كولوسي 3:13
النص
بولس يضع في هذه الآية أمرين متلازمين: أن يحتمل بعضنا بعضًا، وأن يسامح بعضنا بعضًا. ثم يعترف صراحةً بأن الشكوى قد تكون حقيقية: "إِنْ كَانَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى". وينهي الجملة بمعيار لا يقبل المساومة: "كَمَا غَفَرَ لَكُمُ ٱلْمَسِيحُ هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا".
الجوهر
انتبه إلى أن بولس لا يقول: سامحوا لأن المسامحة تريح القلب، ولا لأن المرارة تسمّم صاحبها. هذه أمور صحيحة نفسيًا لكنها ليست حجّته. حجّته أن المغفرة ليست فضيلة نبتدعها بل بضاعة استلمناها. الفعل اليوناني هنا هو خاريزوماي، من الجذر نفسه الذي منه "نعمة"، ومعناه الحرفي: أن تُعطي مجانًا، أن تهب بلا استحقاق. فالمغفرة في هذا النص ليست إسقاطًا لدين بقدر ما هي عطيّة تُمنح. وهذا يقلب المعادلة: المسيحي لا يغفر لأنه إنسان عظيم النفس، بل لأنه مدين تحرّر. أنت لا تنتج المغفرة من داخلك؛ أنت تمرّر ما استُقبل فيك. ولذلك المسامحة عند بولس ليست إنجازًا أخلاقيًا يُتباهى به، بل دليل على أن النعمة وصلت فعلًا إلى العمق.
الخيط الجامع
كلمة "كَمَا" هنا هي مفصل الآية كلها. ليست تشبيهًا زخرفيًا بل تحديدًا للمصدر والمقياس معًا. قبل أصحاحين كتب بولس عن المسيح الذي محا الصكّ الذي علينا ومسمّره بالصليب؛ هنا يجني ثمرة ذلك في العلاقات اليومية. الخيط ممتدّ من عمق العهد القديم: الله الذي يعلن اسمه لموسى كغفور طويل الأناة، والذي يُبنى كل نظام الذبائح على فكرة أن الخطية لا تُمحى بالتغاضي بل بالدم. لذلك المغفرة المسيحية ليست تجاهلًا للظلم؛ إنها اعتراف بأن الثمن دُفع في مكان آخر. الصليب هو الموضع الذي أخذ فيه الله الشكوى على محمل الجدّ التام، ثم حملها بنفسه. وحين نغفر نحن، نحن نعيش داخل ذلك الحدث لا خارجه.
المرآة
الشكوى التي تحملها الآن لها اسم ووجه. الزميل الذي نسب إليه نفسه مشروعك أمام المدير. الأخ الذي تصرّف في ميراث الوالد بطريقة أكلت حقّك وأكلت معه سنوات العلاقة. الكلمة التي قالها زوجك قبل سبع سنوات وما زلت تستطيع إعادة نطقها بنبرتها. أخطر ما في هذه الآية أنها لا تمنحك مخرجًا عبر إنكار الظلم؛ بولس يقول "إِنْ كَانَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى" ويترك الشكوى قائمة. الكبرياء يحب المظلومية لأنها تمنحنا موقعًا أخلاقيًا مريحًا فوق الآخر، ومن هذا الموقع لا نريد النزول. لكن المغفرة تعني بالضبط التنازل عن هذا الموقع: أن تكفّ عن استعمال خطية أخيك كرأس مال. وهذا لا يتم بقرار واحد؛ لاحظ أن بولس يستعمل صيغة الاستمرار: محتملين، مسامحين، فعلٌ متكرر لا حدث منجَز.
الملامح
الذين سمعوا هذه الرسالة أولًا كانوا جماعة صغيرة في مدينة صغيرة في وادي ليكوس، تجتمع في بيت. تصوّر: عبد وسيّده يجلسان في الغرفة نفسها، ويهودي متمسّك بالختان بجانب يوناني كان يُعتبر نجسًا، و"بربري" لهجته مادة للسخرية. بولس كان قد قال لتوّه إنه هنا "لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ… عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ ٱلْمَسِيحُ ٱلْكُلُّ وَفِي ٱلْكُلِّ". في مجتمع الشرف والعار الذي عاشوا فيه، كان التسامح مع من أهانك يُقرأ ضعفًا مهينًا، والانتقام المتناسب فضيلة رجولية. فحين يطلب بولس منهم أن يغفروا، هو يطلب منهم أن يخسروا شرفهم الاجتماعي طوعًا. لم يكن هذا كلامًا لطيفًا؛ كان طلبًا يكلّف مكانة.
التفصيلة
كلمة "شَكْوَى" تستحق وقفة. اليونانية تستعمل هنا كلمة نادرة تعني الشكوى المشروعة، اللوم الذي له أساس. بولس لا يقول: إن ظننت أن لك شكوى، ولا: إن أساء أحد فهمك. هو يفترض أن الضرر واقعي وأن حقّك في الاعتراض قائم. وهنا تكمن حدّة الآية: المغفرة المسيحية لا تعمل بإنكار الجرح بل باعتباره كاملًا ثم التنازل عنه. الذي يقول "لا بأس، لم يحدث شيء" لم يغفر بعد؛ هو تجنّب المواجهة فقط. المغفرة الحقيقية تقول: حدث شيء، وكان مؤلمًا، وأنا أختار ألا أطالب بالثمن. هذا بالضبط ما فعله المسيح: لم يقلّل من شأن خطايانا، بل حملها.
السؤال
ولكن: هل يعني هذا أن المسامحة تُلغي العدل؟ ماذا عن المرأة التي ضُربت، عن الطفل الذي استُغل؟ النص نفسه لا يترك المسألة معلّقة تمامًا: بولس يختم الأصحاح بأن "ٱلظَّالِمُ فَسَينَالُ مَا ظَلَمَ بِهِ، وَلَيْسَ مُحَابَاةٌ". أي أن الغفران ليس إعلانًا بأن الظلم لا يهم، بل تسليمًا للقضية إلى قاضٍ أعدل منّي. أن أغفر لا يعني أن أعيد الثقة تلقائيًا، ولا أن أضع نفسي مرة أخرى تحت يد مؤذية، ولا أن أعطّل العدالة البشرية. لكنني أعترف بأنني لست أنا الذي يجب أن يُنصف نفسه. ويبقى شيء غير محلول هنا: أحيانًا تغفر ثم يعود الجرح في الليل ويطالبك من جديد. لا يعدنا بولس بأن هذا سينتهي سريعًا. يعدنا فقط بأن مغفرة المسيح سبقتنا، وأننا نسير خلفها لا أمامها.
للتأمل
ما الشكوى التي تحتفظ بها لأنها تمنحك موقعًا أعلى من شخص معيّن، وماذا تخسر لو نزلت عنه؟
أين في حياتك تفصل بين "التغاضي" و"الغفران"، وهل ما تسمّيه مسامحة هو في الحقيقة تجنّب للمواجهة؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Colossians 3:13
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى كولوسي 3:13؟
عمّ يتحدث كولوسي 3:13؟
ما هو السياق التاريخي لـ كولوسي 3:13؟
ماذا يعلّمنا كولوسي 3:13 عن صفات الله؟
كيف لا يزال كولوسي 3:13 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Colossians 3
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
أشكرك لأنك في المسيح هدمت الحواجز بيني وبين إخوتي، فلا فرق بين جنس وجنس ولا بين عبد وحر، بل "المسيح الكل وفي الكل". شكرًا لأن هويتي صارت فيك، ولأنني أجد في كنيستك عائلة تتسع لكل من غسلهم دمك.
بولس يصف الفضائل كثياب نلبسها: رأفة، لطف، تواضع، وداعة، طول أناة. لكنه يضيف قطعة أخيرة: "وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ". المحبة ليست ثوباً آخر، بل الحزام الذي يمسك الكل معاً. بدونها يتفكك لطفك ويصير أداءً. اسأل نفسك اليوم: هل أنا لطيف مع أخي، أم أحبه فعلاً؟
أشكرك يا رب لأنك أعطيتني والدين أطيعهما، وجعلت طاعتي لهما "مرضية في الرب". أشكرك على كل يد ربّتني، وعلى صوت نصحني، وعلى أنك تفرح بأمر بسيط كإكرام أبي وأمي في البيت كل يوم.
ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه". لاحظ الفعل: يتجدد، لا تجدد مرة واحدة وانتهى. اللبس صار لك، لكن الخياطة مستمرة كل يوم على قياس صورة المسيح. لهذا لا تيأس حين تكتشف فيك اليوم ما لم تره أمس. الله لم يفاجأ، هو يعمل. سؤالي لك: هل تسمح له أن يكمل، أم تخلع الثوب كلما اتسخ طرفه؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة