شرح الكتاب المقدس

إشعياء 57

هذا الفصل متاح بفضل JL Group

النص

يفتتح الأصحاح بملاحظة موجعة: الصدِّيق يموت ولا أحد يأبه، ورجال الإحسان يُنتزعون من بين الناس دون أن يفطن أحد أنهم أُخذوا رحمةً بهم، "مِنْ وَجْهِ ٱلشَّرِّ يُضَمُّ ٱلصِّدِّيقُ". ثم ينقلب الكلام إلى محاكمة حادة لشعب غارق في عبادة الأصنام، يذبح أولاده في الأودية ويوسّع مضجعه لعشّاق غرباء، ويتعب في أسفاره الطويلة دون أن يقول "يَئِسْتُ". وفي الثلث الأخير ينكسر الغضب فجأة: الله الساكن في العُلى يسكن أيضًا مع المنسحق والمتواضع الروح، ويخلق "ثَمَرَ ٱلشَّفَتَيْنِ": سلامًا سلامًا للبعيد والقريب. أما الأشرار فكبحرٍ مضطرب لا يستطيع أن يهدأ.

الجوهر

لبّ الأصحاح جملةٌ واحدة في العدد 15: الله العليّ المرتفع، ساكن الأبد، يختار سكنين لا سكنًا واحدًا: الموضع المرتفع المقدس، والقلب المنسحق. هذه ليست عاطفةً دينية، بل بنيةُ الخلاص كلها. فالعدد 12 يُسقط كل مشروع للبرّ الذاتي: "أَنَا أُخْبِرُ بِبِرِّكِ وَبِأَعْمَالِكِ فَلَا تُفِيدُكِ". البرّ الذي يصنعه الإنسان لنفسه يُصبح، حين يُفحَص، لائحة اتهام. والمفاجئ أن الله لا يشفي من استقام، بل من "ذَهَبَ عَاصِيًا فِي طَرِيقِ قَلْبِهِ": "رَأَيْتُ طُرُقَهُ وَسَأَشْفِيهِ". الدافع ليس استحقاقًا بل رحمة محضة، معلَّلة بأن الروح "يُغْشَى عَلَيْهَا أَمَامِي"؛ الله يعرف أن الإنسان لا يصمد أمام غضبٍ دائم، فيضع حدًّا لغضبه هو.

الخيط الممتد

"سَلَامٌ سَلَامٌ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ" ليست جملة عابرة؛ بولس يقتبسها في أفسس 2 ليشرح الصليب: المسيح "بَشَّرَ بِسَلَامٍ لَكُمُ ٱلْبَعِيدِينَ وَٱلْقَرِيبِينَ". أي أن ما يصنعه الله هنا بكلمةٍ خالقة، يصنعه هناك بجسدٍ معلَّق. ولاحظ العدد 14: "هَيِّئُوا ٱلطَّرِيقَ. ٱرْفَعُوا ٱلْمَعْثَرَةَ مِنْ طَرِيقِ شَعْبِي". الطريق الذي مهّده يوحنا المعمدان هو امتداد هذا النداء. والخيط الأعمق هو العدد 15: الساكن في الأعالي ينزل ليسكن مع المنسحقين، وهذا هو التجسد قبل أن يُسمّى تجسدًا. أما سكوت الله في العدد 11، "أَمَّا أَنَا سَاكِتٌ"، فهو الصبر الذي يفسره العهد الجديد بأنه مهلة للتوبة، لا موافقة على الخطيئة.

المرآة

العدد 10 هو أدقّ وصف للإدمان الحديث قرأته: "بِطُولِ أَسْفَارِكِ أَعْيَيْتِ، وَلَمْ تَقُولِي: يَئِسْتُ". تتعب ولا تتوقف. هذا هو العمل الذي يأكل مساءاتك وأنت تعرف أنه لن يُشبعك، والشاشة التي تُمسكها وأنت منهك، والسعي وراء مكانةٍ تُرضيك أسبوعًا واحدًا. و"إِثْمِ مَكْسَبِهِ" في العدد 17 يضع إصبعه على المال تحديدًا: الربح الذي جاء من طريق ملتوٍ قليلًا، فاتورةٌ مبالغ فيها، ساعةُ عملٍ لم تعملها. ثم العدد 1: متى كانت آخر مرة لاحظتَ موت إنسانٍ بارّ غير مشهور؟ نحن نضع في قلوبنا أخبارًا كثيرة، ولا نضع هذا.

اليوم: اكتب على ورقة اسم شخصٍ أمينٍ رحل ولم يبقَ أحد يذكره، قُل اسمه بصوتٍ مسموع أمام الله، واشكره على استقامة ذلك الإنسان، ثم سمِّ صفةً واحدة فيه تريد أن تقتديها.

الملامح

المستمعون الأوائل كانوا أناسًا يعرفون الأودية خارج أورشليم، ويعرفون ما كان يحدث تحت "كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ". لغة العدد 8، "أَوْسَعْتِ مَضْجَعَكِ وَقَطَعْتِ لِنَفْسِكِ عَهْدًا مَعَهُمْ"، كانت تصفعهم لأنها تستعير مفردات عقد الزواج والعهد مع الرب وتضعها في مشهد خيانة علنية. و"وَسِرْتِ إِلَى ٱلْمَلِكِ بِٱلدُّهْنِ" يذكّرهم بالدبلوماسية الحقيقية: هدايا تُرسَل إلى عاصمةٍ أجنبية طلبًا لحماية، مع آلهة تلك العاصمة في الحزمة نفسها. كانت الوثنية عندهم سياسةً أمنية واقتصادية، لا هوايةً روحية. ولهذا كان العدد 13 موجعًا: "فَلْيُنْقِذْكِ جُمُوعُكِ"، أي فلتنقذك كل تلك التحالفات التي دفعتَ ثمنها، "وَلَكِنِ ٱلرِّيحُ تَحْمِلُهُمْ كُلَّهُمْ".

الشخصية المحورية

الشخصية هنا هي الله، وهو يتحرك في الأصحاح كمن يكتم شيئًا ثم ينفجر به. يبدأ متهمًا بلغةٍ قاسية، "يَا بَنِي ٱلسَّاحِرَةِ"، ويسأل سؤالًا فيه شيء من الجرح الشخصي: "وَمِمَّنْ خَشِيتِ وَخِفْتِ حَتَّى خُنْتِ، وَإِيَّايَ لَمْ تَذْكُرِي". ليس غضب قاضٍ بارد، بل غضب من أُهمل. ثم يعلن عن نفسه بثلاثة ألقاب تُبعده عنا كل البعد: العليّ، المرتفع، ساكن الأبد، القدوس اسمه؛ وفي النفس الواحد يقول إنه يسكن مع المنسحقين. قداسته ليست حاجزًا يمنعه من الاقتراب، بل هي بالضبط ما يجعله يقترب. وهو يضع حدًّا لغضبه بنفسه، لأنه يعلم هشاشة ما صنعه.

النصوص المتجاوبة

مزمور 51 يضع الكلمة نفسها في فم تائب: "قَلْبًا مُنْكَسِرًا وَمُنْسَحِقًا لَا تَحْتَقِرُهُ يَا ٱللهُ"؛ ما يعلنه الله عن ذاته في إشعياء 57 يكتشفه داود من الأسفل، من حضيض فشله الأخلاقي، وهذا يبيّن أن الانسحاق ليس شرطًا نؤدّيه بل حالة نُعترف بها. وعلى الطرف المقابل يقف العدد 20، "كَالْبَحْرِ ٱلْمُضْطَرِبِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ"، مقابل المسيح الذي ينتهر البحر فيسكن. القلب الذي لا يقدر أن يسكت لا يحتاج نصيحة بل كلمةً بسلطان. وتلاحظ أن الأصحاح يُختم لا بالسلام بل بنفيه: "لَيْسَ سَلَامٌ، قَالَ إِلَهِي، لِلْأَشْرَارِ". السلام يُوهَب، لكنه لا يُنتزع.

للتأمل

في أي "سفرٍ طويل" تتعب اليوم ولا تقول "يَئِسْتُ"، وما الذي تخشى أن تفقده إن توقفت؟

إن كان الله يسكن مع المنسحق، فأيّ جزءٍ منك تحرص على ألا يُنسحق، وتُسمّيه قوةً أو كرامة؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Isaiah 57

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى إشعياء 57؟
يفتتح الأصحاح بملاحظة موجعة: الصدِّيق يموت ولا أحد يأبه، ورجال الإحسان يُنتزعون من بين الناس دون أن يفطن أحد أنهم أُخذوا رحمةً بهم، "مِنْ وَجْهِ ٱلشَّرِّ يُضَمُّ ٱلصِّدِّيقُ". ثم ينقلب الكلام إلى محاكمة حادة لشعب غارق في عبادة الأصنام، يذبح أولاده في الأودية ويوسّع مضجعه لعشّاق غرباء، ويتعب في أسفاره الطويلة دون أن يقول "يَئِسْتُ".
عمّ يتحدث إشعياء 57؟
"سَلَامٌ سَلَامٌ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ" ليست جملة عابرة؛ بولس يقتبسها في أفسس 2 ليشرح الصليب: المسيح "بَشَّرَ بِسَلَامٍ لَكُمُ ٱلْبَعِيدِينَ وَٱلْقَرِيبِينَ". أي أن ما يصنعه الله هنا بكلمةٍ خالقة، يصنعه هناك بجسدٍ معلَّق. ولاحظ العدد 14: "هَيِّئُوا ٱلطَّرِيقَ.
ما هو السياق التاريخي لـ إشعياء 57؟
اليوم: اكتب على ورقة اسم شخصٍ أمينٍ رحل ولم يبقَ أحد يذكره، قُل اسمه بصوتٍ مسموع أمام الله، واشكره على استقامة ذلك الإنسان، ثم سمِّ صفةً واحدة فيه تريد أن تقتديها.
ماذا يعلّمنا إشعياء 57 عن صفات الله؟
الشخصية هنا هي الله، وهو يتحرك في الأصحاح كمن يكتم شيئًا ثم ينفجر به. يبدأ متهمًا بلغةٍ قاسية، "يَا بَنِي ٱلسَّاحِرَةِ"، ويسأل سؤالًا فيه شيء من الجرح الشخصي: "وَمِمَّنْ خَشِيتِ وَخِفْتِ حَتَّى خُنْتِ، وَإِيَّايَ لَمْ تَذْكُرِي". ليس غضب قاضٍ بارد، بل غضب من أُهمل.
كيف لا يزال إشعياء 57 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
في أي "سفرٍ طويل" تتعب اليوم ولا تقول "يَئِسْتُ"، وما الذي تخشى أن تفقده إن توقفت؟
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Isaiah 57

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

تأمّل تحريري في آية 13

عِنْدَ صُرَاخِكَ فَلْتُنْقِذْكَ جَمَاعَتُكَ. وَلكِنِ الرِّيحُ تَحْمِلُهُمْ كُلَّهُمْ. النَّفْخَةُ تَأْخُذُهُمْ. أَمَّا الْمُتَوَكِّلُ عَلَيَّ فَيَمْلِكُ الأَرْضَ".

لاحظ الفرق: أشياء جمعتها بتعب سنين، تكفيها نفخة واحدة لتطير. وأنت المتمسك بها، تبقى واقفًا وحدك في العراء.

ما الذي تصرخ إليه أولًا حين يضيق بك الأمر؟ ذاك هو إلهك الحقيقي. والله لا يسألك أن تحمل شيئًا، بل أن تتكل عليه فيحملك هو ويعطيك ميراثًا لا تأخذه ريح.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

شركة؟