شرح الكتاب المقدس

1 كورنثوس 13

هذا الفصل متاح بفضل JL Group

النص

يضع بولس أمام الكورنثيين معادلة قاسية: ألسنة الناس والملائكة، نبوّة تكشف كل الأسرار، إيمان ينقل الجبال، مال يُنفق كله، جسد يُسلَّم للاحتراق، كل ذلك يساوي صفرًا بلا محبة، بل يصير ضجيجًا: «فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ». ثم يرسم ملامح هذه المحبة بأفعال لا بصفات: تتأنى، ترفق، لا تحسد، لا تنتفخ، لا تطلب ما لنفسها. وأخيرًا يقيس العطايا بمقياس الزمن: النبوّات والألسنة والعلم كلها ستُبطَل حين يجيء الكامل، أمّا المحبة فـ«لَا تَسْقُطُ أَبَدًا»، لأننا الآن ننظر «فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ»، وهناك وجهًا لوجه.

الجوهر

كورنثوس كانت مدينة النحاس الشهير، ومواكبها الدينية تمشي على وقع الصنوج والطبول. فحين يقول بولس إن المتكلم بلا محبة صار «نُحَاسًا يَطِنُّ»، فهو يضع الكنيسة المزدهرة روحيًا في صفّ موكب وثني صاخب: حركة، رنين، لا شيء. هنا الجوهر اللاهوتي: الله لا يقيس شعبه بقدرته على الإثارة بل بقدرته على الاحتمال. العطايا كلها أدوات مؤقتة لزمن النقص، «لِأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ ٱلْعِلْمِ»، أمّا المحبة فليست أداة بل هي طبيعة الملكوت نفسه، الشيء الوحيد الذي لا يحتاج أن يُستبدل عند مجيء الكامل. لهذا هي «أَعْظَمُهُنَّ»: ليست أعلى فضيلة في سلّم أخلاقي، بل أوّل ثمرة من الحياة الآتية تُذاق الآن، وبها وحدها يصير الإنسان شيئًا لا «لَسْتُ شَيْئًا».

الخيط الناظم

الأفعال التي يستخدمها بولس ليست اختراعًا أخلاقيًا جديدًا؛ إنها سيرة ذاتية مختصرة لله مع شعبه. حين أعلن الرب عن اسمه لموسى على الجبل، كان أول ما قاله عن نفسه إنه طويل الأناة، كثير الرحمة. وبولس يبدأ القائمة من هناك بالضبط: «ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ». ثم يتابع بما يقرأه كل من عرف قصة الصليب: «وَلَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا». هذه هي بالحرف حركة المسيح في ترنيمة فيلبي، الذي لم يحسب المساواة مع الله غنيمة. فالأصحاح ليس قصيدة رومانسية عالقة بين فصلين عن المواهب، بل هو وصف لوجه يسوع المسيح يُوضع أمام جماعة متنافسة كمرآة. والعهد كله يسير في هذا الاتجاه: الله الذي احتمل شعبًا عنيدًا قرونًا، يصنع في المسيح شعبًا يعرف أن يحتمل.

المرآة

النصّ يفضح نوعًا محترمًا جدًا من الفراغ. أنت تعرف الكتاب، تقود مجموعة، تجهّز درسًا، تعطي من مالك، وربما تحتمل أشياء ثقيلة في عملك أو بيتك. وبولس يقول إن كل هذا يمكن أن يكون صنجًا يرنّ. الامتحان ليس في حجم الخدمة بل في تفاصيلها الصغيرة: نبرة صوتك مع زوجتك بعد اجتماع ناجح، الحسد الذي يلسعك حين يُمدح زميل، الملف الذي تحتفظ به في ذهنك عن أخطاء شخص ما. «لَا تَظُنُّ ٱلسُّؤَ» تضرب هنا بالذات: نحن نسمّي سوء الظن فطنة، وبولس يسمّيه نقيض المحبة.

اليوم، قبل أن تنام: اكتب على ورقة اسم شخص بنيتَ عنه في داخلك رواية سوداء هذا الأسبوع، وقل بصوت مسموع أكرم تفسير ممكن لتصرّفه، ثم صلِّ له بجملة واحدة.

السؤال

«وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ». هذه الكلمات أُسيء استعمالها كثيرًا، وقيلت لأناس في علاقات مؤذية ليبقوا صامتين. فهل المحبة سذاجة مقدّسة؟ لا يمكننا تهريب الصعوبة: بولس يكتب لجماعة، لا لضحية أمام معتدٍ، ويضع حدًا في الجملة السابقة مباشرة، «وَلَا تَفْرَحُ بِٱلْإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِٱلْحَقِّ». المحبة التي تغطي الإثم بالصمت تفرح به عمليًا. لكن حتى بعد هذا التحفظ يبقى في النص شيء خشن: الاحتمال هنا كلمة تعني حمل سقف يسرّب الماء، أي أن تبتلّ. بولس لا يعد بأن المحبة آمنة. يعد فقط بأنها «لَا تَسْقُطُ أَبَدًا»، وهذا وعد عن النهاية، لا عن الطريق.

الملامح

تخيّل غرفة طعام في بيت أحد الأثرياء في كورنثوس، ثلاثون أو أربعون شخصًا، بعضهم عبيد جاؤوا متأخرين بعد العمل، وبعضهم تجار ومعتقون صعدوا سلّم المدينة بسرعة. كورنثوس مستعمرة رومانية أُعيد بناؤها من الصفر، مدينة بلا أرستقراطية قديمة، يصنع فيها الإنسان اسمه بالعرض والإنجاز: تمثال في الساحة، فوز في ألعاب البرزخ، خطابة تُصفَّق لها الجموع. ثم دخلت المواهب الروحية إلى هذه الثقافة فصارت عملة شرف جديدة. من يتكلم بألسنة أكثر؟ من يعرف الأسرار؟ في تلك الغرفة، حين تُقرأ الرسالة بصوت عالٍ، يسمع العبد الجالس عند الباب أن المقياس الذي يُقاس به هو ذاته الذي يُقاس به مضيفه الغني. هذا كان انقلابًا اجتماعيًا، لا مجرد تعليم.

التفصيل

«فَإِنَّنَا نَنْظُرُ ٱلْآنَ فِي مِرْآةٍ». كورنثوس كانت تفتخر بمرايا البرونز المصقول، صناعة محلية يُقال إنها الأجود. فالصورة ليست عن ضبابية رديئة، بل عن أفضل ما يملكه السامعون. حتى أثمن مرآة في المدينة تعطيك شبح وجه، لونًا معدنيًا، خيالًا. وبولس يقول: معرفتكم كلها، حتى أعلى درجاتها، من هذا النوع. وأضاف كلمة أثقل: «فِي لُغْزٍ»، أي في أحجية. ثم يقلب الصورة: «لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ». والأدهش ليس أنني سأرى، بل عبارة «سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ». مصدر الثقة ليس وضوح نظري، بل أنني معروف بالكامل الآن، وأنا بعد في زمن المرآة.

للتأمل

أيّ موهبة أو إنجاز في حياتك الروحية تخاف سرًّا أن يكون «نُحَاسًا يَطِنُّ» إن نُزعت عنه المحبة؟

ما الذي يتغيّر في تعاملك مع شخص صعب هذا الأسبوع إن صدّقتَ فعلًا أنك أنت «عُرِفْتُ» بالكامل ومع ذلك محبوب؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول 1 Corinthians 13

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى 1 كورنثوس 13؟
يضع بولس أمام الكورنثيين معادلة قاسية: ألسنة الناس والملائكة، نبوّة تكشف كل الأسرار، إيمان ينقل الجبال، مال يُنفق كله، جسد يُسلَّم للاحتراق، كل ذلك يساوي صفرًا بلا محبة، بل يصير ضجيجًا: «فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ». ثم يرسم ملامح هذه المحبة بأفعال لا بصفات: تتأنى، ترفق، لا تحسد، لا تنتفخ، لا تطلب ما لنفسها.
عمّ يتحدث 1 كورنثوس 13؟
الأفعال التي يستخدمها بولس ليست اختراعًا أخلاقيًا جديدًا؛ إنها سيرة ذاتية مختصرة لله مع شعبه. حين أعلن الرب عن اسمه لموسى على الجبل، كان أول ما قاله عن نفسه إنه طويل الأناة، كثير الرحمة. وبولس يبدأ القائمة من هناك بالضبط: «ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ». ثم يتابع بما يقرأه كل من عرف قصة الصليب: «وَلَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا».
ما هو السياق التاريخي لـ 1 كورنثوس 13؟
اليوم، قبل أن تنام: اكتب على ورقة اسم شخص بنيتَ عنه في داخلك رواية سوداء هذا الأسبوع، وقل بصوت مسموع أكرم تفسير ممكن لتصرّفه، ثم صلِّ له بجملة واحدة.
ماذا يعلّمنا 1 كورنثوس 13 عن صفات الله؟
تخيّل غرفة طعام في بيت أحد الأثرياء في كورنثوس، ثلاثون أو أربعون شخصًا، بعضهم عبيد جاؤوا متأخرين بعد العمل، وبعضهم تجار ومعتقون صعدوا سلّم المدينة بسرعة. كورنثوس مستعمرة رومانية أُعيد بناؤها من الصفر، مدينة بلا أرستقراطية قديمة، يصنع فيها الإنسان اسمه بالعرض والإنجاز: تمثال في الساحة، فوز في ألعاب البرزخ، خطابة تُصفَّق لها الجموع.
كيف لا يزال 1 كورنثوس 13 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
أيّ موهبة أو إنجاز في حياتك الروحية تخاف سرًّا أن يكون «نُحَاسًا يَطِنُّ» إن نُزعت عنه المحبة؟
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول 1 Corinthians 13

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

تأمّل تحريري في آية 9

لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ." بولس يكتب هذا وهو الرسول العظيم، لا الجاهل. حتى هو يعترف أن معرفته ناقصة. فلماذا تصرّ أنت أن تفهم كل شيء قبل أن تثق؟ الجزء الذي تعرفه كافٍ لتمشي اليوم، والباقي محفوظ عند من يعرفك تمامًا. ربما تعبك ليس من قلة النور، بل من رفضك أن تسير بنور جزئي.

تأمّل تحريري في آية 4

المحبة تتأنى وترفق". لاحظ أن بولس لم يقل إن المحبة شعور جميل، بل جعلها أفعالاً. وأول فعل هو الانتظار: أن تحتمل بطء الآخر في التغيير. وكان يكتب هذا لكنيسة تتنافس على المواهب، تحسد وتنتفخ. اسأل نفسك اليوم: مع من أنا متأنٍّ في الظاهر، وقلبي في الداخل يستعجل سقوطه؟

شكر تحريري في آية 11

أشكرك يا رب لأنك لم تتركني كما كنت. حين كنت "كطفل أتكلم وكطفل أفطن وكطفل أفتكر"، احتملتني بصبر وعلّمتني. أشكرك على كل خطوة نضج صنعتها فيّ، وعلى الأمور الصبيانية التي أعنتني أن أبطلها، وعلى نعمتك التي ما زالت تنميني كل يوم.

تأمّل تحريري في آية 12

فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجها لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت."

انتبه إلى الفرق: معرفتي ناقصة، أما معرفته بي فكاملة منذ الآن. أنت لست منتظرًا أن يفهمك الله يومًا ما، هو يعرفك تمامًا اليوم، بكل ما تخفيه. الناقص هو رؤيتك أنت. فلا تبنِ حكمك على نفسك أو على طرقه من صورة ضبابية في مرآة.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

شركة؟