1 كورنثوس 2
النص
يذكّر بولس أهل كورنثوس كيف جاء إليهم أول مرة: لا بسموّ الكلام ولا بالحكمة، بل مصمماً ألّا يعرف شيئاً بينهم «إلَّا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا»، وذلك في ضعف وخوف ورعدة كثيرة، لكي يقوم إيمانهم على قوة الله لا على براعة إنسان. ثم يستدرك: هناك حكمة فعلاً، لكنها «حِكْمَةِ ٱللهِ فِي سِرٍّ»، مكتومة عن عظماء هذا الدهر الذين لو عرفوها «لَمَا صَلَبُوا رَبَّ ٱلْمَجْدِ». وهذه الحكمة لا تُنتزع بالذكاء بل يعلنها الروح «ٱلَّذِي يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ ٱللهِ»، فيقبلها الروحي ويرفضها الإنسان الطبيعي بوصفها جهالة.
الجوهر
الادعاء هنا أخطر مما يبدو: بولس لا يقول إن الإنجيل بسيط والفلسفة معقّدة، بل إن الصليب يعيد تعريف ما تعنيه كلمة «معرفة». عظماء هذا الدهر لم يفتقروا إلى الذكاء؛ كانوا أذكى أهل زمانهم، ومع ذلك صلبوا رب المجد. أي أن الجهل الحقيقي ليس نقصاً في المعلومات بل عمى أمام شخص. ولهذا يصير الروح القدس ضرورة لا رفاهية: كما أن أعمق ما فيّ لا يعرفه أحد سواي، كذلك «أُمُورُ ٱللهِ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلَّا رُوحُ ٱللهِ». المعرفة اللاهوتية إذاً ليست فتحاً بشرياً بل هبة؛ لا تُشترى بالدراسة، وإن كانت لا تُعفى منها. وهذا يقلب سلّم الكفاءة كله رأساً على عقب.
الخيط الممتد
«ٱلْحِكْمَةِ ٱلْمَكْتُومَةِ، ٱلَّتِي سَبَقَ ٱللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ ٱلدُّهُورِ لِمَجْدِنَا»: هذه ليست خطة طوارئ. ما حدث على جلجثة كان مكتوماً في قلب الله قبل أن يكون هناك زمن يُقاس. والكتمان نفسه نمط قديم: الله يختار الابن الأصغر، والشعب الأقل عدداً، والنبي الثقيل اللسان، والعبد الذي لا صورة له ولا جمال حتى نشتهيه كما قال إشعياء. ما كان يبدو في تاريخ إسرائيل تعثّراً وضعفاً كان في الحقيقة أسلوب الله الثابت في العمل. الصليب ليس استثناءً في هذا الخط، بل ذروته ومفتاحه: عندما يُعلن الله ذاته نهائياً، يفعل ذلك في موضع يستحيل على أي منطق قوة أن يتوقعه، فيفضح كل حكمة تقيس الله بمقاييس النجاح.
المرآة
هذا النص يضع إصبعه على موضع حسّاس عند كل من يتكلم عن الله أمام آخرين. المعلّم في الصف، قائد مجموعة الدرس، الأب الذي يناقش ابنه المرتاب: كلنا نشتهي أن نكون مقنعين، أن نُخرج الحجة التي تُسكت المعترض. بولس يقول إنه جاء «فِي ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ»، ولم يعتبر ذلك فشلاً بل شرطاً. لأن الإيمان الذي بناه كلامك اللامع سينهار أمام كلام ألمع. وهنا سؤال موجع: هل أريد أن يؤمن الناس، أم أريد أن يُعجبوا بي وأنا أتكلم عن الإيمان؟ الفرق بين الاثنين ضيّق كشعرة وعميق كهاوية.
اليوم، اكتب في جملة واحدة ما ستقوله لمن يسألك: لماذا أنت مسيحي؟ ثم اشطب منها كل عبارة لا تتعلق بالمسيح المصلوب، واقرأ ما تبقّى بصوت مسموع.
ما بين النصوص
الاقتباس في العدد ٩ مأخوذ من إشعياء ٦٤، من صلاة مريرة يطلب فيها الشعب أن يشق الله السماوات وينزل. هناك كان الكلام عن الذين «ينتظرونه»؛ بولس يقوله عن «ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ». الانتظار صار محبة، لأن المنتظَر جاء. والعدد ١٦ يقتبس إشعياء ٤٠، حيث السؤال «مَنْ عَرَفَ فِكْرَ ٱلرَّبِّ» سؤال بلاغي جوابه الوحيد: لا أحد، فالله لا يستشير أحداً. ثم يُلحق بولس بالسؤال جملة تكاد تكون وقحة: «وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ ٱلْمَسِيحِ». ما كان مستحيلاً صار عطية. وثمة توتر لا ينبغي طمسه: هذا الرجل نفسه وقف في أثينا يحاجّ الفلاسفة ويقتبس شعراءهم. فبولس لا يحرّم الفكر؛ يحرّم أن يكون الفكر هو الأساس الذي يقف عليه إيمان إنسان.
التفصيل
«رَبَّ ٱلْمَجْدِ». هذا اللقب ليس حلية أسلوبية. المجد في العهد القديم هو ثقل حضور الله المنظور، ذاك الذي ملأ الخيمة فلم يستطع موسى الدخول، والذي يُسبَّح له في المزمور الرابع والعشرين بوصفه ملك المجد. أن يقول بولس إن عظماء هذا الدهر «صَلَبُوا رَبَّ ٱلْمَجْدِ» هو أن يجمع في عبارة واحدة أبعد نقيضين يمكن تصورهما: أثقل ما في الوجود مُعلَّق على خشبة. ولاحظ الوصف الذي أعطاه لهؤلاء العظماء قبل سطرين: «ٱلَّذِينَ يُبْطَلُونَ»، أي الذين هم في طريقهم إلى الزوال. المصلوب باقٍ، وصالبوه يتلاشون. والمفارقة أن المجد لم يُخفَ رغم الصليب، بل فيه.
السؤال
«وَأَمَّا ٱلرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لَا يُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ». هذه جملة خطيرة. كم من إنسان استعملها ليضع نفسه فوق المساءلة: أنا روحي، فلا أحد يصحّحني. والمفارقة أن أهل كورنثوس أنفسهم كانوا يفعلون ذلك، ولهذا يعود بولس بعد أسطر قليلة فيسمّيهم جسديين وأطفالاً. فما المقصود إذاً؟ أغلب الظن أنه لا يتكلم عن حصانة شخصية بل عن أن محكمة هذا الدهر لا صلاحية لها: الذي يحيا بفكر المسيح لا يستطيع العالم أن يصدر فيه حكماً نهائياً، لأن معاييره كلها تنتهي إلى صليب لا يفهمه. لكن التوتر لا يُحلّ تماماً. يبقى أن من يتذرّع بهذه الآية ليحصّن نفسه من النقد قد أثبت بذلك أنه لا يملك فكر المسيح؛ فذاك الفكر، بشهادة هذا الأصحاح كله، يظهر في ضعف وخوف ورعدة، لا في ادعاء العصمة.
تأمل
أين في خدمتي أو كلامي عن الله أبحث عن الإقناع البشري أكثر من بحثي عن برهان الروح والقوة؟
ما الذي يتغير في طريقة تقييمي لنجاحي وفشلي إن كان أعظم أعمال الله قد بدا في حينه هزيمة كاملة؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول 1 Corinthians 2
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى 1 كورنثوس 2؟
عمّ يتحدث 1 كورنثوس 2؟
ما هو السياق التاريخي لـ 1 كورنثوس 2؟
ماذا يعلّمنا 1 كورنثوس 2 عن صفات الله؟
كيف لا يزال 1 كورنثوس 2 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول 1 Corinthians 2
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
أبي، كثيرًا ما أقف أمام كلامك وأشعر أن قلبي بطيء عن الفهم. افتح عينيّ بروحك، وعلّمني أن أميّز ما لا تدركه حساباتي وحدها. لا أريد أن أستخف بما هو ثمين عندك لمجرد أنني لم أفهمه بعد. اجعلني مصغيًا، ليّن القلب، مستعدًا أن أتعلم منك.
لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله." تأمل الكلمة: أعماق. ليس سطح الله، بل أعماقه. والروح الذي ينزل إلى هناك هو نفسه الساكن فيك.
عظماء هذا الدهر لم يعرفوا، وأنت تعرف. لا لأنك أذكى، بل لأنه "أعلنه الله لنا نحن بروحه".
فهل تجلس معه لتسمع، أم تكتفي بما تعرفه عنه من بعيد؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
