متى 6
النص
بوقٌ يُدوّي في زقاقٍ ضيّق قبل أن تسقط القطعة النحاسية في يد الفقير: بهذه الصورة الساخرة يفتح يسوع الفصل. ثم يمضي في ثلاثة أعمالٍ تقويّة كان كلّ يهوديٍّ تقيٍّ يمارسها، الصدقة والصلاة والصوم، ويضع على كلٍّ منها السؤال نفسه: لمن تفعل هذا؟ يعلّم تلاميذه صلاةً قصيرة تبدأ بـ«أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» وتطلب خبز اليوم فقط، ويربط غفران الله بغفراننا ربطًا لا مهرب منه. ثم ينتقل من غرفة الصلاة المغلقة إلى خزانة المال والملابس: كنوزٌ يأكلها السوس والصدأ، عينٌ تُنير الجسد أو تُظلمه، سيّدان لا يُخدمان معًا. ويختم بطيور السماء وزنابق الحقل ودعوةٍ إلى طلب الملكوت أولًا، وإلى ترك الغد لهمّه.
الجوهر
الكلمة التي تتكرّر في هذا الفصل أكثر من أي كلمة أخرى هي «أبوكم». وهذا هو قلب النصّ: الله ليس جمهورًا يجب إقناعه، بل أبٌ يرى في الخفاء. في عالمٍ كان الشرف والعار فيه عملةً اجتماعية أهمّ من النقود، حيث تُقاس قيمة الإنسان بما تقوله عنه القرية، يقول يسوع إنّ هناك عينًا واحدة تستحقّ أن تُتعب نفسك لأجلها، وهي عينٌ لا تراها أنت. المرائي ليس كاذبًا بالضرورة؛ صدقته حقيقية وصومه حقيقي، لكنه «ٱسْتَوْفَى أَجْرَهُ» بالفعل، قبض ثمنه نقدًا من التصفيق ولم يبقَ له شيء عند الله. والنصف الثاني من الفصل يكشف الوجه الآخر للأمر نفسه: من لا يثق بأبٍ يعلم حاجته «قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ» سيبني له خزائن ضدّ الغد. الرياء والقلق ابنا خوفٍ واحد.
الخيط الجامع
الصلاة التي يعلّمها يسوع هنا ليست اختراعًا من فراغ؛ إنها تلخيص لقصة إسرائيل كلها في ستّ جمل. «لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ» صدى لأنبياءٍ صرخوا لأن اسم الله تدنّس بين الأمم بسبب شعبه. «خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا ٱلْيَوْمَ» يعيدنا إلى البرّية، حيث نزل المنّ حصّةَ يومٍ واحد، ومن خبّأ لغدٍ وجد الدود. «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ» هي أنّة شعبٍ محتلّ ينتظر أن يملك الله فعلًا لا اسمًا. والمدهش أنّ الذي علّم هذه الصلاة صلّاها بنفسه حتى النهاية: في البستان قال «لتكن مشيئتك» وهو يعرق، وعلى الصليب طلب الغفران للذين سمّروه. فالفصل ليس مثاليّاتٍ أخلاقية معلّقة في الهواء، بل وصفٌ لحياةٍ عاشها واحدٌ بيننا حتى آخرها، ثم فتحها لنا.
المرآة
نحن لا ننفخ في الأبواق، لكننا نصوّر. صورة المساعدة التي أرسلناها، المنشور عن الرحلة التبشيرية، الجملة العابرة في المجموعة: «كنت صائمًا اليوم فتعبت قليلًا». والأخطر أنّ أحدًا منّا لا يشعر أنه يكذب؛ كلّ ذلك حقيقي، تمامًا كما كانت صدقة المرائي حقيقية. السؤال ليس هل فعلتَ، بل هل قبضتَ أجرك سلفًا. ثم يلمس النصّ محفظتك: التأمين، والحساب الاحتياطي، وحساب الغد الذي لا ينتهي. ليست الادّخار خطيئة، لكنّ يسوع يسأل أين استقرّ قلبك، «لِأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا». وهناك الجملة القاسية في الآية الخامسة عشرة، التي لا يمكن تلطيفها: يدٌ مقبوضة عن الغفران لا تستطيع أن تنفتح لتستقبله.
اليوم، ادخل غرفةً وأغلق الباب، وصلِّ الصلاة الربّانية مرّة واحدة ببطء، وعندما تصل إلى «كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا» توقّف وانطق باسم الشخص الذي يصعب عليك غفرانه، بصوتٍ مسموع.
الشخصية المحورية
الشخصية الرئيسية في هذا الفصل ليست المرائي ولا التلميذ، بل الأب. وهو أبٌ من نوعٍ خاص: يرى في الخفاء، أي أنه ليس ضمن الجمهور الجالس في المدرج، بل هو الوحيد الذي يرى الكواليس. في مجتمعٍ أبويّ صارم، حيث كانت كلمة «أب» تعني السلطة والشرف والميراث، يجعل يسوع من هذه الكلمة مكان أمانٍ لا مكان خوف: أبٌ «يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ». وهو أبٌ يعتني بتفاصيل لا اقتصاد فيها: يقوت طيورًا لا تزرع، ويلبس عشبًا مصيره التنّور غدًا. لكنه ليس أبًا متساهلًا؛ الآية الخامسة عشرة تُظهر أنه يأخذ علاقاتنا ببعضنا بجدّية تفوق راحتنا. حنانه ليس تراخيًا.
التناص
قبل يسوع بقرون، وقف إشعياء يهاجم صومًا كان الناس فيه يطأطئون رؤوسهم كالأسل ويلبسون المسوح، بينما يظلمون عمّالهم؛ وقال الرب إنّ الصوم الذي يختاره هو فكّ قيود الظلم وكسر الخبز للجائع. يسوع لا يضيف تعليمًا جديدًا هنا بقدر ما ينبش جرحًا قديمًا: العبادة المرئية التي فقدت داخلها. والخلفية الثانية هي المنّ في سفر الخروج، حيث تعلّم شعبٌ خارجٌ من العبودية أن يعيش على حصّة يومٍ واحد، لا لأنّ الله بخيل بل لأنّ الثقة تُبنى يومًا بيوم. حين يعلّمنا يسوع أن نطلب خبز اليوم فقط، فهو يعيدنا إلى مدرسة البرّية نفسها، ويختمها بجملةٍ عملية: «يَكْفِي ٱلْيَوْمَ شَرُّهُ».
التفصيل
«فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا». تبدو هذه الآية غريبةً ومقحمة بين الكنوز والسيّدين، حتى تعرف ما كانت تعنيه في ذلك العالم. «العين الشريرة» في اللغة اليومية لأهل فلسطين لم تكن تعني النظر الشهواني، بل البخل والحسد؛ صاحب العين الشريرة هو من يضيق قلبه عن العطاء. والكلمة المقابلة، «بسيطة» (باليونانية هَبْلوس)، تعني غير المزدوجة، الصافية، ومن هنا: السخيّة، غير المحسوبة. فالآية ليست استطرادًا بل الجسر بين الفقرتين: كنزك يكشف قلبك، وعينك تكشف كنزك. إن كانت نظرتك إلى المال قابضة، فالظلمة لا تبقى في محفظتك وحدها، بل تسري في الجسد كلّه، «فَإِنْ كَانَ ٱلنُّورُ ٱلَّذِي فِيكَ ظَلَامًا فَٱلظَّلَامُ كَمْ يَكُونُ!».
أسئلة للتأمّل
أيّ عملٍ صالحٍ قمتَ به هذا الشهر ولم يعلم به أحد سوى الله؟ وإن لم تجد واحدًا، فماذا يقول ذلك عن الجمهور الذي تعيش أمامه؟
ما هو «الغد» الذي تحمل همّه اليوم، وما الذي سيتغيّر عمليًّا في يومك إن صدّقتَ أنّ أباك يعلم حاجتك قبل أن تسأله؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Matthew 6
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى متى 6؟
عمّ يتحدث متى 6؟
ما هو السياق التاريخي لـ متى 6؟
ماذا يعلّمنا متى 6 عن صفات الله؟
كيف لا يزال متى 6 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Matthew 6
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
«لِذلِكَ» في أول الآية تربطها بما قبلها مباشرة: «لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ». فالقلق ليس مجرد ضعف في أعصابك، بل خدمة لسيد آخر يشغل قلبك. ثم يسألك المسيح سؤالاً هادئاً: «أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ؟» الذي وهبك الحياة كلها، أتظنه يبخل عليك باللقمة؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
