1 كورنثوس 1
النص
يكتب بولس، ومعه سوستانيس، إلى جماعة في كورنثوس يسميها "كنيسة الله" و"المدعوين قديسين"، ويشكر الله على غنى نعمته فيهم: كلمة وعلم ومواهب لا ينقصهم منها شيء، وهم ينتظرون استعلان الرب. ثم ينكسر الشكر فجأة إلى توسّل: قد بلغه أن بينهم خصومات، وأن كل واحد يرفع اسمًا: "أنا لبولس"، "أنا لأبلّوس"، "أنا لصفا"، "أنا للمسيح". فيسأل السؤال الذي يقطع النقاش من جذره: "هل انقسم المسيح؟"، ومن هناك يمضي إلى كلمة الصليب، جهالةً عند الهالكين وقوة الله عند المخلَّصين، وإلى اختيار الله للضعفاء والمزدرَى وغير الموجود، لكي لا يفتخر أحد أمامه.
الجوهر
لاحظ التسلسل قبل أن تلاحظ التعليم: بولس يشكر قبل أن يوبّخ، ويدعوهم "مقدَّسين" قبل أن يذكر خصوماتهم. هذا ليس مجاملة دبلوماسية، بل لاهوت. قداستهم ليست إنجازهم بل موقعهم: "في المسيح يسوع". ثم يأتي القلب: الله يخلّص بطريقة تُهين كل مقاييس الإنسان. لا بحكمة كلام، بل بمصلوب. والعبارة الأشد في الأصحاح كله تكاد تكون تجديفًا لو لم يكتبها رسول: "جهالة الله أحكم من الناس! وضعف الله أقوى من الناس!" الله لا يملك جهالة ولا ضعفًا؛ بولس يقصد أن ما يبدو لنا هكذا، حين يفعله الله، يفوق أفضل ما عندنا. ولهذا فإن الانقسام حول المعلمين ليس خطأ تنظيميًا، بل ارتداد إلى المقاييس التي ألغاها الصليب.
الخيط الجامع
الآية التاسعة عشرة ليست استشهادًا عابرًا: "سأبيد حكمة الحكماء، وأرفض فهم الفهماء" مأخوذة من إشعياء، حيث يوبّخ الله شعبًا يدبّر خلاصه بتحالفات سياسية ذكية بدل أن يتّكل عليه. القصة إذن قديمة. الله يختار الابن الأصغر، والشعب الأقل من كل الشعوب، والعقيمة، والراعي، وكلها إعدادات لاختيار أخير: رجل معلَّق على خشبة خارج المدينة. الصليب ليس انقطاعًا عن طريقة الله في العهد القديم بل ذروتها. وحين يقول بولس إن المسيح "صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء"، فهو يجمع كل ما كان الشعب يطلبه من الشريعة والهيكل والذبيحة، ويضعه في شخص واحد. لا في نظام، بل في شخص.
المرآة
اسأل نفسك بهدوء: أين تضع ثقلك حين تريد أن تُحسَب شيئًا؟ الشهادة، الوظيفة، حجم مجموعتك، اسم الواعظ الذي تتبعه، القدرة على الكلام في النقاش الديني؟ كورنثوس لم تكن تعبد الأصنام في هذه اللحظة، بل كانت تعبد التميّز. والمقلق أن "أنا للمسيح" كانت أيضًا شعار حزب؛ حتى اسم المسيح يمكن أن يصير راية لتفوّقي على إخوتي. الصليب لا يعالج هذا بأن يمنحك تواضعًا شعوريًا، بل بأن ينزع عنك أساس الافتخار كله: "لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه". هذا يلمس اجتماع العمل، وطاولة العائلة، ومجموعة الواتساب حيث تكسب النقاط.
اليوم، قبل أن ينتهي النهار: اكتب على ورقة اسم الشخص في كنيستك أو عائلتك الذي تعتبر نفسك سرًّا أنضج منه، وصلِّ باسمه جملة واحدة: "هذا أخي المدعو قديسًا في المسيح"، ثم مزّق الورقة.
أصداء الكتاب
صلاة يسوع في يوحنا 17، "ليكون الجميع واحدًا"، تقف خلف توسّل بولس هنا كظلّ طويل؛ الانقسام ليس مخالفة لقاعدة كنسية بل جرح في الشيء الذي طلبه الابن من الآب قبل موته. والخيط الثاني هو إرميا، الذي منه يقتبس بولس الختام: "من افتخر فليفتخر بالرب". عند إرميا كان النداء موجَّهًا إلى ثلاثة: الحكيم بحكمته، والقوي بقوته، والغني بغناه، وهي بالضبط الفئات الثلاث التي ينفيها بولس في العدد السادس والعشرين: ليس كثيرون حكماء، ولا أقوياء، ولا شرفاء. بولس لا يقتبس آية، بل يعيد استعمال خريطة كاملة للكبرياء البشري ويضع الصليب في مركزها.
الشخصية المحورية
الفاعل الحقيقي في هذا الأصحاح ليس بولس بل الله، والفعل الذي يتكرر هو "اختار". ثلاث مرات في ثلاث آيات: اختار جهّال العالم، اختار ضعفاء العالم، اختار أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود. هناك شيء يكاد يكون استفزازيًا في هذا الإصرار. الله لا يبحث عن مواد خام جيدة؛ يبدو أنه يتعمّد اختيار ما لا يُحسب، لأن الحساب نفسه هو المشكلة. وهو أمين: "أمين هو الله الذي به دعيتم إلى شركة ابنه". أمانته هي السبب الوحيد لثقة بولس بأن هذه الجماعة المشاكسة ستُثبَّت "بلا لوم في يوم ربنا". لا شيء في كورنثوس يبرر هذا التفاؤل. الأمانة كلها من الجهة الأخرى.
السؤال
لكن ماذا نفعل بالجملة الثامنة عشرة: "الهالكين" و"المخلَّصين"؟ بولس يقسم البشرية إلى فئتين حسب ردّ فعلهم أمام كلمة الصليب، ولا يخفّف. هذا يزعجنا، وينبغي أن يزعجنا، لأن لنا أحبّاء تبدو لهم هذه الكلمة جهالة فعلًا. والنص لا يعطينا مفتاحًا لنعرف مَن في أي فئة، ولا يمنحنا موقع القاضي؛ بالعكس، يسحبه منا، لأن المخلَّصين هم أنفسهم "غير الموجود" الذي اختاره الله بلا استحقاق. يبقى أن الصليب ليس مجرد فكرة جميلة يمكن الاختلاف حولها بأدب؛ إنه يقسم. أظن أن الجواب الوحيد الذي يسمح به النص هو الصمت والصلاة، لا التصنيف. ومن كان يومًا جهالةً ثم صار مدعوًّا، يعرف أن الحدود التي نرسمها ليست نهائية بقدر ما هي أمانة الله.
أسئلة للتأمل
ما هو الاسم أو الانتماء أو الإنجاز الذي، لو نُزع عني غدًا، لشعرت أنني صرت "غير موجود"؟ وماذا يقول العدد الثامن والعشرون عن ذلك الخوف؟
متى كانت آخر مرة بدا لي الصليب جهالة فعلًا، لا رمزًا مألوفًا؟ وهل أجرؤ أن أقول ذلك لله بصراحة؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول 1 Corinthians 1
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى 1 كورنثوس 1؟
عمّ يتحدث 1 كورنثوس 1؟
ما هو السياق التاريخي لـ 1 كورنثوس 1؟
ماذا يعلّمنا 1 كورنثوس 1 عن صفات الله؟
كيف لا يزال 1 كورنثوس 1 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول 1 Corinthians 1
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
أنكم في كل شيء استغنيتم فيه في كل كلمة وكل علم". يكتب بولس هذا لكنيسة ممزقة بالانقسامات والغيرة. يشكر الله على غناها قبل أن يوبخها على ضعفها. لاحظ: الكلام والعلم عطية، لا إنجاز تفتخر به. قد تعرف الكثير وتحسن الشرح، والسؤال يبقى: هل صار هذا الغنى محبة في يديك، أم مجرد زينة على لسانك؟
أين الحكيم. أين الكاتب. أين مباحث هذا الدهر." ثلاثة أسئلة، ولا جواب. كأن بولس يقف في ساحة المدينة ينادي على العظماء فلا يخرج أحد. كل الذين ظننا أنهم يملكون الجواب صمتوا أمام خبر رجل مصلوب. وأنت، هل تتعب نفسك لتفهم كل شيء قبل أن تثق؟ ربما الحكمة التي تبحث عنها تنتظرك عند الصليب، لا في رأسك.
أشكرك يا رب لأنك "اخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ"، فلم تنتظر أن أصير قويًا أو حكيمًا لتقترب مني. شكرًا لأنك رأيت ضعفي ولم تعبره، بل جعلت منه مكانًا تُظهر فيه قوتك. شكرًا لأن قيمتي عندك ليست في ما أملك، بل في أنك اخترتني.
ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا لليهود عثرة ولليونانيين جهالة". بولس يعرف تماما أن رسالته ستُرفض، ومع ذلك لم يغيّر فيها كلمة واحدة ليجعلها مقبولة. الصليب يبقى مزعجا: لا يمدح قوّتنا ولا ذكاءنا، بل يكشف حاجتنا. هل تخجل أنت أيضا من هذه الرسالة أمام من يرونها ضعفا؟ في تلك النقطة بالذات تختبئ قوة الله.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
