إرميا 31:34
النص
يقول الرب إنه في أيام العهد الجديد لن يحتاج أحد أن يمسك بتلابيب جاره أو أخيه ليعلّمه: "اعرفوا الرب". لماذا؟ لأن المعرفة ستكون عامة ومباشرة، من أصغر الناس شأنًا إلى أكبرهم. والسبب الذي يعطيه الله ليس نجاحًا تربويًا ولا برنامج تعليم ديني ناجحًا، بل غفرانًا: "لأني أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد".
الجوهر
انتبه إلى ترتيب الجملة. المعرفة ليست شرط الغفران، بل الغفران هو أساس المعرفة. هذا يقلب أخلاقياتنا الدينية رأسًا على عقب. نحن نظن أن الطريق يبدأ بمعرفة صحيحة، ثم سلوك صحيح، ثم ربما، في النهاية، قبول من الله. الرب يقول العكس تمامًا: أصفح أولًا، ولذلك تعرفونني. والفعل العبري هنا (يَدَع) لا يعني تحصيل معلومات بل معرفة العلاقة، المعرفة التي بين زوجين، بين والد وابن. أي أن المحو الكامل للسجل هو الذي يفتح باب الألفة. الله لا يتذكر خطيتنا، لا لأنه نسي، بل لأنه اختار ألا يستعملها ضدنا بعد اليوم. وهذا اختيار أخلاقي من الله يصير نموذجًا لنا.
الخيط الجامع
هذا الوعد بقي معلّقًا في الهواء قرونًا. لم يتحقق برجوع المسبيين من بابل؛ فقد رجعوا وأعادوا بناء الهيكل وما زالوا يحتاجون إلى من يعلّمهم. الوعد ظل دَينًا على الله حتى ليلة العشاء الأخير، حين رفع يسوع الكأس وقال إن هذا هو دمه، دم العهد الجديد لمغفرة الخطايا. الجملة الأخيرة في آيتنا، "ولا أذكر خطيتهم بعد"، هي بالضبط ما ضمنه الصليب. ورسالة العبرانيين تقتبس هذا النص بطوله لتقول إن ذبائح الهيكل كانت تذكيرًا سنويًا بالخطايا، أما ذبيحة المسيح فأنهت التذكير. لهذا يُدعى عهدًا جديدًا: ليس لأن الشريعة تغيّرت، بل لأن موقعها تغيّر، ومعها موقع الخطية في ذاكرة الله.
المرآة
إن كان الله لا يذكر خطايانا، فما الذي يبرر دفتر الحسابات الذي تحتفظ به أنت؟ فكّر بشكل محدد. الزوج الذي يخرج في كل شجار الجملة نفسها منذ عشر سنين: "أنت دائمًا هكذا". الأب الذي يذكّر ابنه العشريني بفشله في الثانوية كلما تجرأ الابن على رأي. المدير الذي قرر عن موظف أنه "غير موثوق" بعد خطأ واحد وأغلق الملف. الأخ في الكنيسة الذي تسلّم عليه ببرود لأنك تعرف ماضيه. هذه كلها طرق نقول فيها لله: غفرانك جميل، لكنه غير عملي. والأصعب: قد تكون أنت من يرفض أن ينسى خطيته هو، فتعيش تحت إدانة رفعها الله عنك منذ زمن. الاحتفاظ بالذنب، ذنبك أو ذنب غيرك، ليس تواضعًا؛ إنه عدم تصديق.
السياق
نحن في أواخر القرن السابع وأوائل السادس قبل الميلاد، أورشليم على حافة السقوط أو قد سقطت. إرميا كتب هذه الفصول (٣٠ إلى ٣٣) وهي تُسمّى "سفر التعزية"، وسط انهيار كامل: الهيكل مهدد، الملك ذليل، النخبة مُرحّلة إلى بابل. وقبل آيتنا بقليل يقتبس الرب مثلًا شعبيًا كان يتردد على الألسنة: "الآباء أكلوا حصرمًا، وأسنان الأبناء ضرست". أي أن جيلًا كاملًا كان يعيش شاعرًا أنه يدفع ثمن جرائم أجداده، محاصرًا بتاريخ لا يستطيع تغييره. في هذا المناخ من المرارة والقدرية يأتي وعد بمعرفة شخصية مباشرة وبغفران يمحو السجل. هذا ليس كلامًا لطيفًا في زمن رخاء، بل هو كلام مواجهة في زمن أنقاض.
البروفايل
تخيّل من يسمع هذا: كاهن فقد وظيفته لأن الهيكل صار خرابًا، أو كاتب شريعة كانت مكانته تقوم على أنه يعرف ما لا يعرفه العامة. الجملة "من صغيرهم إلى كبيرهم" كانت تهدد امتيازه مباشرة. في مجتمع كانت المعرفة الدينية فيه رأس مال اجتماعي بيد قلة، يقول الله إن الفلاح والأرملة والطفل سيعرفونه كما يعرفه رئيس الكهنة. السامع الأول لم يسمع هنا "لن نحتاج معلمين بعد الآن" بمعنى إلغاء التعليم، بل سمع: لن يبقى في شعب الله طبقة داخلية وطبقة خارجية. وهذا يلامسنا: كم من قراراتنا في الكنيسة والبيت والعمل مبنية على تصنيف الناس إلى من "يفهم" ومن "لا يزال بعيدًا"؟
النص الموازي
في حزقيال ٣٦ يظهر الوعد نفسه بلغة مختلفة: قلب جديد وروح جديد وإزالة قلب الحجر. إرميا يتكلم عن شريعة مكتوبة في الداخل، وحزقيال عن العضو الذي تُكتب فيه؛ الاثنان يقولان إن المشكلة لم تكن يومًا في نص الشريعة بل في الإنسان الذي يقرأها. والصدى الثاني في متى ١٨، في مَثل العبد الذي غُفر له دَين هائل ثم خنق زميله على دَين تافه. ذلك المثل هو ببساطة إرميا ٣١: ٣٤ حين يُرفض تطبيقه. الله يمحو، والعبد يحتفظ بالدفتر. والحكم في المثل قاسٍ لأن الرفض هنا ليس ضعفًا بل إنكار للعهد الذي نعيش منه.
للتأمل
ما هو الاسم المحدد، والحادثة المحددة، التي ما زلت تحتفظ بها في دفترك، والتي يطلب منك هذا النص أن تشطبها اليوم لا "يومًا ما"؟
أين تتصرف كأن معرفة الله حكر على من درس وفهم، سواء في تعاملك مع أولادك أو مع من هم أحدث إيمانًا منك؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول Jeremiah 31:34
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى إرميا 31:34؟
عمّ يتحدث إرميا 31:34؟
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 31:34؟
ماذا يعلّمنا إرميا 31:34 عن صفات الله؟
كيف لا يزال إرميا 31:34 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 31
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
وكما سهرت عليهم للاقتلاع والهدم والنقض والإهلاك والإذلال، هكذا أسهر عليهم للبناء والغرس، يقول الرب."
لاحظ الكلمة المكرَّرة: سهرت... أسهر. الله لم ينم في زمن الهدم، ولا ينام في زمن البناء. العين التي راقبت سقوطك هي نفسها العين التي تراقب قيامك.
ربما كنت تظن أن انتباهه إليك انتهى مع تأديبك. لا. ما زال ساهراً، لكن بيده الآن معولٌ آخر: غرسٌ لا اقتلاع.
قيلت هذه الكلمات لشعب في السبي، بعيد عن أرضه، يظن أن الله شطبه من ذاكرته. وهناك تحديدًا قال: «وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ». لاحظ الترتيب: المحبة أولًا، ثم الجذب. أنت لم تصر محبوبًا لأنك عدت، بل عدت لأنك محبوب. والمسافة التي تشعر أنها تفصلك عنه، هو يراك عبرها.
سأبنيك بعد فتبنين يا عذراء إسرائيل. تتزينين بعد بدفوفك وتخرجين في رقص اللاعبين."
لاحظ الدفوف. آخر مرة رفعتها إسرائيل كان على شاطئ البحر بعد الخلاص. الله لا يعدك بترميم الجدران فقط، بل بعودة الفرح الذي ظننت أنه دُفن مع خرابك.
هل تجرؤ أن تصدق أن الرقص ممكن مرة أخرى؟ هو يقول: "سأبنيك بعد". البناء عمله، والرقص نصيبك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة