إرميا 30
النص
يأمر الربّ إرميا أن يكتب كلامه في سِفر، لأن أياماً آتية يَرُدّ فيها سبي شعبه إلى الأرض. ثم يتقلّب النص بعنف بين صورتين: يومُ رعبٍ ترى فيه الرجالَ أيديهم على حقويهم كامرأة في المخاض، و"وقت ضيق على يعقوب" لا مثيل له؛ وفي الوقت نفسه وعدٌ بكسر النير، وبجرحٍ عضالٍ يتولّى الربّ نفسه عصبه وشفاءه، وبمدينةٍ تُبنى على تلّها، وحاكمٍ يخرج من وسطهم ويُقرَّب إلى الله. ويُختم الأصحاح بزوبعةٍ لا ترتدّ حتى تُقيم مقاصد قلب الربّ.
الجوهر
الفم الذي يقول "ضربتُكِ ضربةَ عدوٍّ، تأديبَ قاسٍ" هو الفم نفسه الذي يقول بعد سطرين: "لأني أرفدكِ وأشفيكِ من جروحك". هذا ليس تناقضاً يحتاج إلى تنعيم، بل هو قلب العهد. الله لا يتراجع عن حكمه على الخطيّة، ولا يتظاهر بأن الجرح أصغر مما هو. يقول صراحة: كسرك عديم الجبر. لا دواء، لا طبيب، لا عقاقير رفادة. ثم يفعل الشيء الوحيد المتبقّي: يصير هو الطبيب للجرح الذي أحدثه عدله. والفرق بين إسرائيل والأمم ليس أن إسرائيل أفضل، بل أن الله ارتبط بها: "فأنتَ لا أُفنيك، بل أؤدّبك بالحق". النعمة هنا ليست تساهلاً، بل أمانةٌ تعيش أطول من الغضب.
الخيط الممتد
في العدد التاسع يَعِد الله بـ"داود ملكهم الذي أقيمه لهم"، وداود ميّتٌ منذ قرون. فالوعد يتجاوز سلالةً إلى شخص. ثم يعمّق العدد الحادي والعشرون الصورة: حاكمٌ من وسطهم، واحدٌ منهم لا غريبٌ مفروضٌ عليهم، يُقرّبه الله فيدنو إليه. ويترك إرميا السؤال معلّقاً: مَن يجرؤ على ذلك؟ العهد الجديد يجيب بشخصٍ خرج من وسط الشعب، من رحم امرأة يهودية، ودنا إلى الله لا لنفسه بل عنّا. ولاحظ أيضاً أن الخلاص في العدد السابع يأتي عبر الضيق لا حوله: "وهو وقت ضيق على يعقوب، ولكنه سيُخلَّص منه". هذا هو نمط الصليب قبل الصليب.
المرآة
هناك جرحٌ في حياتك تعرف أنه عضال، ومع ذلك تواصل البحث عن "عقاقير رفادة": الزواج الذي صار صمتاً مهذّباً منذ سنوات وتسمّيه هدوءاً؛ التقرير الطبي الذي تقرأه ليلاً ولا تذكره نهاراً؛ الابن الذي لا يتصل، والدَّين الذي جزءٌ كبير منه صنعتَه بيدك. والأقسى في النص ليس كلمة "عضال"، بل قوله: "ما بالكِ تصرخين بسبب كسرك؟… قد صنعتُ هذه بك". نحن نحبّ أن نصرخ من الألم دون أن نسمّي سببه. نريد شفاءً بلا اعتراف، ترميماً بلا حقيقة.
وهناك جرحٌ آخر يلمسه العدد السابع عشر: "دعوكِ منفيّةَ صهيون التي لا سائل عنها". الشعور بأن لا أحد يسأل. غاب المحبّون، وصار اسمك غير مذكور في مجموعةٍ كنتَ مركزها. الله يقتبس هذه الإهانة بالذات ليجعلها سبب تدخّله.
اليوم، خذ ورقة واكتب بجملةٍ واحدة الجرح الذي قرّرتَ أنه لا يُشفى، ثم اكتب تحته بخطّ يدك: "لأني أرفدكِ وأشفيكِ من جروحك، يقول الرب"، واتركِ الورقة حيث تراها غداً صباحاً.
الأصداء الكتابية
قبل اثنين وعشرين أصحاحاً، وقف إرميا نفسه يسأل بمرارة إن كان في جلعاد بلسان وإن كان هناك طبيب، لأن شفاء بنت شعبه لم يحدث. هنا يأتي الجواب، لا بعثور الشعب على طبيب، بل بنزول الطبيب إليهم. وفي العدد الثاني والعشرين تسمع صيغة العهد القديمة: "وتكونون لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً"، وهي الجملة نفسها التي يرددها صوتٌ من العرش في نهاية سفر الرؤيا عند وصف المدينة الجديدة. إرميا يَعِد بمدينةٍ تُبنى على تلّها بعد الخراب؛ الرؤيا تُري الاكتمال. الوعد واحد، يتّسع عبر التاريخ دون أن يتغيّر.
السؤال
هل يضرب الله فعلاً "ضربة عدوّ"؟ وإن فعل، فهل كل ألمٍ في حياتي ضربةٌ منه؟ النص لا يسمح لنا بهذا التعميم. إرميا يخاطب شعب عهدٍ محدّداً، بعد قرونٍ من الإنذار الصريح، في كارثةٍ سياسية معروفة التاريخ. أن نأخذ "قد صنعتُ هذه بك" ونلصقها بكل سرطانٍ وكل حادث سير، هو المنطق نفسه الذي أدانه الله في أصدقاء أيوب. لكننا أيضاً لا نملك أن نحذف الجملة. تبقى حقيقةٌ مرّة: اليد الضاربة واليد العاصبة واحدة، ونحن لا نستطيع دائماً التمييز أيّهما نعيش الآن. والنص لا يمنحنا مفتاحاً، بل موعداً: "في آخر الأيام تفهمونها". الفهم موعود، لكنه مؤجَّل.
التفصيل
في العدد الحادي والعشرين تعبيرٌ غريب: "من هو هذا الذي أرهن قلبه ليدنو إليّ؟" الفعل العبري هنا تجاريّ، عَرَب، أي يقدّم رهناً أو كفالة، يضع شيئاً ثميناً ضماناً للدَّين. الاقتراب من الله ليس مجاملة روحية؛ إنه مخاطرةٌ تضع الحياة نفسها رهينة. ولهذا السؤال نبرة دهشة: مَن يجرؤ تطوّعاً؟ لاحظ ترتيب الكلمات: "وأقرّبه فيدنو إليّ". الله يقرّب أولاً، ثم يدنو الحاكم. لا أحد يقتحم الحضرة بشجاعته. وهذا يحرّرك من وهمٍ تحمله في صلاتك: أنك تحتاج أولاً إلى جرأةٍ كافية أو استقامةٍ كافية لتقترب. الاقتراب هبة، والرهن دفعه غيرك.
أسئلة للتأمل
ما الجرح الذي سمّيتَه "عضالاً" بحيث توقّفتَ عن عرضه على الله، واكتفيتَ بإدارته؟
أين في حياتك تنتظر أن تجمع شجاعةً كافية للاقتراب من الله، بينما يقول النص إنه هو الذي يقرّب؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Jeremiah 30
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى إرميا 30؟
عمّ يتحدث إرميا 30؟
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 30؟
ماذا يعلّمنا إرميا 30 عن صفات الله؟
كيف لا يزال إرميا 30 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 30
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
أبي، قلبي مثقل بالخوف من الغد، وأنت تناديني ألا أخاف. أنت الذي يخلّص ويعيد ويهدّئ. علّمني أن أستريح فيك، وأن أطمئن حتى وأنا في وسط ما يخيفني، لأنك قريب ولا تتركني وحدي.
في آخر الأيام تفهمون ذلك." كم مرة وقفت وسط العاصفة تسأل: لماذا؟ ولم يأتِ جواب. لاحظ أن الله لا يعدك بأن تفهم اليوم، بل بأن ما يجري الآن ليس عبثًا: "حتى يجري ويقيم مقاصد قلبه". خلف ما يبدو قسوة، قلبٌ له مقاصد. ربما يكون تسليمك اليوم أن تحتمل السؤال بلا جواب، واثقًا أن الفهم آتٍ في وقته.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
