المزامير 119
النص
مئة وست وسبعون آية، مرتّبة على حروف الأبجدية العبرية، ثماني آيات لكل حرف، وفي كل آية تقريبًا تتكرّر كلمة واحدة بثمانية وجوه: شريعة، شهادات، وصايا، فرائض، أحكام، كلام، قول، طرق. الصورة العامة: إنسانٌ محاصَر. رؤساء يتقاولون عليه (آية ٢٣)، متكبّرون يلفّقون عليه كذبًا (آية ٦٩)، أشرار يضعون له فخًّا (آية ١١٠)، ونفسه «لصقت بالتراب» (آية ٢٥) و«قطرت من الحزن» (آية ٢٨). وسط هذا كله يتشبّث بكلمة الله لا كنظامٍ أخلاقي بل كطعامٍ وسراج ونصيب: «سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي». ثم، بعد كل هذا الإصرار، تنتهي القصيدة بجملةٍ تكسر النَفَس: «ضللت، كشاةٍ ضالةٍ. اطلب عبدك».
الجوهر
هذه الخاتمة هي مفتاح المزمور كله. من يقرأ الآيات الأولى وحدها («طوبى للكاملين طريقًا») يظنّ أنه أمام رجلٍ واثقٍ ببرّه. لكن الرجل نفسه، بعد مئةٍ وخمسٍ وسبعين آية من الحب والسهر والحفظ، يعترف أنه شاة ضالة تحتاج أن يُطلَب. وهنا يلتقي المزمور بحزقيال ٣٤ حيث يقول الله: «أنا أطلب غنمي»، وبالراعي الذي يترك التسعة والتسعين. أي أنّ الشريعة في هذا المزمور ليست سلَّمًا يصعد به الإنسان إلى الله، بل كلمة يُحيي الله بها من لصق بالتراب. لاحظ كم مرة يتكرر الطلب: «أحيني»، «فهّمني»، «علّمني»، «أملْ قلبي». الطاعة هنا ليست إنجاز الإنسان بل عطية الله؛ والحب للشريعة ليس بديلًا عن النعمة بل ثمرتها.
الخيط الجامع
افتتاحية المزمور ليست بريئة: «طوبى للكاملين طريقًا، السالكين في شريعة الرب». هذه هي لغة المزمور الأول بعينها، الرجل الذي في شريعة الرب مسرّته ويلهج بها نهارًا وليلًا. مزمور ١١٩ هو ذلك المزمور القصير وقد امتدّ مئة وست وسبعين آية، كأنّ أحدهم قرأ المزمور الأول وقال: أريد أن أعيش هناك. لكن الامتداد يكشف ما لم يكشفه القصير: أنّ الشجرة المغروسة عند مجاري المياه تُشتَم وتُطارَد وتبكي. والخيط يمتدّ إلى إرميا ووعده بشريعةٍ مكتوبة على القلب، وهو الوعد الذي يتلمّسه صاحبنا حين يقول: «خبأت كلامك في قلبي». ما يطلبه المزمور طلبًا، يعطيه العهد الجديد عطيةً: الكلمة لم تعد لوحًا يُحفَظ بل شخصًا يسكن، والراعي الذي يُطلَب منه هنا أن يطلب عبده الضالّ، جاء وقال إنه هو الراعي الصالح.
المرآة
انظر إلى صلاتين متجاورتين: «أمل قلبي إلى شهاداتك، لا إلى المكسب» و«حوّل عينيّ عن النظر إلى الباطل». الرجل لا يقول: قرّرت ألا أطمع، ولا: ضبطت نظري. هو يعرف أنّ قلبه يميل من تلقاء نفسه نحو الحساب البنكي، وأنّ عينيه تنجذبان إلى ما لا قيمة له، فيطلب من الله أن يميل القلب ويحوّل العين. هذا اعتراف نادر في زمنٍ نحبّ فيه أن نبدو أصحاب إرادةٍ حديدية. وهو أيضًا اعتراف مَن يعمل تحت رئيسٍ ظالم، ومَن قيل عنه في مجموعةٍ ما كلامٌ ملفّق، ومَن يستيقظ في منتصف الليل بمعدةٍ مشدودة. اليوم: افتح المزمور على الآية ٣٧، اقرأها بصوتٍ مسموع مرتين، ثم اكتبها على ورقةٍ صغيرة وضعها حيث تضع هاتفك في المساء.
الشخصية الرئيسية
صاحب المزمور ليس بطلًا تقيًّا هادئًا. مزاجه يتقلّب بين النقيضين في نَفَسٍ واحد: «بفرائضك أتلذذ» ثم «لصقت بالتراب نفسي». يسهر: «في منتصف الليل أقوم لأحمدك»، ويستيقظ قبل الفجر: «تقدّمت في الصبح وصرخت». يبكي أنهارًا على مَن تركوا الشريعة، ويغضب حتى يقول: «انصرفوا عني أيها الأشرار». يشعر أنه صغير وحقير، ومع ذلك يجرؤ أن يقول إنه أفطن من الشيوخ. ويصف نفسه بصورةٍ لا تُنسى: «كزقٍّ في الدخان»، جلدٌ جفّ وتشقّق واسودّ من التعليق فوق النار. هذا إنسان استُهلك. والمدهش أنّ هذا المستهلَك هو الذي يقول: «شريعتك هي لذتي». ليست اللذة عنده مزاجًا حسنًا، بل تعلّقًا بحبلٍ في بئر.
السياق
المزمور مبنيّ على حروف الأبجدية، ثماني آيات لكل حرف. هذا ليس زخرفًا؛ إنه شكلٌ للحفظ في زمنٍ كانت فيه المخطوطات نادرة وثمينة، ووسيلةٌ للقول إنّ كلمة الله تغطّي الحياة من ألفها إلى يائها. الأرجح أنه كُتب في زمنٍ متأخر، حين لم يعد لإسرائيل ملكٌ ولا استقلال، وحين صار الشعب يعيش تحت إدارة أجنبية. لذلك تتردّد صورة الرؤساء الجالسين يتقاولون على رجلٍ لا حول له: «جلس أيضًا رؤساء، تقاولوا عليّ. أما عبدك فيناجي بفرائضك». والوفاء للشريعة في ذلك العالم كان له ثمنٌ اجتماعي حقيقي: عزلة، سخرية، تهمة تلفَّق، وأحيانًا خطر على الحياة، «نفسي دائمًا في كفّي».
الملامح
المستمعون الأوائل سمعوا في هذه القصيدة شيئًا نفقده نحن بسهولة. حين قال الشاعر «نصيبي الرب»، كان يستعير لغة اللاويين الذين لم يُعطَوا أرضًا في كنعان لأنّ الرب نفسه نصيبهم. وحين قال «ورثت شهاداتك إلى الدهر»، كان يتكلم بلغة الميراث أمام أناسٍ فقدوا حقولهم وبيوتهم. أي أنّ الكلمة صارت أرضهم. وحين رنّم «ترنيمات صارت لي فرائضك في بيت غربتي»، عرف كل سامعٍ ما معنى أن تعيش في بيتٍ ليس بيتك. لهم، لم تكن الشريعة قيودًا تُثقل، بل الشيء الوحيد الذي لم يقدر الإمبراطور أن ينتزعه. لذلك تُختم القصيدة لا بانتصار بل بصرخة شاةٍ تريد أن يجدها راعيها.
أسئلة للتأمل
أين في حياتك تصلّي صلاة الآية ٣٦ عمليًّا: ما هو «المكسب» الذي يميل إليه قلبك من تلقاء نفسه، ولم تجرؤ بعدُ على تسميته أمام الله؟
لو انتهى مزمورك الشخصي، بعد كل ما تعرفه وتحفظه، بجملة «ضللت، كشاة ضالة»، فهل تشعر أنّ هذا هزيمة أم راحة؟ ولماذا؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Psalms 119
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى المزامير 119؟
عمّ يتحدث المزامير 119؟
ما هو السياق التاريخي لـ المزامير 119؟
ماذا يعلّمنا المزامير 119 عن صفات الله؟
كيف لا يزال المزامير 119 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Psalms 119
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
قبل ثلاث آيات قال: "أَجْرَيْتُ حُكْمًا وَعَدْلاً"، وهنا يقول: "اِصْنَعْ مَعَ عَبْدِكَ حَسَبَ رَحْمَتِكَ". هو يعرف أنه سار في الاستقامة، ومع ذلك لا يجرؤ أن يطلب من الله أن يعامله حسب استقامته، بل حسب رحمته.
أنت أيضًا، حين تُحسن التصرّف، لا تقف أمام الله بفاتورة. قف بيدين فارغتين. وبعدها اطلب: "وَفَرَائِضَكَ عَلِّمْنِي". من عاش الرحمة يبقى تلميذًا.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
