكاك جاء من المجامع اليونانية في أورشليم: "مَجْمَعِ الْلِّيبَرْتِينِيِّينَ وَالْقَيْرَوَانِيِّينَ وَالإِسْكَنْدَرِيِّينَ وَمِنَ الَّذِينَ مِنْ كِيلِيكِيَّا وَأَسِيَّا". وكيليكية هي موطن طرسوس، مدينة شاول. فمن المرجّح جدًا أن شاول الطرسوسي جالس في ذلك الجدال، يسمع ويحترق. والنتيجة: "وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ". وحين تعجز الحجة يُستأجَر الشهود. التهمة كانت مزدوجة: كلام تجديف على موسى وعلى الله، وتحديدًا على "هذَا الْمَوْضِعِ الْمُقَدَّسِ وَالنَّامُوسِ".
ولم يكن الاتهام ملفَّقًا بالكامل، وهذا ما يجعل القصة خطيرة. فاستفانوس فهم، قبل كثيرين، أن مجيء المسيح يعني أن الهيكل لم يعد مركز سكنى الله، وأن العهد الجديد يتجاوز حدود جغرافيا أورشليم. هو لم يحتقر الناموس، لكنه رأى إلى أين يشير. ولهذا ختم دفاعه في أعمال 7:51 بالكلمات التي كلّفته حياته: "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ!".
قبل ذلك بقليل كان لوقا قد سجّل تفصيلًا لا يُنسى: "فَشَخَصَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْجَالِسِينَ فِي الْمَجْمَعِ، وَرَأَوْا وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلاَكٍ". المتهَم هو الوحيد الهادئ في القاعة.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
خطاب استفانوس في أعمال 7 هو أطول خطاب في سفر الأعمال، وهو ليس استعراضًا للمعلومات التاريخية. إنه قراءة للعهد القديم كله من زاوية واحدة: الله يتحرك دائمًا خارج الحدود التي يرسمها شعبه، وشعبه يرفض دائمًا من يرسله الله.
يبدأ بإبراهيم، و"إِلهُ الْمَجْدِ" الذي ظهر له وهو "فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ"، أي خارج أرض الموعد وقبل وجود هيكل أو ناموس. ثم يوسف، الذي باعه إخوته لكن "كَانَ اللهُ مَعَهُ"، فصار خلاصًا لنفس الذين رفضوه. ثم موسى، وهنا يطيل استفانوس: رجلٌ أرسله الله فأنكره إخوته في المرة الأولى، "مَنْ أَقَامَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟"، ثم ردّه الله إليهم رئيسًا ومخلّصًا. ولاحظ أن الله كلّم موسى في برية سيناء، على أرضٍ وثنية بالمقاييس اليهودية، وقال له إنها "أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ".
ثم ينتقل إلى الخيمة والهيكل، ويقتبس إشعياء: "السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ. أَيَّ بَيْتٍ تَبْنُونَ لِي؟ يَقُولُ الرَّبُّ". الحجة واضحة: الله لم يكن محبوسًا يومًا في بناء. الخيمة كانت متنقلة لأن الله متحرك، والهيكل كان ظلًّا لا سقفًا.
الله لم يسكن يومًا داخل جدراننا.
كل هذا يتجمّع في الاتهام الأخير: كما قاوم الآباء يوسف وموسى والأنبياء، هكذا قاومتم أنتم "الْبَارَّ الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ". وهذا هو الخيط الممتد: من هابيل الذي قُتل بيد أخيه، إلى زكريا بن يهوياداع الذي رُجم في دار بيت الرب في 2 أخبار الأيام 24، إلى إرميا في الجب، إلى المسيح خارج الباب، إلى استفانوس خارج المدينة. الذين يحملون كلمة الله يُرجمون غالبًا من داخل بيت الله.
لكن الخيط لا يتوقف عند الدم. ففي أعمال 7:55 نقرأ: "وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ". هذه هي ذروة الخيط كله. في محاكمة يسوع نفسه أمام ذات المجلس قال الرب: "مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ اللهِ"، فمزّقوا ثيابهم. والآن يقف استفانوس في الموضع نفسه ليقول إن ما وعد به يسوع قد تحقق فعلًا: ابن الإنسان الذي رآه دانيآل آتيًا مع سحب السماء، جالسٌ الآن في المجد. الهيكل انتهى دوره لأن الكاهن الحقيقي دخل الأقداس السماوية. كل خطوط العهد القديم، إبراهيم ويوسف وموسى والخيمة والأنبياء، تنتهي عند شخصٍ واحد قائمٍ عن يمين الله.
جوهر حياته
اللحظة الأولى: أن تُؤتمن على الصغير. حين وُضع اسمه أول القائمة في أعمال 6:5، لم يكن ذلك ترقيةً إلى منصب لامع، بل تكليفًا بعملٍ يومي متعب: الإنصاف في توزيع الطعام. ومع ذلك، هناك بالذات تشكّل كل ما تلا. استفانوس لم يقفز من المجهول إلى البطولة؛ لقد كان مملوءًا من الروح القدس وهو يحمل السلال، فوُجد مملوءًا منه وهو يحمل الحجارة. الأمانة لا تُخلق في لحظة الامتحان، بل تظهر فيها. وليس صدفةً أن لوقا يضع بعد تعيين السبعة مباشرة هذه الجملة: "وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ". حين تُحَلّ مشكلة الأرامل، تنمو الكلمة.
اللحظة الثانية: الخطاب الذي لم يدافع عن نفسه. لاحظ أن استفانوس، في اثنتين وخمسين آية، لا يقول كلمة واحدة دفاعًا عن براءته الشخصية. لم يقل "لم أجدّف"، ولم يطلب شهود نفي. لقد استخدم محاكمته ليحاكم محاكميه. وهنا يجب أن نكون أمناء: كلامه في أعمال 7:51 قاسٍ، ومباشر، ولا يراعي أي حساسية. سيقول بعضنا إن هذا ليس أسلوب المحبة. لكن هذه اللغة ليست ابتكار استفانوس، إنها لغة الأنبياء نفسها؛ عبارة "قُساة الرقاب" مأخوذة حرفيًا من تثنية وإرميا. والفرق بين القسوة والنبوة ليس في حدّة الكلمة بل في الدموع التي خلفها، وسنرى تلك الدموع بعد قليل في صلاته. ومع ذلك، يبقى تحذيرٌ لنا: ليس كل من يقلّد حِدّة استفانوس يملك قلبه أو امتلاءه.
اللحظة الثالثة: الموت الذي أشبه موت سيده. أخرجوه خارج المدينة، وخلع الشهود ثيابهم عند رجلي شاب يُدعى شاول. ويروي أعمال 7:59: "فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي". ثم تأتي الآية التي لا تُقرأ دون ارتجاف، أعمال 7:60: "ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ. وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ".
صرخةٌ واحدة بصوت عظيم، ليست لعنة بل غفرانًا. يسوع على الصليب قال: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ"، وقال: "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي". واستفانوس يردّد الكلمتين نفسيهما، لكنه يوجّه وديعته إلى يسوع. هذا تلميذٌ تشبّه بمعلمه حتى في طريقة موته. ولوقا يختار فعلًا غريبًا لوصف النهاية: "رَقَدَ". لا "مات"، بل نام. الرجم الوحشي صار في قاموس الإنجيل نومة.
ما نتعلمه من استفانوس
أولًا، الامتلاء من الروح القدس ليس حالة اجتماع، بل بنية حياة. ثلاث مرات يصف لوقا استفانوس بالامتلاء: في الاختيار، وفي الخدمة، وفي الموت. والنتيجة في كل مرة مختلفة: حكمة في الخدمة، قوة في الآيات، ثبات تحت الحجارة. نحن نطلب الامتلاء من أجل اللحظات الكبيرة، والله يعطيه من أجل الموائد الصغيرة أولًا. إن لم يكن الروح القدس يعمل فيك وأنت تخدم من لا يشكرك، فلا تنتظر أن يسندك فجأة وأنت تحت الضغط.
ثانيًا، الله لا يَعِد دائمًا بالنجاة، لكنه يَعِد دائمًا بالحضور. هذا أصعب ما في القصة. في أعمال 12 يُرسل الله ملاكًا ليخرج بطرس من السجن؛ وفي أعمال 7 لا يأتي ملاك، بل تُفتح السماء. الله لم ينقذ استفانوس من الحجارة، بل فتح له السقف ليرى المجد وهو يُرجَم. إيمانٌ ناضج يحتاج أن يحتمل هذه المفارقة دون أن ينهار: أحيانًا جواب الله ليس بابًا مفتوحًا في السجن، بل سماءً مفتوحة فوق الألم. وهنا تعود زاوية هذه الصفحة: ما بدا هزيمة كان قد صار وسيلة الله لتحريك الكنيسة كلها.
ثالثًا، الغفران هو آخر وأقوى كرازة. صلاة استفانوس في أعمال 7:60 لم تذهب سدى. الشاب الذي حرس الثياب في ذلك اليوم سيكتب لاحقًا ثلث العهد الجديد، وسيعترف في أعمال 22:20: "وَحِينَ سُفِكَ دَمُ اسْتِفَانُوسَ شَهِيدِكَ، كُنْتُ أَنَا وَاقِفًا وَرَاضِيًا بِقَتْلِهِ، وَحَافِظًا ثِيَابَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ". لا نستطيع أن نثبت أن تلك الصلاة هي سبب ارتداد شاول، لكن لوقا يضع الاثنين وجهًا لوجه عمدًا. استفانوس مات وهو يطلب ألا تُحسب لهم هذه الخطية، والله استجاب بطريقة مذهلة: لم يمحُ الخطية فحسب، بل حوّل القاتل إلى كارز.
الغفران آخر ما يقوله الشهيد، وأول ما يسمعه القاتل.
المرآة
قد تكون أنت اليوم في موقع استفانوس قبل الفصل السابع: في خدمة لا يراها أحد. تُعِدّ الكراسي، تطبخ لعائلتك، ترعى والدًا مريضًا، تُنهي تقارير مملة في وظيفة لا تشبه أحلامك. وفي داخلك سؤال: هل لهذا قيمة عند الله؟ انظر إلى الرجل الذي بدأ عند سلال الأرامل وانتهى في الآية التي يستشهد بها العالم عن الشهادة. الله لا يحتقر الصغير، لكنه أيضًا لا يمنح قوةً للكبير لمن احتقر الصغير.
وقد تكون في موقع آخر: ثمن أمانتك باهظ. خسرت ترقية لأنك رفضت توقيعًا كاذبًا. خسرت صداقات لأنك لم تساير. بيتك متوتر لأنك آمنت. وأنت تصلي أن يُخرجك الله من الضيق، فلا يفعل. اسمع هذا بهدوء: ليس كل ضيقٍ يُرفع، لكن لا ضيق يُترك بلا سماء مفتوحة. الله الذي لم يرسل ملاكًا لاستفانوس أرسل رؤيا، وأعطاه وجهًا كوجه ملاك أمام من يبغضونه. قد لا يغيّر ظرفك، لكنه يغيّر وجهك داخل الظرف.
والأصعب: هل هناك اسمٌ في حياتك ترفض أن تطلب له الغفران؟ شخصٌ آذاك في عملك، أو في مالك، أو في جسدك، أو تركك وحيدًا في أحلك سنواتك. أنت لم تُرجَم بالحجارة، لكنك رُجمت بالكلمات وبالصمت والخذلان. وصلاة استفانوس تقف أمامك كمرآة غير مريحة. لاحظ أنه جثا على ركبتيه أولًا، ثم صرخ. الغفران لم يأتِ من قوة احتمال، بل من ركبتين مثنيتين. لا تطلب من نفسك أن تسامح بإرادتك المجردة؛ اركع أولًا، وانظر إلى القائم عن يمين الله، فالذي قُبلت روح استفانوس في يديه قادر أن يحمل مرارتك أنت أيضًا.
مشروح للأطفال
قصة استفانوس من أصعب القصص لشرحها للصغار، لأن نهايتها ليست "وعاشوا بسعادة". لكن يمكن تقديمها ببساطة وأمانة معًا: كان هناك رجل اسمه استفانوس، واسمه يعني "إكليل" أو "تاج". كان قلبه مملوءًا بالله، وكان يحب أن يساعد النساء والأطفال الذين لا يجدون طعامًا كافيًا. وكان يحكي للناس عن يسوع، وكان كلامه جميلًا وقويًا لدرجة أن بعض الناس غضبوا منه كثيرًا. آذوه حتى مات، لكن قبل أن تُغمض عيناه، فتح الله له السماء فرأى يسوع واقفًا هناك ينتظره. وآخر كلمة قالها لم تكن غضبًا، بل كانت صلاة يطلب فيها من الله أن يسامح الذين آذوه، تمامًا كما فعل يسوع على الصليب.
أهم ما يحتاجه الطفل هنا ليس التفاصيل العنيفة، بل الصورتان الأخيرتان: السماء المفتوحة، والقلب المسامح. ومن المهم أن نُنهي القصة دائمًا بما حدث بعدها، أي أن أصدقاء يسوع تفرّقوا في بلاد كثيرة وحملوا الخبر الحلو معهم، حتى وصل إلينا نحن.
وعلى فيث نتورك تجد شروحات مخصّصة لهذه القصة بحسب العمر: نسخة مبسّطة جدًا لمن هم بين الثالثة والسادسة تركّز على المساعدة والمسامحة، ونسخة لمن هم بين السابعة والثانية عشرة تشرح المحاكمة والشجاعة، ونسخة للمراهقين من سن الثانية عشرة فما فوق تناقش ثمن الإيمان وسؤال الاضطهاد في عالم اليوم.
الأسئلة الشائعة
من هو استفانوس في الكتاب المقدس؟
استفانوس هو أحد السبعة الذين اختارتهم كنيسة أورشليم الأولى لخدمة الموائد، ويُذكر أولًا في أعمال 6:5 بوصفه "رَجُلاً مَمْلُوًّا مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ". كان على الأرجح يهوديًا متكلمًا باليونانية، وقد تجاوزت خدمته سريعًا حدود التوزيع اليومي إلى صنع الآيات والكرازة والمجادلة في المجامع. اتُّهم زورًا بالتجديف على الهيكل والناموس، فألقى أطول خطاب في سفر الأعمال دفاعًا عن قصد الله، ثم رُجم خارج أورشليم، فصار أول من سُفك دمه شهادةً ليسوع المسيح.
لماذا يُدعى استفانوس أول الشهداء؟
لأنه أول تلميذ يُقتل بسبب شهادته للمسيح بعد القيامة والخمسين. الكلمة اليونانية "مارتيس" تعني أصلًا "شاهد"، ومنها جاءت كلمة "شهيد"؛ وبولس نفسه يستخدمها عنه في أعمال 22:20 حين يقول: "وَحِينَ سُفِكَ دَمُ اسْتِفَانُوسَ شَهِيدِكَ". الرسل قبله سُجنوا وجُلدوا، لكن استفانوس هو أول من دفع الثمن كاملًا. ومن هنا صار نموذجًا للشهادة المسيحية عبر القرون: ليست موتًا بطوليًا، بل إصرارًا على قول الحق عن يسوع مهما كلّف.
ما هي التهمة التي حوكم بها استفانوس؟
أقام خصومه شهود زور قالوا إنه لا يفتر عن التكلم بكلام تجديف على "هذَا الْمَوْضِعِ الْمُقَدَّسِ وَالنَّامُوسِ"، وإن يسوع الناصري سينقض الهيكل ويغيّر العوائد التي سلّمها موسى. التهمة كانت تحريفًا لحقيقة: استفانوس لم يحتقر الهيكل، لكنه أدرك أن مجيء المسيح يعني أن الله لم يعد يُعبَد في موضعٍ واحد. وقد أجاب في أعمال 7 باقتباس إشعياء: "لكِنَّ الْعَلِيَّ لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَاتِ الأَيَادِي"، وهو ما فجّر غضب المجلس.
لماذا رأى استفانوس يسوع قائمًا عن يمين الله وليس جالسًا؟
العهد الجديد يتحدث عادةً عن المسيح جالسًا عن يمين الآب، علامة أن عمل الفداء قد كمل. لكن في أعمال 7:55 يراه استفانوس "قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ". المعنى الأرجح أن الرب ينهض لاستقبال شهيده والشهادة له؛ فبينما يدين المجلس الأرضي استفانوس، يقف المحامي السماوي ليعلن براءته. إنها صورة المحكمتين: واحدة تحكم بالموت، وأخرى تنهض بالترحيب. وفيها عزاء عميق لكل متألم: الرب ليس متفرجًا بعيدًا، بل واقف منتظر.
هل كان استفانوس شماسًا؟
النص لا يستخدم لقب "شماس" له؛ فأعمال 6 يتحدث عن "خِدْمَة" الموائد، ومن هذه الكلمة اشتُقّت لاحقًا كلمة شماس. لذلك يراه كثيرون النموذج الأول لخدمة الشمامسة، وهو ربط معقول من حيث الجوهر وإن لم يكن حرفيًا من حيث اللقب. المهم أن خدمته لم تبقَ عند الموائد: فحسب أعمال 6:8 كان يصنع "عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْبِ". هذا يذكّرنا أن الله لا يحبس خدّامه داخل التوصيف الوظيفي الذي نكتبه نحن.
ما معنى اسم استفانوس؟
اسمه يوناني، "ستيفانوس"، ويعني الإكليل أو التاج، وهو الإكليل الذي كان يُمنح للمنتصر في السباق. وفي هذا مفارقة جميلة: الرجل الذي يحمل اسم "إكليل" هو أول من نال ما يسميه سفر الرؤيا إكليل الحياة، في قول الرب: "كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ". كما أن يونانية اسمه تؤكد خلفيته الثقافية؛ فهو من اليهود المتكلمين باليونانية، وهذا يفسّر لماذا جادل في المجامع اليونانية ولماذا فهم باكرًا اتساع قصد الله خارج أورشليم.
هل كان بولس الرسول مسؤولًا عن موت استفانوس؟
نعم، بمعنى الرضا والمشاركة الأدبية. يسجّل أعمال 8:1 بوضوح: "وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ"، وقبلها وضع الشهود ثيابهم عند رجليه، وهو دور الموافق الرسمي. وبولس نفسه لم ينسَ ذلك أبدًا، بل اعترف به علنًا بعد سنوات في أعمال 22:20. هذا الاعتراف المتأخر يكشف شيئًا عن النعمة: الله لا يطلب منا أن ندفن ماضينا، بل أن نرويه كشهادة على رحمته. أعنف أعداء الكنيسة صار أوسع رسلها انتشارًا.
لماذا خطاب استفانوس هو الأطول في سفر الأعمال؟
لأن لوقا يستخدمه كمفتاح لاهوتي للسفر كله. في اثنتين وخمسين آية يعيد استفانوس سرد تاريخ إسرائيل ليثبت أمرين: أن الله ظهر وعمل خارج أرض الموعد وخارج الهيكل منذ إبراهيم، وأن شعب الله دأب على رفض من يرسلهم الله. الأمر الأول يمهّد لخروج الإنجيل إلى السامرة والأمم، والثاني يفسّر الرفض اليهودي للبشارة. فالخطاب ليس استطرادًا تاريخيًا، بل هو الجسر بين أورشليم في الفصول الأولى وأقصى الأرض في الفصول الأخيرة.
هل أخطأ استفانوس في بعض التفاصيل التاريخية في خطابه؟
يلاحظ القرّاء فروقًا بين بعض تفاصيل الخطاب وسفر التكوين، مثل عدد نفوس عائلة يعقوب وموضع دفن الآباء. والتفسير الأمين هو أن استفانوس كان يتكلم بحسب التقليد اليهودي المعروف في زمانه وبحسب الترجمة السبعينية اليونانية المتداولة، ويجمع أحيانًا أحداثًا متقاربة في عبارة واحدة، كما يفعل الخطباء. لوقا ينقل خطابًا حقيقيًا بأمانة، لا يصادق على كل تفصيل فيه. ولا يمسّ هذا سلطان الكتاب، لأن قصد النص هو المحاجّة اللاهوتية التي لم يستطع أحد أن يدحضها.
لماذا لم ينقذ الله استفانوس كما أنقذ بطرس من السجن؟
هذا السؤال يسكن قلب كل مؤمن متألم. الكتاب لا يعطي تفسيرًا، لكنه يعطي مشهدًا: بدل الملاك الذي يفتح الأبواب، فُتحت لاستفانوس السماء نفسها. والنتيجة التي يرويها لوقا أن موته صار بداية انتشار الكنيسة بحسب أعمال 8:1 وأعمال 11:19. فالله لم يترك خادمه، بل استخدمه بطريقة لم يكن ليختارها هو. عبرانيين 11 يضع الصنفين جنبًا إلى جنب: من أطفأوا قوة النار، ومن قُتلوا بالسيف، وكلاهما "مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ".
ما علاقة موت استفانوس بوصول الإنجيل إلى الأمم؟
علاقة مباشرة يرسمها لوقا بنفسه. بعد الرجم "حَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ". ثم يعود إلى الخيط نفسه في أعمال 11:19: "أَمَّا الَّذِينَ تَشَتَّتُوا مِنْ جَرَّاءِ الضِّيقِ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ اسْتِفَانُوسَ فَاجْتَازُوا إِلَى فِينِيقِيَةَ وَقُبْرُسَ وَأَنْطَاكِيَةَ". في أنطاكية كلّم بعضهم اليونانيين، فوُلدت أول كنيسة أممية كبرى، ومنها انطلقت الرحلات التبشيرية. حجارة أورشليم صارت بذارًا في تربة الأمم.
أين دُفن استفانوس وماذا حدث بعد موته مباشرة؟
يذكر أعمال 8:2: "وَحَمَلَ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ اسْتِفَانُوسَ وَعَمِلُوا عَلَيْهِ مَنَاحَةً عَظِيمَةً". لا يسمّي الكتاب موضع القبر ولا هوية هؤلاء الرجال، وما يُروى عن اكتشاف رفاته لاحقًا ينتمي إلى التقليد الكنسي لا إلى النص الموحى. والمهم في الآية هو جرأة هؤلاء: دفنُ محكومٍ بالتجديف ومناحةٌ علنية عليه كانا تحدّيًا صريحًا للسلطة في يوم الخوف. حتى في جنازته كانت هناك شهادة.
ما الفرق بين الشهادة والاستشهاد في الكتاب المقدس؟
في اللغة الأصلية هما كلمة واحدة. الشاهد هو من يروي ما رآه وعرفه عن يسوع المسيح، والاستشهاد هو أقصى درجات هذه الشهادة حين تُدفع بالحياة. أي أن الشهيد ليس بطلًا اختار الموت، بل شاهد رفض أن يسكت. لذلك لا يُمجَّد الموت في المسيحية، بل يُمجَّد الصدق الذي لم يساوم. وهذا يحرّرنا من فكرة أن الشهادة حكرٌ على زمن الاضطهاد؛ فكل كلمة حق عن المسيح تُقال بثمن هي امتداد لصرخة استفانوس.
في الختام
حين نقرأ قصة استفانوس كمأساة فقط، نخرج منها حزانى ومعجبين. وحين نقرأها كما كتبها لوقا، نخرج منها مدركين أن الله يعمل في الاتجاه المعاكس لحساباتنا: كنيسة مرتاحة في أورشليم احتاجت إلى دمٍ ليدفعها خارج أسوارها، وشابٌّ متعصب احتاج إلى صلاة رجلٍ يموت ليصير رسولًا للأمم، وخادم موائد صار أول الشهداء لأنه كان مملوءًا من الروح القدس قبل أن يُمتحن.
خذ من هذه الصفحة سؤالًا واحدًا إلى صلاتك: أين تطلب أنت خلاصًا من ظرفٍ لعل الله يريد أن يستخدمه ليفتح به بابًا لا تراه بعد؟ وإن أردت أن تكمل الطريق، اقرأ أعمال 6 و7 و8 في جلسة واحدة ومعها لوقا 23، ولاحظ كم مرة تتشابه كلمات التلميذ مع كلمات سيده. ثم اقرأ أعمال 11:19 إلى آخر الفصل، وقل لنفسك إن الإنجيل الذي بلغك ربما مرّ، في مكانٍ ما من سلسلته الطويلة، عبر تلك الحجارة.
