يوحنا 20:17
النص
في فجرٍ لم تنقشع عتمته بعد، وفي بستانٍ تفوح منه رائحة التراب المبلول وأطياب الدفن، تسمع امرأة اسمها من فم كانت تظنه فم البستاني. فتندفع نحوه كما يندفع كل من استُرِدّ له ميتٌ ظنّه ضائعًا إلى الأبد. وهنا يأتي الجواب الذي لا نتوقعه: «لَا تَلْمِسِينِي لِأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي». ليس طردًا، بل إعادة توجيه. ثم يُرسلها بكلمةٍ أثقل من أن تُحتمل: «ٱذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ». امرأةٌ واحدة، في بستانٍ خالٍ، تُسلَّم إليها أول رسالة في تاريخ الكنيسة: أن القيامة ليست نهاية الطريق بل بدايته، وأن الصعود هو الوجهة.
الجوهر
تخيّل كيف وقعت هذه الكلمات على أذنٍ يهودية في القرن الأول. «إلهي وإلهكم» لغة مألوفة، صدى العهد القديم كله. أما «أبي وأبيكم» فشيء آخر تمامًا. كان يسوع طوال إنجيل يوحنا يقول «أبي» بصيغةٍ خاصة أثارت غضب سامعيه، لأنهم فهموا تمامًا ما يدّعيه. والآن، بعد الصليب، يفتح هذه العلاقة الخاصة ويُدخل فيها آخرين. لا يقول «أبينا» وكأن بنوّته وبنوّتنا شيء واحد؛ يقول «أبي وأبيكم»، فيحفظ الفرق ويمنح الشركة في آنٍ معًا. هو ابنٌ بالطبيعة، ونحن أبناء بالنعمة، لكننا ندخل البيت نفسه. والأعجب: يسمّيهم «إخوتي» وهم الذين هربوا وأنكروا وتفرّقوا. لم يُعلّق الأخوّة على أدائهم. هذه هي النعمة قبل أن تصير مصطلحًا لاهوتيًا: اسمٌ جديد يُمنح لمن لا يستحقه.
الخيط الجامع
في البستان المظلم، امرأةٌ تمدّ يدها لتمسك بمن استُرِدّ لها، فيوقفها. ليس لأن الجسد صار شبحًا، فبعد أيام يدعو توما ليضع إصبعه في أثر المسامير. المنع ليس من اللمس بل من الاحتفاظ. مريم تريد أن تُعيد عقارب الساعة إلى ما قبل الجمعة، إلى معلّمٍ تمشي خلفه على دروب الجليل. ويسوع يقول: الطريق إلى الأمام، لا إلى الوراء. القيامة ليست استئنافًا لحياةٍ قديمة بل عتبة لصعودٍ يفتح للبشر ما لم يُفتح منذ طُرد الإنسان من بستانٍ أول. كل خط العهد القديم، من وعد الله لإبراهيم إلى صرخة الأنبياء «أكون لهم إلهًا»، يصبّ في هذه العبارة الصغيرة: «أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ». العهد لم يعد وعدًا؛ صار قرابة.
المرآة
نحن أيضًا نُمسك. نُمسك بمرحلةٍ من الإيمان كانت فيها الصلاة سهلة والكنيسة دافئة، ونعامل ما بعدها كخسارة. نُمسك بوظيفةٍ صارت هويتنا، بولدٍ كبر وخرج من البيت، بجسدٍ كان أقوى، بزواجٍ كان أبسط. ونقول لله في سرّنا: أعِدْ لي ما كان. وجواب الرب لمريم يقف في وجه هذا كله بلطفٍ لا يخلو من حزم: لا تُمسكيني، فالأفضل لم يأتِ بعد، وأنا ذاهب إلى حيث لا تستطيعين أن تتبعيني اليوم، لكن ذهابي من أجلكم. ومع المنع تأتي مهمّة. مريم لا تُترك فارغة اليدين؛ تُرسَل. اليوم، اكتب على ورقة شيئًا واحدًا تُمسك به وتخاف فقدانه، ثم قل بصوتٍ مسموع: «أنت صاعد إلى أبي وأبيك»، واترك الورقة مفتوحة أمامك دقيقةً كاملة قبل أن تمزّقها.
الملامح
الذين قرأوا هذا الإنجيل أولًا كانوا في الغالب مؤمنين أُخرجوا من المجامع، فقدوا عائلاتهم ومكانتهم وأمانهم الاجتماعي. صاروا بلا بيت، وفي عالم البحر المتوسط البيت هو كل شيء: الاسم، الحماية، الرزق. ثم يسمعون أن المسيح القائم يسمّي التلاميذ الفاشلين «إخوتي»، ويقول لهم إن أباه صار أباهم. هذه ليست عاطفة؛ هذه وثيقة انتساب. ولاحِظ من حملت الوثيقة: امرأة شهادتها لم تكن تُقبل في محكمة، وكانت تُعرف بماضٍ ثقيل. أن يجعلها الرب أول فمٍ ينطق بالبشارة كان صدمةً اجتماعية حقيقية، ولهذا بالذات له ثقله: ملكوتٌ يبدأ من حيث لا يبدأ أحد.
النص المتقاطع
في المزمور الثاني والعشرين، ذاك المزمور الذي صرخ يسوع بمطلعه على الصليب، يتحوّل المتألم فجأة من الصراخ إلى الإعلان، ويَعِد بأن يُخبر باسم الله إخوته في وسط الجماعة. كلمة «إخوتي» هنا ليست مصادفة لغوية؛ هي استكمال لما بدأه المزمور: المتروك يعود ليجمع عائلة. ورسالة العبرانيين تلتقط الخيط نفسه حين تقول إن المسيح لا يستحي أن يدعو المقدَّسين إخوة. ضع النصّين جنبًا إلى جنب وسترى لماذا جاءت هذه الكلمة في هذا الصباح تحديدًا: لأن الصليب هو الذي دفع ثمن الأخوّة، والقيامة هي إعلان أن الثمن قُبل.
الشخصية المحورية
مريم المجدلية في هذا المشهد صورة صادقة عنّا جميعًا. محبتها لا شك فيها: بقيت عند القبر بعد أن انصرف الرجال، وعرضت أن تحمل جثةً بذراعيها لو دلّها أحد على مكانها. لكن محبتها كانت تتجه إلى الوراء، إلى معلّمٍ تعرفه، لا إلى ربٍّ صاعد. ولهذا نادتها بـ«رَبُّونِي» وهي كلمة تلميذة، لا كلمة شاهدة. يسوع لا يوبّخها ولا يصحّح عاطفتها؛ يوسّعها. يأخذ ذراعين تريدان أن تضمّا ويجعلهما قدمين تجريان بالخبر. هكذا يعمل الله مع المحبة البشرية عادةً: لا يطفئها، بل يحوّل اتجاهها. وفي نهاية المشهد لم تعد مريم تبكي باحثةً عن جسد؛ صارت تحمل أعظم جملة قيلت في التاريخ إلى أناسٍ مختبئين خلف أبواب مغلقة.
تأمل
ما هو الشيء الذي تريد أن تُمسك به وتُبقيه كما كان، بينما الرب يدعوك إلى أمامٍ لا تراه بعد؟
إذا كان الله قد صار فعلًا «أبي وأبيكم»، ما الذي يجب أن يتغيّر في طريقة تعاملك مع من يدعوهم المسيح «إخوتي» ولا تطيقهم أنت؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول John 20:17
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى يوحنا 20:17؟
عمّ يتحدث يوحنا 20:17؟
ما هو السياق التاريخي لـ يوحنا 20:17؟
ماذا يعلّمنا يوحنا 20:17 عن صفات الله؟
كيف لا يزال يوحنا 20:17 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول John 20
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
ثمانية أيام كاملة بقي توما في شكّه، ولم يطرده التلاميذ، ولم يتركه يسوع. "وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضا داخلا وتوما معهم. فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال سلام لكم." عاد المسيح مرة أخرى، لا ليوبّخ، بل ليقف في الوسط من أجل واحد لم يصدّق بعد. أبوابك المغلقة لا تمنعه. وأيامك الثمانية لا تُتعبه.
قبل أن يقول يسوع "من غفرتم خطاياه تغفر له"، نفخ فيهم وقال: "اقبلوا الروح القدس". المغفرة ليست قراراً من عندياتنا، بل هي هواء السماء يمر فينا إلى غيرنا. لكن لاحظ الشق الآخر: "ومن أمسكتم خطاياه أمسكت". هناك خطايا نمسكها بأيدينا سنين، لا على السماء بل على قلوبنا. من تمسك اليوم؟ وكم كلّفك هذا القبض؟
ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفا ولم تعلم أنه يسوع". كان واقفا أمامها، لا بعيدا ولا غائبا، لكن دموعها ملأت عينيها حتى صار الحيّ في نظرها مجرد بستاني. كم مرة بكيتَ على قبر وهو واقف بجانبك؟ لم يوبّخها على عماها، بل ناداها باسمها حتى عرفته. هو يعرف كيف يخترق ضبابك.
أشكرك يا رب لأن التلميذين "مضيا أيضاً إلى موضعهما" وهما لم يفهما بعد، ومع ذلك لم تتركهما. أشكرك أنك تلحق بنا إلى بيوتنا وإلى أيامنا العادية، وتأتي إلينا حتى والأبواب مغلقة، فتحوّل حيرتنا إلى فرح بلقائك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة