إرميا 18
النص
يُرسَل إرميا إلى بيت الفخاري ليرى لا ليسمع: إناءٌ يفسد على الدولاب، فلا يُلقى بل يُعاد عجنه ويُصنع "وِعَاءً آخَرَ كَمَا حَسُنَ فِي عَيْنَيِ ٱلْفَخَّارِيِّ". من هذا المشهد يستخرج الرب مبدأ تعامله مع الأمم: متى رجعت عن شرّها رجع عن الشرّ الذي قصده، ومتى فعلت الشرّ رجع عن الخير الذي وعد به. ثم يأتي الطلب المباشر: "فَٱرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ ٱلرَّدِيءِ". والجواب صاعق في اختصاره: "بَاطِلٌ!" وبعد إنذار الخراب، يتآمر القوم على النبي نفسه، فينفجر إرميا بصلاةٍ مرّة يطلب فيها ألا يُصفح عن إثمهم.
الجوهر
الطين ليس رمزًا للجبر بل للعلاقة. الفخاري لا يرمي الإناء الفاسد، لكنه أيضًا لا يُبقيه كما هو. وهنا يكمن قلب الأصحاح: سيادة الله ليست قدَرًا أعمى يلغي استجابة الإنسان، بل هي بالضبط ما يجعل التوبة ممكنة. الكلمة العبرية وراء "أَنْدَمُ" (نِحَم) لا تعني أن الله اكتشف خطأه، بل أنه يتحوّل في موقفه لأن علاقته حيّة لا آليّة. نبوّات الدينونة ليست أحكامًا مغلقة بل دعواتٌ مفتوحة؛ ووعود الخير ليست تأمينًا على النفس. ما يرعب في النص ليس يد الفخاري، بل قساوة الطين: طينٌ قرّر أن يحتفظ بشكله. "كُلُّ وَاحِدٍ يَعْمَلُ حَسَبَ عِنَادِ قَلْبِهِ ٱلرَّدِيءِ". هذا هو العجز الذي لا تشفيه الإنذارات.
الخيط الناظم
يقتبس بولس صورة الفخاري في رومية ٩ ليُثبت حرية الله في الرحمة، لكن إرميا يرينا ما لم يكن ظاهرًا بعد: أنّ الفخاري سينزل بنفسه إلى الطين. الإناء المكسور في يهوذا لن يُصلَح بإنذارٍ أقوى ولا بنبيٍّ أشجع، بل بقلبٍ جديد، وهو ما سيعِد به إرميا نفسه لاحقًا في العهد الجديد المكتوب على القلوب. وهناك خيطٌ ثانٍ، أحدّ: في عدد ٢٠ يذكّر إرميا الله بأنه "وَقُوفِي أَمَامَكَ لِأَتَكَلَّمَ عَنْهُمْ بِٱلْخَيْرِ لِأَرُدَّ غَضَبَكَ عَنْهُمْ". هذا وصفٌ دقيق لعمل المسيح الشفاعي. لكن إرميا يقف ثم ينهار ويطلب الانتقام؛ أما يسوع فيقف، ويُحفَر له جُبٌّ، ويُضرَب باللسان، ويُنزَل إلى الهاوية، ومن هناك يصلّي: "يا أبتاه اغفر لهم" (لوقا ٢٣: ٣٤). المسيح هو النبي الذي ثبت حيث تعب إرميا.
المرآة
كلمة "بَاطِلٌ" نادرًا ما تُنطَق بصوتٍ عالٍ اليوم، لكنها تُعاش. تعرف أن طريقة كلامك مع زوجتك عند التعب جارحة، وقد قلت ذلك لنفسك خمس مرات، وما زلت تقول في داخلك: هكذا أنا. تعرف أن جدول عملك يأكل أولادك، وتؤجّل. تعرف أي حساب مصرفيّ أو أي عادة ليليّة تحتاج إلى يدٍ تكسرها. العناد لا يصرخ، بل يهمس بأن التغيير مستحيل وأن الأمر ليس بهذه الخطورة. والنص يقلب هذا: الإناء لم يفسد لأنه قُسِّم، بل لأنه رفض أن يُعاد تشكيله. اليوم، اجلس عشر دقائق واكتب على ورقة طريقًا واحدًا ردّيئًا تعرفه في نفسك، ثم اكتب تحته فعلًا واحدًا محدّدًا تتركه هذا الأسبوع، وقل بصوتٍ مسموع: "ها أنا طينٌ في يدك، أعِد صنعي".
الملامح
سامعو إرميا لم يكونوا ملحدين؛ كانوا متديّنين جدًّا. كان الهيكل قائمًا، والذبائح تُقدَّم، والكهنة في مواقعهم. لذلك كان ردّهم في عدد ١٨ منطقيًّا في نظرهم: "لِأَنَّ ٱلشَّرِيعَةَ لَا تَبِيدُ عَنِ ٱلْكَاهِنِ، وَلَا ٱلْمَشُورَةَ عَنِ ٱلْحَكِيمِ، وَلَا ٱلْكَلِمَةَ عَنِ ٱلنَّبِيِّ". أي: مؤسّساتنا الدينية سليمة، فمن هذا الرجل الذي يزعم أن كل شيء على وشك الانهيار؟ وحين سمعوا صورة الفخاري، سمعوا إهانة قبل أن يسمعوا رجاءً: شعبٌ يعتزّ بأنه نسل إبراهيم وبأن أورشليم مدينة الله، يُقال له إنه كتلة طينٍ قابلة لإعادة العجن. التواضع المطلوب هنا ليس شعورًا رقيقًا، بل تنازلٌ عن الحصانة. وهذا ما نقاومه نحن أيضًا حين نظنّ أن انتماءنا الكنسي يُعفينا من التوبة.
الشخصية المحورية
الله في هذا الأصحاح ليس باردًا ولا منفعلًا، بل عاملٌ منهمك. يدٌ على الدولاب، لا عرشٌ بعيد. وما يلفت أن أول تطبيقٍ للصورة ليس تهديدًا بل عرض: "فَٱرْجِعُوا". ثم يأتي الحزن: "لِأَنَّ شَعْبِي قَدْ نَسِيَني!". علامة التعجّب هنا في محلّها؛ هذه ليست لغة قاضٍ بل لغة محبوبٍ مهجور، يسأل كيف يجفّ نبعٌ بارد جارٍ، وكيف ينسى شعبٌ ينبوعه. وحين يقول "أُرِيهِمِ ٱلْقَفَا لَا ٱلْوَجْهَ فِي يَوْمِ مُصِيبَتِهِمْ"، فهذه الدينونة بعينها: أن يعاملهم كما عاملوه. أما إرميا فإنسانٌ حقيقي: شفيعٌ متعبٌ أُنهِك، يطلب في عدد ٢٣ ما لا نجرؤ على قراءته في الكنيسة. والكتاب لم يحذفه. الله يحتمل غضب خدّامه، ويترك صلاةً جارحة في نصّه المقدّس بدل أن يُجمّلها.
السياق
نحن على الأرجح في أواخر أيام يوياقيم، بعد موت يوشيّا وانهيار إصلاحه، حين صارت يهوذا ورقةً صغيرة بين مصر وبابل الصاعدة. بيت الفخاري كان في واديٍ أسفل المدينة قرب مزابل الفخار المكسور، مكانٌ وسخٌ صاخب، لا قاعةٌ نبويّة؛ والرب أرسل نبيّه إلى هناك ليتعلّم اللاهوت من حرفيٍّ يعمل بقدمه ويديه. اجتماعيًّا، كان إرميا يقف وحيدًا أمام تحالفٍ ثلاثيّ من السلطة: الكهنة والحكماء والأنبياء، أي المؤسسة الدينية والسياسية والإعلامية في آنٍ واحد. وسلاحهم المعلن هو "نَضْرِبُهُ بِٱللِّسَانِ": التشهير، الذي يسبق الجُبّ والسجن في الأصحاحات التالية. من يريد أن يقرأ هذا النص جيّدًا عليه أن يسمعه من موقع الأقليّة، لا من موقع الأغلبيّة المطمئنّة.
أسئلة للتأمل
أين أقول في داخلي "بَاطِلٌ" حين يلمس الله نقطةً بعينها، وما الذي أخشى خسارته إن سمحت له بإعادة تشكيلها؟
إرميا وقف ليردّ الغضب ثم انهار إلى طلب الانتقام؛ فما الذي يتغيّر في صلاتي على خصومي حين أتذكّر أن المسيح وقف مكاني ولم ينهَر؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Jeremiah 18
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى إرميا 18؟
عمّ يتحدث إرميا 18؟
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 18؟
ماذا يعلّمنا إرميا 18 عن صفات الله؟
كيف لا يزال إرميا 18 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 18
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
لتجعل أرضهم خرابا وصفيرا أبديا. كل مار فيها يدهش وينغض رأسه." لم يبدأ الخراب بانهيار مفاجئ، بل بخطوات صغيرة خارج "السبل القديمة"، طريق جانبي هنا، تنازل بسيط هناك. وفي النهاية صار الشعب مشهدا يهز له العابرون رؤوسهم. اسأل نفسك اليوم: أين تركت الطريق المسلوك مع الله ظنا أن الأمر بسيط؟ ارجع الآن، قبل أن يصير القلب أرضا تحتاج إلى إعمار.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
