شرح الكتاب المقدس

إرميا 24

هذا الفصل متاح بفضل JL Group

النص

يُري الربُّ إرميا منظرًا بسيطًا إلى حدِّ الإحراج: سلَّتا تين موضوعتان أمام هيكل الرب، بعدما ساق نبوخذراصَّر الملكَ يكنيا والرؤساء والنجَّارين والحدَّادين إلى بابل. في سلّة «تِينٌ جَيِّدٌ جِدًّا مِثْلُ ٱلتِّينِ ٱلْبَاكُورِيِّ»، وفي الأخرى «تِينٌ رَدِيءٌ جِدًّا لَا يُؤْكَلُ مِنْ رَدَاءَتِهِ». ثم يأتي التفسير، وهو يقلب كلَّ حسابات المنطق البشري: المسبيّون في أرض الكلدانيين هم التين الجيّد، أرسلهم الله إلى هناك «لِلْخَيْرِ»، وسيردّهم ويبنيهم ويغرسهم ويعطيهم قلبًا ليعرفوه. أما صدقيّا الملك ورؤساؤه والباقون في أورشليم والهاربون إلى مصر، أي من بدا أنهم نجوا، فهم التين الرديء المتروك للسيف والجوع والوبأ. الناجي محكومٌ عليه، والمنفيُّ محفوظ.

الجوهر

هذا النصّ ينزع من أيدينا أداةَ القياس التي نحبّها: الظروفَ الظاهرة. لو حكمتَ عام 597 ق.م. لقلتَ إنّ من بقي في أورشليم هو المبارَك، ومن سار في سلاسل إلى بابل هو المرفوض. الله يقول العكس تمامًا، ولا يقوله على أساس أخلاقٍ أفضل في المسبيّين، فليس في النصّ كلمةٌ واحدة عن استحقاقهم. التين لا يصنع جودته بنفسه؛ النظرةُ هي التي تحدّد المصير: «أَجْعَلُ عَيْنَيَّ عَلَيْهِمْ لِلْخَيْرِ». وذروةُ الوعد ليست العودةَ الجغرافية بل العطيّة الداخلية: «وَأُعْطِيهِمْ قَلْبًا لِيَعْرِفُونِي». الخلاص هنا عملٌ جراحيّ إلهيّ، لا مشروعَ إصلاحٍ ذاتيّ. الله لا يطلب أولًا قلبًا تائبًا ثم يعطي النعمة؛ هو يعطي القلب، ومن ذلك القلب الممنوح يأتي الرجوع «بِكُلِّ قَلْبِهِمْ». هذه هي النعمة قبل أن يكون لها اسمٌ لاهوتيّ.

الخيط الناظم

لاحظ ما يَعِد به الله هنا ولا يستطيع المسبيّون صنعه: قلبًا. الصيغة التي يستعملها، «فَيَكُونُوا لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا»، هي صيغة العهد نفسها التي سيعود إرميا فيبسطها في الفصل الحادي والثلاثين حين يتكلم عن عهدٍ جديد مكتوبٍ على القلب لا على اللوح. وهذا الوعد لا يكتمل في مرسوم كورش ولا في أسوار نحميا؛ الراجعون من بابل بَنَوا الهيكل ثم تعبوا وفتروا. يكتمل حين يرفع يسوع الكأس في العلّيّة ويسمّيها العهد الجديد بدمه. ثم انظر إلى المنطق العميق: الله يجعل موضعَ الدينونة موضعَ الخلاص. بابل، أرض الهزيمة، تصير مشتلًا. والصليب، موضع اللعنة، يصير ينبوع الحياة. المسيح يأخذ مكان التين الرديء، يصير «عَارًا وَمَثَلًا وَهُزْأَةً وَلَعْنَةً»، لنُحسَب نحن في السلّة الأخرى.

المرآة

نحن نقرأ حياتنا كما قرأ أهلُ أورشليم سنة 597: من بقي في بيته فهو مبارَك، ومن فقد وظيفته أو صحته أو بلده فهو متروك. أنت تعرف هذا الحساب في داخلك. زميلٌ تُرقّى وأنت لا. أختٌ بيتها هادئ وبيتك ليس كذلك. تشخيصٌ طبيّ قلب جدولك. والمنطق الصامت: لو كان الله راضيًا عني لما كنتُ هنا. هذا النصّ يقطع الخيط بين الظرف والرضا، لكنه لا يقطعه بتعزيةٍ رخيصة؛ بل بتحذيرٍ أيضًا: الاستقرار الظاهر قد يكون أخطر مكانٍ على الأرض، لأنّ صدقيّا بقي في قصره وفَنِي. اليوم، اكتب على ورقة اسم «بابل» التي أنت فيها الآن، الظرف الذي تعتبره دليل رفضٍ لك، ثم قل فوقها بصوتٍ مسموع: «أَجْعَلُ عَيْنَيَّ عَلَيْهِمْ لِلْخَيْرِ».

الشخصية المحورية

الشخصية هنا هي الله، وهو يتكلم بأفعالٍ كلّها بصيغة المتكلم: أنظر، أجعل، أرجع، أبني، أغرس، أعطي. ثم في الشطر الآخر: أُسلّم، أُرسل، أطرد. إلهٌ ليس متفرّجًا على التاريخ بل فاعلٌ فيه، حتى في السبي الذي بدا كارثةً سياسية بحتة. لاحظ لغة البناء والغرس: هي عينها الكلمات التي سمعها إرميا يوم دعوته، حين أُقيم ليقلع ويهدم ويبني ويغرس. الفصل الرابع والعشرون هو اللحظة التي يبدأ فيها الشقّ الثاني من الدعوة بالظهور. وهذا يكشف قلب الله: الهدم عنده ليس غايةً بل مقدّمة. لكن لا تخفّف من قسوة النصّ؛ «ٱلسَّيْفَ وَٱلْجُوعَ وَٱلْوَبَأَ» ليست مجازًا. الله الذي يعطي قلبًا هو نفسه الذي يرفض أن يداهن قلبًا متصلّبًا.

التناصّ

في الفصل التاسع والعشرين يكتب إرميا رسالةً إلى هؤلاء المسبيّين أنفسهم، يأمرهم أن يبنوا بيوتًا ويغرسوا جنّات في بابل وأن يطلبوا سلام المدينة التي سبتهم. السلّة الجيّدة إذًا ليست مدلّلة؛ هي مدعوّة إلى صبرٍ طويل في أرضٍ غريبة، والخير الموعود يُقاس بأجيال لا بأشهر. والصدى الثاني أعمق إيلامًا: في الأناجيل يأتي يسوع إلى شجرة تين فلا يجد فيها ثمرًا، ويروي مثلًا عن تينةٍ عقيمة أُمهِلت سنة. التين في لغة الأنبياء هو شعب الله تحت الفحص. الفرق أنّ الفاحص في إرميا ينظر من السماء، وفي الإنجيل يقف تحت الشجرة بجسدٍ بشريّ، ثم يُعلَّق هو على خشبة لتُثمر الشجرة.

الملامح

المستمعون الأوائل هم الباقون في أورشليم بين سنة 597 و586: طبقةٌ ثانية صعدت فجأة إلى مواقع النخبة الأولى التي رحلت. كانوا يقولون، كما ينقل حزقيال عنهم، إنّ المسبيّين ابتعدوا عن الرب وإنّ الأرض صارت ميراثًا لهم. كانوا يسمعون أنبياء يبشّرونهم بعودةٍ سريعة لآنية الهيكل. وفي هذا الجوّ يقف إرميا ويقول: الهيكل الذي تطمئنّون إليه موضوعةٌ أمامه سلّةٌ تشبهكم، والسلّة الأخرى في بابل. تخيّل وقع هذا على جمهورٍ يعتبر بقاءه في المدينة شهادةَ براءة. ولمن في بابل، إن بلغتهم الكلمة، كانت الرسالة أثقل من مجرد عزاء: لستم بقايا منسيّة، أنتم مشروع الله المستقبل، وأمامكم طريقٌ طويل.

للتأمل

أين في حياتك تقرأ الظرف الصعب كدليل رفضٍ من الله، وما الذي يتغيّر إن كان الله أرسلك إلى هناك «لِلْخَيْرِ»؟

إن كان الرجوع «بِكُلِّ قَلْبِهِمْ» ثمرةَ قلبٍ يعطيه الله لا شرطًا يسبقه، فكيف يغيّر ذلك طريقة صلاتك هذا الأسبوع؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Jeremiah 24

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى إرميا 24؟
يُري الربُّ إرميا منظرًا بسيطًا إلى حدِّ الإحراج: سلَّتا تين موضوعتان أمام هيكل الرب، بعدما ساق نبوخذراصَّر الملكَ يكنيا والرؤساء والنجَّارين والحدَّادين إلى بابل. في سلّة «تِينٌ جَيِّدٌ جِدًّا مِثْلُ ٱلتِّينِ ٱلْبَاكُورِيِّ»، وفي الأخرى «تِينٌ رَدِيءٌ جِدًّا لَا يُؤْكَلُ مِنْ رَدَاءَتِهِ».
عمّ يتحدث إرميا 24؟
لاحظ ما يَعِد به الله هنا ولا يستطيع المسبيّون صنعه: قلبًا. الصيغة التي يستعملها، «فَيَكُونُوا لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا»، هي صيغة العهد نفسها التي سيعود إرميا فيبسطها في الفصل الحادي والثلاثين حين يتكلم عن عهدٍ جديد مكتوبٍ على القلب لا على اللوح. وهذا الوعد لا يكتمل في مرسوم كورش ولا في أسوار نحميا؛ الراجعون من بابل بَنَوا الهيكل ثم تعبوا وفتروا.
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 24؟
الشخصية هنا هي الله، وهو يتكلم بأفعالٍ كلّها بصيغة المتكلم: أنظر، أجعل، أرجع، أبني، أغرس، أعطي. ثم في الشطر الآخر: أُسلّم، أُرسل، أطرد. إلهٌ ليس متفرّجًا على التاريخ بل فاعلٌ فيه، حتى في السبي الذي بدا كارثةً سياسية بحتة. لاحظ لغة البناء والغرس: هي عينها الكلمات التي سمعها إرميا يوم دعوته، حين أُقيم ليقلع ويهدم ويبني ويغرس.
ماذا يعلّمنا إرميا 24 عن صفات الله؟
المستمعون الأوائل هم الباقون في أورشليم بين سنة 597 و586: طبقةٌ ثانية صعدت فجأة إلى مواقع النخبة الأولى التي رحلت. كانوا يقولون، كما ينقل حزقيال عنهم، إنّ المسبيّين ابتعدوا عن الرب وإنّ الأرض صارت ميراثًا لهم. كانوا يسمعون أنبياء يبشّرونهم بعودةٍ سريعة لآنية الهيكل. وفي هذا الجوّ يقف إرميا ويقول: الهيكل الذي تطمئنّون إليه موضوعةٌ أمامه سلّةٌ تشبهكم، والسلّة الأخرى في بابل.
كيف لا يزال إرميا 24 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
إن كان الرجوع «بِكُلِّ قَلْبِهِمْ» ثمرةَ قلبٍ يعطيه الله لا شرطًا يسبقه، فكيف يغيّر ذلك طريقة صلاتك هذا الأسبوع؟
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 24

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

صلاة تحريري في آية 5

يا رب، حين أجد نفسي بعيدًا عن كل ما أعرفه، بعيدًا عن الأمان الذي اعتدته، ذكّرني أن عينك تنظر إليّ للخير. أنت لم تنسني في هذا المكان الغريب، بل ترعاني فيه. علّمني أن أثق أن ما يبدو فقدانًا هو في يديك بداية بركة.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة