شرح الكتاب المقدس

متى 6:7

النص

في وسط تعليمه عن الصلاة، يضع الرب يسوع علامة تحذير: "وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لَا تُكَرِّرُوا ٱلْكَلَامَ بَاطِلًا كَٱلْأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلَامِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ". ليست المشكلة في طول الصلاة بل في الظن الكامن خلفها: أن الكلمات نفسها تملك قوة، وأن الله يُقنَع بالكمية. وفي الآية التالية يهدم يسوع هذا الظن من جذوره: أبوكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه.

الجوهر

الكلمة اليونانية التي يستعملها متى هنا غريبة، تكاد تكون مخترعة: battalogeō، وفيها صوت التلعثم، الكلام الذي يتدحرج على نفسه بلا اتجاه. يسوع لا يعيب الإلحاح، بل يعيب فكرةً عن الله. الوثني يكثر الكلام لأنه لا يعرف إن كان الإله يسمع، ولا إن كان مهتماً، ولا حتى أي إله من الآلهة يخاطب؛ فيملأ الفراغ بالضجيج. والمؤمن الذي يصلي هكذا يفعل الشيء نفسه: يحاول أن يعبر مسافة يظنها بعيدة. لكن الإنجيل يقول إن المسافة مقطوعة أصلاً. الصلاة ليست جسراً نبنيه بالكلام، بل حديث داخل بيت. وهذا يغيّر كل شيء: من يعرف أنه ابن لا يحتاج أن يخطب.

الخيط الجامع

منذ البدء والكتاب يحكي عن إله يتكلم أولاً. آدم لم يبدأ الحوار، بل سُئل: أين أنت. وإسرائيل لم يخترع اسم الله، بل أُعطي له. النبوة كلها كانت الله يبادر. وفي المقابل، ظلت الأمم تصرخ نحو سماء صامتة. ما يفعله يسوع في هذا الأصحاح هو تتويج ذلك الخط: يضع في أفواهنا كلمة "أَبَانَا"، وهي كلمة لم يكن أحد يجرؤ أن يبدأ بها. لكن انتبه إلى الترتيب: التحذير من كثرة الكلام يأتي مباشرة قبل الصلاة الربانية، وهي صلاة قصيرة إلى حد الإحراج. المسيح لا يعطينا تقنية أفضل للصلاة، بل يعطينا نفسه طريقاً إلى الآب، فتصبح الكلمات القليلة كافية لأنها محمولة بعلاقة لا بجهد.

المرآة

اسأل نفسك بصدق: لماذا تطيل أحياناً؟ في اجتماع الصلاة، حين تسمع صوتك يرتفع ويتزين، لمن تتكلم فعلاً؟ وفي غرفتك، حين تكرر الطلب نفسه عن ابنك المريض أو عن العمل الذي تخشى أن تفقده، هل تكرر لأنك تحب أن تكون في حضرة الله، أم لأنك تشك في أنه سمع من المرة الأولى؟ الفرق بين الأمرين ليس في عدد الكلمات بل في القلب الذي تحتها. هناك تكرار هو ثقة تتنفس، وهناك تكرار هو خوف يساوم. الأول يشبه طفلاً يتمسك بيد أبيه؛ الثاني يشبه موظفاً يملأ استمارة أملاً في أن يمر الطلب. وأصعب ما في هذه الآية أنها لا تعطيك مقياساً خارجياً تحكم به على نفسك. تبقى وحدك مع سؤالك.

النص المقابل

تذكّر أنبياء البعل على جبل الكرمل في سفر الملوك الأول، يصرخون من الصباح إلى الظهر، يجرحون أنفسهم، ويزيدون الصوت لأن لا أحد يجيب؛ ثم إيليا يصلي صلاة من بضعة أسطر فتنزل النار. هذا هو بالضبط ما يصفه يسوع بكلمة "كَٱلْأُمَمِ". وفي المقابل، هو نفسه يروي في إنجيل لوقا مثل الأرملة التي تلحّ على القاضي حتى ينصفها، ويوصي بألا نملّ من الصلاة. فلا تظن أن الآية تحرّم الإلحاح. المفارقة مقصودة: الأرملة تلحّ لأنها تعرف أنها ستُسمَع في النهاية، والوثنيون يكثرون لأنهم لا يعرفون. الإلحاح المؤمن ليس ضغطاً على الله، بل تمسك به.

السؤال

إن كان الآب "يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ"، فلماذا نسأل أصلاً؟ لا تسرع إلى الجواب الجاهز بأن الصلاة تغيّرنا نحن لا الله؛ فيه شيء من الحق، لكنه يقصّر عن الكتاب الذي يصوّر صلوات غيّرت مجرى الأمور فعلاً. الأصدق أن نقف أمام باب لا نراه كاملاً. الله لا يحتاج معلوماتنا، وهذا واضح. لكنه يريد صوتنا، وهذا أعجب. الأب الذي يعرف ما يريده ابنه يظل ينتظر أن يقوله الابن، لا لينتزع منه اعترافاً، بل لأن الكلام بينهما هو جزء من كونهما أباً وابناً. لماذا رتّب الله العالم بحيث تكون طلباتنا الصغيرة جزءاً من عمله؟ لا أعرف. لكنني أعرف أن الصمت أمام هذا اللغز أفضل من ملئه بتفسير أنيق.

السياق

الموعظة على الجبل تُلقى في الجليل على جمهور مختلط: فلاحون وصيادون وناس بسطاء، في أرض محتلة، على مرمى حجر من مدن يونانية رومانية مليئة بالمعابد. كانوا يرون بأعينهم كيف يُتعبَّد للآلهة هناك: تراتيل طويلة، تعديد للألقاب، تعاويذ تُتلى بدقة لئلا تفسد. كان الافتراض السائد في العالم القديم أن الكلمة المضبوطة تحرّك القوى الإلهية، وأن من يعرف الصيغة يملك السلطان. ويسوع يخاطب أناساً لا يملكون شيئاً من ذلك: لا معابد فخمة، ولا لغة مصقولة، ولا وقت طويل. ويقول لهم إن أثمن ما لديهم هو ما ظنوه أفقر ما لديهم: أنهم أولاد لأب يعرف. في عالم يقيس التقوى بالضجيج، هذه ثورة هادئة.

—

ما هي الصلاة التي كررتها كثيراً هذا الشهر، وما الذي يدفعها فعلاً: الثقة أم الخوف من ألا يكون الله قد سمع؟

لو حذفت من صلاتك كل ما هو موجه إلى أذن بشرية، أو إلى إحساسك بأنك تصلي "جيداً"، ماذا سيبقى؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Matthew 6:7

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى متى 6:7؟
في وسط تعليمه عن الصلاة، يضع الرب يسوع علامة تحذير: "وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لَا تُكَرِّرُوا ٱلْكَلَامَ بَاطِلًا كَٱلْأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلَامِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ". ليست المشكلة في طول الصلاة بل في الظن الكامن خلفها: أن الكلمات نفسها تملك قوة، وأن الله يُقنَع بالكمية.
عمّ يتحدث متى 6:7؟
منذ البدء والكتاب يحكي عن إله يتكلم أولاً. آدم لم يبدأ الحوار، بل سُئل: أين أنت. وإسرائيل لم يخترع اسم الله، بل أُعطي له. النبوة كلها كانت الله يبادر. وفي المقابل، ظلت الأمم تصرخ نحو سماء صامتة. ما يفعله يسوع في هذا الأصحاح هو تتويج ذلك الخط: يضع في أفواهنا كلمة "أَبَانَا"، وهي كلمة لم يكن أحد يجرؤ أن يبدأ بها.
ما هو السياق التاريخي لـ متى 6:7؟
تذكّر أنبياء البعل على جبل الكرمل في سفر الملوك الأول، يصرخون من الصباح إلى الظهر، يجرحون أنفسهم، ويزيدون الصوت لأن لا أحد يجيب؛ ثم إيليا يصلي صلاة من بضعة أسطر فتنزل النار. هذا هو بالضبط ما يصفه يسوع بكلمة "كَٱلْأُمَمِ". وفي المقابل، هو نفسه يروي في إنجيل لوقا مثل الأرملة التي تلحّ على القاضي حتى ينصفها، ويوصي بألا نملّ من الصلاة.
ماذا يعلّمنا متى 6:7 عن صفات الله؟
الموعظة على الجبل تُلقى في الجليل على جمهور مختلط: فلاحون وصيادون وناس بسطاء، في أرض محتلة، على مرمى حجر من مدن يونانية رومانية مليئة بالمعابد. كانوا يرون بأعينهم كيف يُتعبَّد للآلهة هناك: تراتيل طويلة، تعديد للألقاب، تعاويذ تُتلى بدقة لئلا تفسد. كان الافتراض السائد في العالم القديم أن الكلمة المضبوطة تحرّك القوى الإلهية، وأن من يعرف الصيغة يملك السلطان.
كيف لا يزال متى 6:7 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
لو حذفت من صلاتك كل ما هو موجه إلى أذن بشرية، أو إلى إحساسك بأنك تصلي "جيداً"، ماذا سيبقى؟
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Matthew 6

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

تأمّل تحريري في آية 25

«لِذلِكَ» في أول الآية تربطها بما قبلها مباشرة: «لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ». فالقلق ليس مجرد ضعف في أعصابك، بل خدمة لسيد آخر يشغل قلبك. ثم يسألك المسيح سؤالاً هادئاً: «أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ؟» الذي وهبك الحياة كلها، أتظنه يبخل عليك باللقمة؟

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

شركة؟