شرح الكتاب المقدس

يوحنا 20:18

النصّ

مريم المجدليّة تمشي، وحدها، من القبر إلى البيت الذي يختبئ فيه التلاميذ، وفي فمها جملتان فقط: «رأَتِ الرَّبَّ»، و«أنّه قال لها هذا». لا وصف للمكان، ولا شرح لما جرى، ولا محاولة لإقناع أحد. مجرّد شهادة عارية: رأيت، وقال. الآية قصيرة إلى حدّ الإحراج؛ يوحنّا الذي أطال في ركض بطرس والتلميذ الآخر، وفي ترتيب الأكفان والمنديل، يختصر هنا أعظم خبر في التاريخ في سطر واحد. وكأنّ الكلام بعد اللقاء يصير قليلًا بالضرورة. من رأى لا يملك إلّا أن يقول إنّه رأى، ثمّ يصمت ويترك الخبر يعمل عمله في سامعيه.

الجوهر

لاحظ ما لم تحمله مريم: لم تحمل جسدًا، ولا دليلًا، ولا شيئًا تضعه في يد أحد. كانت قبل قليل تقول «وأنا آخُذُه»، تريد أن تمسك، أن تحتفظ، أن تدفن كما يليق. والآن تمضي فارغة اليدين، مملوءة بكلمة. هذا هو قلب القيامة: المسيح الحيّ لا يُمتلك، بل يُعلَن. وما أعطاه لها ليس تعزية خاصّة تحتفظ بها، بل رسالة إلى «إخوتي»، وفيها ذاك الربط المذهل: «أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم». لم يقل أبونا، كأنّه يحفظ تميّزه، ولكنّه يجرّهم إلى داخل علاقته. القيامة ليست إنقاذ ميت من قبر فحسب؛ إنّها فتح باب البنوّة أمام جماعة خائفة خلف أبواب مغلقة. فهل نسمع الخبر كمعلومة، أم كدعوة إلى بيت صار لنا؟

الخيط الجامع

يوحنّا لا يصدف أن يذكر البستان والبستانيّ. في أوّل الكتاب امرأة في بستان تسمع كلامًا فيتغيّر كلّ شيء نحو الموت؛ وهنا، في «أوّل الأسبوع»، امرأة في بستان تسمع اسمها فتحمل كلامًا نحو الحياة. ليست هذه لعبة رموز، بل طريقة يوحنّا في القول إنّ الخليقة بدأت من جديد، ومن اليوم الأوّل بالذات. وثمّة خيط ثانٍ، أقدم وأطول: الله يعمل عمله ثمّ يُرسل من يتكلّم به. هكذا كان مع الأنبياء، وهكذا صار هنا. العمل الفاصل تمّ في القبر وحده، بلا شاهد بشريّ واحد؛ أمّا الإعلان فأودِع في فم إنسان. لم يختر الله أن تُكتب القيامة في السماء بالنار، بل أن تُقال على عتبة بيت مغلق، بصوت امرأة متعبة من البكاء.

المرآة

نحن نشبه مريم قبل الدعوة بالاسم أكثر ممّا نشبهها بعدها: نريد أن نُمسِك. نريد الوظيفة مضمونة، والابن قريبًا، والجسد صحيحًا، والمستقبل في يدنا كجسد نعرف أين وُضِع. وحين يُنتزع الشيء من أيدينا نقف عند قبره نبكي، ونسمّي ذلك إيمانًا. القيامة لا تردّ لنا ما فقدناه بالصيغة التي أردناها؛ تعطينا بدلها كلمة وإرسالية، وهذا يبدو في البداية صفقة خاسرة. ثمّ هناك خوف آخر: أن نتكلّم فلا يُصدَّقنا أحد. مريم ذهبت وهي تعلم تمامًا كيف سيبدو كلامها. وذهبت. اليوم، قبل أن ينتهي النهار: اختر شخصًا واحدًا، وأرسل له رسالة قصيرة تذكر فيها أمرًا واحدًا رأيت الربّ يعمله فعلًا هذا الأسبوع. جملة واحدة، بلا شرح ولا دفاع، ثمّ أغلق الهاتف.

الملامح

الذين قرأوا هذا الإنجيل أوّلًا عرفوا جيّدًا ما لا نلتفت إليه نحن: شهادة امرأة لم تكن تُقبل في محكمة. لو أراد يوحنّا أن يصنع خبرًا مقنعًا لجمهوره لما بدأ من هنا أبدًا. وهم أيضًا كانوا جماعات صغيرة، كثيرًا ما اجتمعت خلف أبواب موصدة «لسبب الخوف»، تمامًا كتلاميذ تلك الليلة. فحين سمعوا أنّ أوّل من حمل الخبر كان إنسانًا واحدًا ضعيف المقام، مكسور القلب، أدركوا شيئًا عن أنفسهم: أنّ الكنيسة لا تقوم على وجاهة الشاهد بل على صدق المَشهَد. وأكثر: لم يرَ معظمهم شيئًا بعينه، وكانوا يعيشون على كلام منقول. هذا الإصحاح نفسه يختم بمن «آمنوا ولم يروا»، وهم المقصودون.

السؤال

لماذا لم يكفِ كلامها؟ مريم أخبرت، وفي المساء نقرأ أنّ التلاميذ ما زالوا خلف أبواب مغلقة خائفين، حتّى جاء يسوع بنفسه. فما جدوى الشهادة إذن إن كانت لا تصنع إيمانًا؟ لا أملك جوابًا يريحك. الشهادة لا تُجبر أحدًا؛ هي تضع الكلمة في الهواء وتنتظر. وربّما هنا سرّ لا نحبّه: الله يُرسل شهودًا وهو يعلم أنّهم سيُقابَلون بالصمت أو السخرية، ولا يُعفيهم من الإرسال. مريم أطاعت ولم ترَ ثمرة طاعتها في ذلك النهار. ومع ذلك، حين جاء يسوع مساءً، جاء إلى جماعة سبقه إليها خبرها. فهل كان كلامها بلا أثر، أم كان الأرض التي وقف عليها؟

الشخصيّة المحوريّة

مريم في هذه الآية مذهلة في هدوئها. لا نقرأ أنّها فرحت، ولا أنّها احتضنت أحدًا، ولا أنّها شرحت. الإنجيل يسجّل فعلين: «جاءت» و«أخبرت». امرأة كانت قبل دقائق تسأل بستانيًّا أن يدلّها على جثّة، صارت الآن تحمل أقدم اعتراف مسيحيّ: رأيت الربّ. لاحظ التحوّل في اللقب: في الصباح قالت «سيّدي»، بضمير الملكيّة الحزينة؛ الآن تقول «الرَّبَّ»، بلا ضمير، لأنّه لم يعد ملكها وحدها. هذا ما يفعله اللقاء الحقيقيّ: يوسّع الحبّ بدل أن يضيّقه. وطاعتها كاملة: لم تلمس، ولم تتأخّر، ولم تضف من عندها شيئًا سوى أنّه «قال لها هذا». أمينة على الكلمة كما تُقال للكلمة.

أسئلة للتأمّل

ما الشيء الذي ما زلتَ واقفًا عند قبره تبكي، وتطلب أن يُردّ إليك بالصورة التي تعرفها، بينما المسيح يدعوك باسمك من خلفك؟

لو اختُصرت شهادتك اليوم إلى جملتين فقط، بلا شرح ولا دفاع، فماذا كنتَ ستقول، ولمن؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول John 20:18

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى يوحنا 20:18؟
مريم المجدليّة تمشي، وحدها، من القبر إلى البيت الذي يختبئ فيه التلاميذ، وفي فمها جملتان فقط: «رأَتِ الرَّبَّ»، و«أنّه قال لها هذا». لا وصف للمكان، ولا شرح لما جرى، ولا محاولة لإقناع أحد. مجرّد شهادة عارية: رأيت، وقال. الآية قصيرة إلى حدّ الإحراج؛ يوحنّا الذي أطال في ركض بطرس والتلميذ الآخر، وفي ترتيب الأكفان والمنديل، يختصر هنا أعظم خبر في التاريخ في سطر واحد.
عمّ يتحدث يوحنا 20:18؟
لاحظ ما لم تحمله مريم: لم تحمل جسدًا، ولا دليلًا، ولا شيئًا تضعه في يد أحد. كانت قبل قليل تقول «وأنا آخُذُه»، تريد أن تمسك، أن تحتفظ، أن تدفن كما يليق. والآن تمضي فارغة اليدين، مملوءة بكلمة. هذا هو قلب القيامة: المسيح الحيّ لا يُمتلك، بل يُعلَن. وما أعطاه لها ليس تعزية خاصّة تحتفظ بها، بل رسالة إلى «إخوتي»، وفيها ذاك الربط المذهل: «أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم».
ما هو السياق التاريخي لـ يوحنا 20:18؟
يوحنّا لا يصدف أن يذكر البستان والبستانيّ. في أوّل الكتاب امرأة في بستان تسمع كلامًا فيتغيّر كلّ شيء نحو الموت؛ وهنا، في «أوّل الأسبوع»، امرأة في بستان تسمع اسمها فتحمل كلامًا نحو الحياة. ليست هذه لعبة رموز، بل طريقة يوحنّا في القول إنّ الخليقة بدأت من جديد، ومن اليوم الأوّل بالذات.
ماذا يعلّمنا يوحنا 20:18 عن صفات الله؟
نحن نشبه مريم قبل الدعوة بالاسم أكثر ممّا نشبهها بعدها: نريد أن نُمسِك. نريد الوظيفة مضمونة، والابن قريبًا، والجسد صحيحًا، والمستقبل في يدنا كجسد نعرف أين وُضِع. وحين يُنتزع الشيء من أيدينا نقف عند قبره نبكي، ونسمّي ذلك إيمانًا. القيامة لا تردّ لنا ما فقدناه بالصيغة التي أردناها؛ تعطينا بدلها كلمة وإرسالية، وهذا يبدو في البداية صفقة خاسرة.
كيف لا يزال يوحنا 20:18 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
الذين قرأوا هذا الإنجيل أوّلًا عرفوا جيّدًا ما لا نلتفت إليه نحن: شهادة امرأة لم تكن تُقبل في محكمة. لو أراد يوحنّا أن يصنع خبرًا مقنعًا لجمهوره لما بدأ من هنا أبدًا. وهم أيضًا كانوا جماعات صغيرة، كثيرًا ما اجتمعت خلف أبواب موصدة «لسبب الخوف»، تمامًا كتلاميذ تلك الليلة.
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول John 20

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

تأمّل تحريري في آية 26

ثمانية أيام كاملة بقي توما في شكّه، ولم يطرده التلاميذ، ولم يتركه يسوع. "وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضا داخلا وتوما معهم. فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال سلام لكم." عاد المسيح مرة أخرى، لا ليوبّخ، بل ليقف في الوسط من أجل واحد لم يصدّق بعد. أبوابك المغلقة لا تمنعه. وأيامك الثمانية لا تُتعبه.

تأمّل تحريري في آية 23

قبل أن يقول يسوع "من غفرتم خطاياه تغفر له"، نفخ فيهم وقال: "اقبلوا الروح القدس". المغفرة ليست قراراً من عندياتنا، بل هي هواء السماء يمر فينا إلى غيرنا. لكن لاحظ الشق الآخر: "ومن أمسكتم خطاياه أمسكت". هناك خطايا نمسكها بأيدينا سنين، لا على السماء بل على قلوبنا. من تمسك اليوم؟ وكم كلّفك هذا القبض؟

تأمّل تحريري في آية 14

ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفا ولم تعلم أنه يسوع". كان واقفا أمامها، لا بعيدا ولا غائبا، لكن دموعها ملأت عينيها حتى صار الحيّ في نظرها مجرد بستاني. كم مرة بكيتَ على قبر وهو واقف بجانبك؟ لم يوبّخها على عماها، بل ناداها باسمها حتى عرفته. هو يعرف كيف يخترق ضبابك.

شكر تحريري في آية 10

أشكرك يا رب لأن التلميذين "مضيا أيضاً إلى موضعهما" وهما لم يفهما بعد، ومع ذلك لم تتركهما. أشكرك أنك تلحق بنا إلى بيوتنا وإلى أيامنا العادية، وتأتي إلينا حتى والأبواب مغلقة، فتحوّل حيرتنا إلى فرح بلقائك.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة