مراثي إرميا 5
النص
فصل يفتح بصراخ: "اُذْكُرْ يَارَبُّ مَاذَا صَارَ لَنَا. أَشْرِفْ وَٱنْظُرْ إِلَى عَارِنَا"، ثم يسرد جردة حساب لأمة فقدت كل شيء: الميراث للغرباء، الماء والحطب بثمن، الشيوخ بلا كرامة، الفتيات مُذلَّات، والفرح صار نوحًا. وفي الآية التاسعة عشرة ينقلب الاتجاه فجأة نحو عرش الله الأبدي، لكن القصيدة لا تنتهي بتسبيح بل بسؤالٍ مفتوح: "هَلْ كُلَّ ٱلرَّفْضِ رَفَضْتَنَا؟"
الجوهر
هذا الفصل يُعلِّم عن الله شيئًا لا نحبّ أن نتعلّمه: أنّ عهده جدّي إلى درجة أنّ خرقه يُدمي. الشعب لا يقول إنّ ما حدث ظلم، بل يقول: "وَيْلٌ لَنَا لِأَنَّنَا قَدْ أَخْطَأْنَا". هنا ينضج الإيمان: الاعتراف بأنّ الخراب ليس فوضى عشوائية بل قضاء عادل من ملك حقيقي. لكنّ الجوهر الأعمق يأتي في الآية 21: "اُرْدُدْنَا يَارَبُّ إِلَيْكَ فَنَرْتَدَّ". الفعل العبري هنا "شوب" أي "يرجع"، ويُستخدم مرتين: رُدّنا أنت أولًا، فنحن حينئذٍ نرجع. أي أنّ التوبة نفسها ليست إنجازًا بشريًّا بل عطية. النعمة ليست مكافأة على الرجوع، بل هي القوة التي تُحدث الرجوع. هذا هو الإنجيل في فمِ رجلٍ يجلس على أنقاض.
الخيط الناظم
مراثي إرميا 5 يقف في نقطة يبدو فيها وعد الله لداود قد مات. سقط الإكليل، والهيكل خرِب، والثعالب تمشي على جبل صهيون. ومع ذلك تُعلن الآية 19: "أَنْتَ يَارَبُّ إِلَى ٱلْأَبَدِ تَجْلِسُ. كُرْسِيُّكَ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ". العرش البشري انهار، لكن العرش الحقيقي لم يتزعزع. هذا هو الخيط الذي يمتدّ إلى المسيح: ملكوت الله لا يُبنى على متانة أورشليم بل على أمانة الله. ثم لاحظ الآية السابعة: "آبَاؤُنَا أَخْطَأُوا… وَنَحْنُ نَحْمِلُ آثَامَهُمْ". إنّها شكوى مُرّة عن حمل ذنب الآخرين. وفي الصليب يفعل ابن الله طوعًا ما كان هؤلاء يفعلونه قهرًا: يحمل إثمًا ليس إثمه. الشكوى تصير، عند المسيح، خبرًا سارًّا.
المرآة
هذا الفصل يفضح رغبتنا في أن نُنهي كل صلاة بابتسامة. نحن نخاف من الصلوات التي لا تُغلق. لكن الروح القدس حفظ لنا كتابًا ينتهي بسؤال بلا جواب، لأنّ هناك أوقاتًا يكون فيها الإيمان الحقيقي هو أن تبقى واقفًا أمام الله بسؤالك بدل أن تهرب. ربما أنت في ذلك الموضع: تشخيص طبي، زواج بارد، ابن ترك الإيمان، عمل يستهلكك بلا راحة ("نَتْعَبُ وَلَا رَاحَةَ لَنَا")، أو دَين يجعل حتى الماء والحطب حسابًا. الفصل لا يقول لك: تماسك. يقول لك: اطلب أن يُردّك الله، لأنّك لا تقدر أن تردّ نفسك. اليوم، قل الآية 21 بصوتٍ مسموع مرّة عن نفسك ومرّة باسم شخصٍ تعرفه ابتعد عن الله: "اُرْدُدْنَا يَارَبُّ إِلَيْكَ فَنَرْتَدَّ".
الشخصية المحورية
المتكلّم هنا ليس فردًا بل جماعة: "نحن" تتردّد في كل سطر. وهذا لافت، لأنّ الفصول السابقة مليئة بصوتٍ مفرد يبكي. أمّا الآن فقد وجد الشعب المكسور صوتًا واحدًا. لكن الشخصية الحاضرة فعلًا هي الله، وحضوره مزدوج بشكل مؤلم: هو الذي يجلس على كرسيّه إلى الأبد، وهو الذي يبدو ناسيًا: "لِمَاذَا تَنْسَانَا إِلَى ٱلْأَبَدِ؟" الشعب لا يحلّ هذا التناقض، ولا يسمح لنفسه بأن يُلغي أحد طرفيه. هذه هي القداسة كما تُختبر من الأسفل: الله ليس أليفًا ولا مُروَّضًا، لا يمكن استخدامه، ولا يمكن الاستغناء عنه. ومع ذلك يُخاطبونه بضمير المخاطب. من يقول "أنت" لله، لم يفقده بعد.
النصوص الموازية
في إرميا 31 يضع الله في فم أفرايم الصلاة ذاتها تقريبًا: رُدّني فأرتدّ. الفارق أنّ هناك يُجيب الله بعهدٍ جديد يكتبه في القلوب. مراثي 5 هي الصلاة قبل الجواب؛ إرميا 31 هو الجواب قبل أن يُرى. أمّا صراخ الآية 20 عن النسيان فيتردّد في مزامير كثيرة، وأشدّها المزمور 22 الذي يبدأ بسؤال المتروك، والذي أخذه يسوع على شفتيه على الصليب. حين تسمع "لِمَاذَا تَنْسَانَا"، تسمع تمرينًا على كلمةٍ سيقولها المسيح نفسه. الفارق أنّه قالها بريئًا، وأنّ سؤاله المفتوح أُجيب بقبرٍ فارغ. لذلك يستطيع المؤمن اليوم أن يصلّي مراثي 5 كاملًا، ويعرف أنّ الصمت ليس النهاية.
السياق
نحن في أورشليم بعد سنة 586 قبل المسيح. المدينة سقطت، الهيكل حُرِق، النخبة سِيقت إلى بابل، وبقي في الأرض فقراء وناجون تحت إدارة أجنبية. الآية الثانية ليست شعرًا مجرّدًا: "قَدْ صَارَ مِيرَاثُنَا لِلْغُرَبَاءِ" تعني أنّ أرض العهد، الممنوحة بوعد، صارت ملكًا لمن يدفع. والآية الرابعة تصف ذلّ الدفع مقابل ماءٍ كان مباحًا. انهيار البنية الاجتماعية كامل: الشيوخ الذين كانوا يقضون في باب المدينة كفّوا عن الباب، والشبّان الذين كانوا يغنّون سُخِّروا للطحن، عمل النساء والأسرى. وربما كان هذا الفصل يُتلى في مناسبات حزن عند أنقاض الهيكل، صلاةً جماعية لشعبٍ يرفض أن يصمت.
أسئلة للتأمل
أين في حياتك تحتاج أن تصلّي "ارددنا" بدل أن تحاول أن ترجع بقوّتك، وما الذي يمنعك من الاعتراف بذلك؟
هل تسمح لصلواتك أن تنتهي بسؤالٍ مفتوح، أم تشعر بواجب إغلاقها بجواب لا تملكه بعد؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول Lamentations 5
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى مراثي إرميا 5؟
عمّ يتحدث مراثي إرميا 5؟
ما هو السياق التاريخي لـ مراثي إرميا 5؟
ماذا يعلّمنا مراثي إرميا 5 عن صفات الله؟
كيف لا يزال مراثي إرميا 5 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Lamentations 5
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
قد صار ميراثنا للغرباء وبيوتنا للأجانب." لاحظ أنهم ما زالوا يقولون "ميراثنا" و"بيوتنا"، حتى وهي في يد غيرهم. الفقدان لم يمحُ الانتماء من قلوبهم. وأنت، إن أُخذ منك ما تعبت فيه، مكان أو علاقة أو حلم، لا تصمت. هذه الآية ليست شكوى في الفراغ، بل صلاة مرفوعة لمن يعرف ما كان لك، ولم ينسَ عهده معك.
سَقَطَ إِكْلِيلُ رَأْسِنَا. وَيْلٌ لَنَا لأَنَّنَا قَدْ أَخْطَأْنَا."
لم يقولوا: سقط الإكليل لأن العدو كان أقوى منا. نظروا إلى الداخل. أصعب ما في السقوط ليس فقدان الكرامة، بل أن تعرف أن يدك شاركت في إسقاطها.
ومع ذلك، هذا الاعتراف ليس نهاية. من يقول "أخطأنا" لا يزال يتكلم مع الله، وهناك يبدأ الرجاء.
الشُّيُوخُ قَدِ انْقَطَعُوا عَنِ الْبَابِ، وَالشُّبَّانُ عَنْ غِنَائِهِمْ." بابُ المدينة كان مكان الحكمة والقضاء، والغناء كان صوتَ الحياة. حين سقطت أورشليم صمت الاثنان معًا: الحكمة والفرح. انظر إلى بيتك اليوم، هل ما زال فيه من يجلس ليُرشد، ومن يرفع صوته بالتسبيح؟ حين يغيب أحدهما، يوشك الآخر أن يغيب.
يا رب، أرفع إليك صراخ كل امرأة جُرحت كرامتها، وكل فتاة سُلبت طهارتها بالقوة. أنت ترى ما يتغاضى عنه العالم. اجمع الجروح في يديك، واحمِ الضعيفات، وأوقف أيدي الظالمين. لا تدع دموعهنّ تسقط دون أن تحصيها.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
