شرح الكتاب المقدس

إرميا 35

هذا الفصل متاح بفضل JL Group

النص

يُرسَل إرميا إلى بيت الركابيين، عشيرة بدوية لجأت إلى أورشليم هربًا من جيش نبوخذراصر، فيقودهم إلى مخدع في الهيكل ويضع أمامهم طاسات مملوءة خمرًا ويقول: «ٱشْرَبُوا خَمْرًا». فيرفضون، لا تقوى ولا نذرًا دينيًا، بل لأن أبًا قديمًا اسمه يوناداب بن ركاب أوصاهم ألا يشربوا ولا يبنوا بيتًا ولا يزرعوا زرعًا. عندئذ ينقلب المشهد كله درسًا: هؤلاء سمعوا لصوت أبٍ ميت منذ قرنين، وشعب الله لم يسمع لصوت إلهه الحيّ الذي كلّمهم «مُبَكِّرًا وَمُكَلِّمًا».

الجوهر

المسألة هنا ليست الامتناع عن الخمر. الله لا يمدح الزهد ولا يطلب من يهوذا أن تسكن الخيام. المسألة هي السمع. الفعل العبري «شَمَع»، الذي يترجَم «سمع» ويعني في آنٍ واحد أصغى وأطاع، يتردد في الأصحاح كالمطرقة. وجوهر الاتهام مُرٌّ لأنه لا يتذرّع بالعجز: إن كان أبناء ركاب قادرين على حفظ وصية بشرية صعبة قرنين من الزمان، فعدم طاعة يهوذا ليس ضعفًا بل اختيارًا. الله لا يقول هنا «أنتم أشرار» بقدر ما يقول «أنتم تستطيعون، ولا تريدون». وفي ذلك تكمن خطورة النعمة: حين يسقط عذر الاستحالة، يبقى القلب عاريًا أمام سؤال واحد، هل أردتَ أن تسمع؟

الخيط الناظم

الخيمة التي لا تُستبدل ببيت، والأرض التي يسكنها الركابيون «مُتَغَرِّبِينَ فِيهَا»، تعيدنا إلى إبراهيم الذي سكن خيامًا في أرض الموعد بوصفه غريبًا، منتظرًا مدينة لها أساسات. الركابيون، دون أن يدروا، يحملون في أسلوب حياتهم شهادةً نبوية: أن شعب الله في جوهره شعب سائر، لا متملّك. ويهوذا، التي بنت البيوت وغرست الكروم وظنّت الأرض ميراثًا مضمونًا، على وشك أن تُقتلع منها. هذا هو الخيط الذي يمتد إلى المسيح، الذي لم يكن له أين يسند رأسه، والذي يدعو تلاميذه إلى تركٍ يشبه ترك الركابيين. الوعد الأخير، «لَا يَنْقَطِعُ لِيُونَادَابَ بْنِ رَكَابَ إِنْسَانٌ يَقِفُ أَمَامِي»، يستعير لغة الوعد الداودي والكهنوتي ويمنحها لعشيرة غريبة: بداية انفتاح الملكوت على من هم خارج النسب.

المرآة

المشهد يلمس موضعًا حساسًا: نحن نطيع ما يكلّفنا سمعتنا أكثر مما نطيع ما يكلّفنا قلبنا. نحافظ على تقاليد العائلة، على ما قاله الوالد عن المال أو العمل أو الكرامة، بدقة تكاد تكون مقدسة، بينما تمرّ وصية واضحة من الله في قراءة الصباح دون أن تغيّر شيئًا في جدول يومنا. الركابيون لم يناقشوا وصية يوناداب ولم يُخضعوها لتصويت كل جيل؛ ونحن نُخضع كلام الله لمجلس داخلي دائم الانعقاد. والمؤلم أن هذا لا يحدث في الكبائر بل في الصغائر: الكلمة التي لم نقلها، الدَّين الذي أجّلناه، العلاقة التي أبقيناها مجمّدة بذريعة الوقت.

اليوم، اختر وصية واحدة واضحة من الله كنت تعرفها وتؤجلها، واكتبها بخط يدك على ورقة في جملة واحدة، ثم ضع تحتها تاريخ اليوم، وقلها بصوت مسموع مرة واحدة: «سمعتُ، وسأعمل».

التفصيل

لاحظ المكان: لم يُجرِ إرميا الاختبار في بيت أو في ساحة السوق، بل «إِلَى بَيْتِ ٱلرَّبِّ إِلَى أَحَدِ ٱلْمَخَادِعِ»، في غرفة مجاورة لمخدع الرؤساء وفوق مخدع حارس الباب. أي أن المشهد وقع في قلب المؤسسة الدينية، على مسمع من رجال السلطة. الله يضع أمام قادة يهوذا، في بيته هو، أناسًا ليسوا من صميم الشعب، ليفضح بهم طاعةً مفقودة في عقر الدار. والمفارقة أعمق: في الهيكل حيث يُسكَب الخمر سكيبًا للرب، يُقدَّم الخمر لمن سيرفضه، ويصير الرفض عبادة أصدق من كل السكائب التي قُدِّمت في ذلك الموسم.

الأصداء الكتابية

يوناداب بن ركاب ليس اسمًا مجهولًا: في سفر الملوك الثاني نلتقيه راكبًا مع ياهو في مركبته ليرى غيرته للرب حين أباد عبادة البعل. فالوصية التي يحفظها أبناؤه وُلدت من رجل انحاز إلى الرب في زمن الردّة، وبقيت حيّة بعد موته قرنين. هنا يتقاطع النص مع لغة إرميا الثابتة عن «عَبِيدِي ٱلْأَنْبِيَاءِ» المرسَلين «مُبَكِّرًا»، وهي اللغة ذاتها التي يختم بها سفر أخبار الأيام تاريخ يهوذا: الله يرسل، والشعب يستهزئ. ويسوع يلتقط الخيط نفسه في مثل الكرّامين، حيث ربّ الكرم يرسل عبيدًا ثم ابنه. وتبقى التوتر قائمًا: إرميا الذي مُنع من الزواج والمشاركة في بيوت الفرح كان هو نفسه ركابيًّا بأمر الله، شاهدًا بجسده على أن الحياة العادية في أورشليم قد انتهت.

الشخصية المحورية

الشخصية الحقيقية هنا هي الله، وما يكشفه النص عنه مدهش في مزيجه. إنه إله يُعلّم بالمشهد لا بالخطبة، ويستخدم المحرَج والمربك ليصل إلى آذان صمّاء. وهو إله يجرح: «لِأَنِّي كَلَّمْتُهُمْ فَلَمْ يَسْمَعُوا، وَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يُجِيبُوا». في هذه الجملة صوت محبٍّ مرفوض أكثر منه قاضٍ غاضب؛ الدينونة تأتي من قلب مُتعَب من المناداة. وفي الوقت نفسه هو إله يلاحظ الأمانة الصغيرة حيثما وُجدت، حتى في عشيرة غريبة لا هيكل لها ولا كهنوت، ويكافئها بوعد دائم بالوقوف أمامه. الله الذي يُنذر يهوذا هو نفسه الذي يبارك الركابيين؛ العدل والنعمة هنا ليسا متناقضين بل نَفَسًا واحدًا.

للتأمل

أيّ صوت تطيعه في حياتك اليومية بأمانة أكبر مما تطيع به كلام الله، ومن أين اكتسب ذلك الصوت سلطته عليك؟

إن كان الله يكافئ أمانة الركابيين في وصية بشرية، فما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لأمانتك في الأمور الصغيرة التي لا يراها أحد؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Jeremiah 35

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى إرميا 35؟
يُرسَل إرميا إلى بيت الركابيين، عشيرة بدوية لجأت إلى أورشليم هربًا من جيش نبوخذراصر، فيقودهم إلى مخدع في الهيكل ويضع أمامهم طاسات مملوءة خمرًا ويقول: «ٱشْرَبُوا خَمْرًا». فيرفضون، لا تقوى ولا نذرًا دينيًا، بل لأن أبًا قديمًا اسمه يوناداب بن ركاب أوصاهم ألا يشربوا ولا يبنوا بيتًا ولا يزرعوا زرعًا.
عمّ يتحدث إرميا 35؟
الخيمة التي لا تُستبدل ببيت، والأرض التي يسكنها الركابيون «مُتَغَرِّبِينَ فِيهَا»، تعيدنا إلى إبراهيم الذي سكن خيامًا في أرض الموعد بوصفه غريبًا، منتظرًا مدينة لها أساسات. الركابيون، دون أن يدروا، يحملون في أسلوب حياتهم شهادةً نبوية: أن شعب الله في جوهره شعب سائر، لا متملّك. ويهوذا، التي بنت البيوت وغرست الكروم وظنّت الأرض ميراثًا مضمونًا، على وشك أن تُقتلع منها.
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 35؟
اليوم، اختر وصية واحدة واضحة من الله كنت تعرفها وتؤجلها، واكتبها بخط يدك على ورقة في جملة واحدة، ثم ضع تحتها تاريخ اليوم، وقلها بصوت مسموع مرة واحدة: «سمعتُ، وسأعمل».
ماذا يعلّمنا إرميا 35 عن صفات الله؟
يوناداب بن ركاب ليس اسمًا مجهولًا: في سفر الملوك الثاني نلتقيه راكبًا مع ياهو في مركبته ليرى غيرته للرب حين أباد عبادة البعل. فالوصية التي يحفظها أبناؤه وُلدت من رجل انحاز إلى الرب في زمن الردّة، وبقيت حيّة بعد موته قرنين. هنا يتقاطع النص مع لغة إرميا الثابتة عن «عَبِيدِي ٱلْأَنْبِيَاءِ» المرسَلين «مُبَكِّرًا»، وهي اللغة ذاتها التي يختم بها سفر أخبار الأيام تاريخ يهوذا: الله يرسل، والشعب يستهزئ.
كيف لا يزال إرميا 35 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
أيّ صوت تطيعه في حياتك اليومية بأمانة أكبر مما تطيع به كلام الله، ومن أين اكتسب ذلك الصوت سلطته عليك؟
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 35

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

صلاة تحريري في آية 4

يا رب، أنتَ تعرف الأسماء التي لا يذكرها أحد، والغرف الصغيرة التي تُفتح لخدمتك بهدوء. اجعلني أميناً في مكاني، ولو كان عند الباب. وحيث أجلس اليوم، اجعله موضعاً تلتقيني فيه وتكلّمني.

تأمّل تحريري في آية 7

بل اسكنوا في الخيام كل ايامكم لكي تحيوا اياما كثيرة على وجه الارض التي انتم متغربون فيها". كلمة قالها أب لأولاده، وحفظها نسله مئات السنين، بلا بيت ولا كرم. وأنت، كم كلمة من الله سمعتها هذا الأسبوع ونسيتها قبل المساء؟ الرَّكابيون لم يكونوا أفضل، لكنهم أخذوا الوصية على محمل الجد. وأنت؟

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة