أفسس 4:32
النص
بعد أن أمر بأن يُرفع من بين المؤمنين «كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ»، لا يترك بولس الفراغ فارغًا. يضع في مكانه ثلاث كلمات: «وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ، مُتَسَامِحِينَ». ثم يضيف الجملة التي تحمل كل الوزن: «كَمَا سَامَحَكُمُ ٱللهُ أَيْضًا فِي ٱلْمَسِيحِ». المقياس ليس ما نحتمله، بل ما احتُملنا به نحن.
الجوهر
لاحظ أن الآية لا تبدأ بأمر أخلاقي مجرّد، بل تنتهي بحقيقة سابقة لكل أمر. «سَامَحَكُمُ ٱللهُ» فعل ماضٍ، منجَز، وراء ظهورنا. ما يُطلب منا في الحاضر ليس إنتاج شيء من العدم، بل تمرير شيء استقبلناه. هنا يظهر شيء مقلق وجميل في وقت واحد: الغفران المسيحي ليس فضيلة نمتلكها، بل هو صدى. وإن لم يكن هناك صدى، فالسؤال ليس «ما أضعفني!» بل «هل سمعتُ الصوت الأول؟» هل عرفتُ حقًا أنني سامَحني الله، أنا، بأسمي، في المسيح؟ التوقف عند هذا السؤال قد يكون أنفع من محاولة عصر مشاعر طيبة من قلب لم يذُب بعد.
الخط الجامع
كلمة «فِي ٱلْمَسِيحِ» تحمل تاريخًا طويلًا. من الذبائح التي كانت تُقدَّم صباحًا ومساءً، إلى يوم الكفارة السنوي، إلى الأنبياء الذين وعدوا بعهد جديد لا يُذكر فيه الإثم، كان السؤال العالق: كيف يغفر القدوس دون أن يستهين بالشر؟ الجواب لم يكن مبدأً بل شخصًا. الغفران في الكتاب المقدس لم يكن يومًا نسيانًا رخيصًا؛ إنه دائمًا يمرّ عبر ثمن يُحمَل. ولهذا فإن مطالبة بولس ليست مطالبة بالتظاهر بأن الجرح لم يقع، بل بأن تحمله كما حُمِل جرحُك. الصليب لا يجعل الغفران أسهل، بل يجعله ممكنًا، ويجعله باهظًا بالطريقة نفسها.
المرآة
اسأل نفسك: مَن الوجه الذي ظهر في ذهنك عند قراءة الآية؟ الأخ الذي قسم الإرث بطريقة لا تُنسى. الزميل الذي أخذ الترقية بكلمة قالها عنك في غرفة لم تكن فيها. الأب الذي لم يعتذر ولن يعتذر. الشريك الذي كسر شيئًا لا يُرمّم. نحن ماهرون في تسمية المرارة بأسماء محترمة: حكمة، حدود صحية، واقعية. وبعضها كذلك فعلًا. لكن هناك مرارة تسكن الجسد، تشدّ الكتفين، وتعود عند الثالثة فجرًا لتعيد المحاكمة من البداية. بولس لا يقول «تجاهلها»، بل «لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ». يُرفع، أي يُحمَل بعيدًا. هذا يستغرق وقتًا. ولا بأس أن يستغرق وقتًا، ما دمنا لا نسمّي التوقف وصولًا.
النص الموازي
يضع يسوع مثلًا مرعبًا في متى 18: عبدٌ أُعفي من دين لا يُسدَّد في عمر كامل، ثم خرج من فوره يخنق زميلًا يدين له بمبلغ تافه. المثل لا يقول إن الغفران يُكتسب بالغفران، بل يقول إن من لم يتغيّر بالعفو لم يفهم العفو. والصلاة الربانية تربط الأمرين بالطريقة نفسها، بجملة تجعلنا نتردد كلما قلناها. اللافت أن بولس لا يستخدم لغة التهديد هنا؛ يستخدم لغة الأسرة. الأسباب في الأصحاح كله ليست عقوبات بل انتماء: «لِأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ ٱلْبَعْضِ». اليد لا تسامح القدم لأنها مأمورة، بل لأنهما في جسد واحد، والبديل هو التمزق.
الشخصية المحورية
الفاعل الحقيقي في هذه الآية هو الله. كل ما نحن مطالبون به مشتق من فعله. وصورة الله هنا ليست صورة قاضٍ رفع الدعوى وأغلق الملف بحياد بارد؛ الكلمة الوسطى، «شَفُوقِينَ»، تصف في الأصل اليونانيّ حركةً في الأحشاء، ذلك الانقلاب الداخلي الذي يحدث عندما ترى إنسانًا في ضعفه فينفتح شيء في جوفك. بولس يطلب منا هذا لأنه رأى هذا. الله لا يغفر بأسنان مشدودة. يغفر وقد تحرّكت أحشاؤه، إن جاز التعبير البشري، نحو الذين خانوه. ويبقى في هذا سرّ لا تُفكّه الشروح: كيف يمكن للمُهان أن يشتاق إلى مَن أهانه؟ لا نفهم ذلك تمامًا. نُصلّي أن نُشبهه فيه.
التفصيل
الكلمة المترجمة «مُتَسَامِحِينَ» هي في اليونانية χαριζόμενοι (خاريزومينوي)، وجذرها هو χάρις، «النعمة». أي أن بولس لا يقول حرفيًا «اغفروا» بمعنى إسقاط الدَّين، بل «تنعّموا على بعضكم»، هبوا بعضكم بعضًا مجانًا. هذا يقلب الحساب رأسًا على عقب. الغفران ليس دفع فاتورة متأخرة ولا إغلاق حساب، بل عطية تُقدَّم إلى مَن لا يستحقها ولم يطلبها ربما ولن يشكرك عليها. ولهذا لا يمكن أن يكون الغفران معاملة تجارية: لا ينتظر اعتذارًا كي يبدأ، ولا يشترط تغيّر الآخر كي يُكتمل. إنه فعل حرّ من إنسان صار غنيًّا بما أُعطي له، فلم يعد الاحتفاظ بالدَّين ضروريًا لبقائه.
للتأمل
ما هو الدَّين الذي أحتفظ به لأن التخلّي عنه سيجعلني أشعر بأنني خسرت شيئًا؟ ماذا أخاف أن أفقد إن أطلقته؟
إن كان الغفران صدى لما سمعتُه أنا أولًا، فمتى كانت آخر مرة توقفتُ فيها لأسمع كيف سامحني الله في المسيح، لا كعقيدة أعرفها بل كخبر يخصّني؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول Ephesians 4:32
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى أفسس 4:32؟
عمّ يتحدث أفسس 4:32؟
ما هو السياق التاريخي لـ أفسس 4:32؟
ماذا يعلّمنا أفسس 4:32 عن صفات الله؟
كيف لا يزال أفسس 4:32 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Ephesians 4
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
لاحظ أن المسيح لم يعطِ برامج ولا خططاً، بل أعطى أشخاصاً: "وهو أعطى البعض ان يكونوا رسلا والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين". العطية كانت بشراً يخدمون بشراً. فمن هو الشخص الذي أعطاك إياه المسيح ولم تشكره بعد؟ وهل خطر لك أنك أنت قد تكون عطية لأحدٍ ينتظر؟
ولا تعطوا إبليس مكانا". لاحظ ما يسبق هذه الكلمات مباشرة: "لا تغرب الشمس على غيظكم". الغضب الذي تبيته ليلة واحدة يصير بابا مفتوحا. إبليس لا يقتحم عادة، بل ينتظر مساحة صغيرة تتركها له بلا انتباه: كلمة لم تسامح عليها، جرح تعيد فتحه كل ليلة. ما الذي تحمله إلى فراشك الليلة؟
إذ صعد إلى العلاء سبى سبيا وأعطى الناس عطايا". المنتصر في ذلك الزمان كان يعود من الحرب ليأخذ الغنائم، أما المسيح فصعد ليعطي. أخذ ما كان يأسرك، ثم فتح يديه ووزّع. تأمّل: القوة التي كسرت قيدك هي نفسها التي وضعت في يدك موهبة. فأين أنت من عطيته؟ هل تركتها مطمورة، أم أنك تعطي بها غيرك؟
إن كنتم قد سمعتموه وعلمتم فيه كما هو حق في يسوع". لاحظ الدقة: بولس لا يقول علمتم عنه، بل "فيه". المسيح ليس مادة تُدرس من بعيد، بل بيت تسكنه فتتعلم. وهذا يفسر لماذا قد تعرف الكثير عن الإيمان ويبقى قلبك على حاله. السؤال ليس كم سمعت، بل هل صار الحق وجهاً تعرفه؟ من يتعلم في يسوع يتغير، لأن الحق هنا شخص يحبك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة