يوحنا 9:6
النص
بعد أن أعلن يسوع أنه نور العالم، لم يكتفِ بالكلام. انحنى إلى الأرض، تفل عليها، عجن التراب بريقه، ثم مدّ يده ولطّخ عيني رجل أعمى بهذا الطين. حركة غريبة، متعمَّدة، فيها من الفوضى ما فيها من الجرأة، قبل أن يرسله ليغتسل في بركة سلوام.
الجوهر
يسوع لا يشفي بكلمة نظيفة من بعيد. ينزل إلى الأرض، يستعمل ريقه، يصنع طيناً. في هذا الفعل شيء يذكّرنا بسفر التكوين، حين جبل الله الإنسان من تراب الأرض. كأن يسوع يعيد الخلق في عيني هذا الرجل. لكن الأهم أخلاقياً: النور الذي أعلنه في الآية الخامسة لا يبقى فكرة لاهوتية، بل يصير عملاً متسخاً بالتراب. الإيمان الذي لا يُلطّخ يديه ليس إيمان يسوع. من يريد أن يكون نوراً في العالم يجب أن يقبل أن يتعامل مع الطين.
الخيط الجامع
هذا الفعل يربط بين آدم الأول وآدم الثاني. في البداية، أخذ الله التراب وصنع منه إنساناً حياً. هنا، يأخذ يسوع التراب ويصنع منه بصراً. الخلق الأول أعطى الحياة، والخلق الثاني يعطي النور. وحين يقول يسوع لاحقاً في الآية 39: «لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هَذَا ٱلْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ ٱلَّذِينَ لَا يُبْصِرُونَ»، ندرك أن الطين على العينين رمز لكل خدمة المسيح: هو نزل إلى ترابنا ليعطينا أن نرى. الصليب نفسه هو ذروة هذا "الاتساخ" الإلهي من أجلنا.
المرآة
نحن نحب الخدمة النظيفة. نحب أن نصلّي لشخص جائع من على بُعد آمن، أن نُرسل تحويلاً بنكياً لصندوق المحتاجين دون أن نعرف اسم أحد. نحب المسيحية المعقّمة. لكن يسوع هنا يبصق على الأرض. فكّر في الجار الذي رائحته ثقيلة، في القريب المدمن الذي يستنزفك، في زميل العمل الذي سمعته يكذب ولم تعرف كيف تواجهه، في الابن المراهق الذي يحتاج محادثة صعبة لا موعظة قصيرة. الخدمة الحقيقية تعني أن تنحني، أن تلمس، أن تدخل في فوضى حياة الآخر. من يريد أن يشفي، عليه أن يوسّخ يديه. ومن لا يريد ذلك، فليعرف أنه يتبع مسيحاً غير مسيح الإنجيل.
السؤال
لماذا الطين؟ يسوع شفى آخرين بكلمة واحدة، شفى عن بُعد، شفى بمجرد لمسة. لماذا هنا هذه الطريقة الطويلة، شبه المهينة؟ لماذا يضع طيناً على عيني رجل أعمى ثم يرسله يمشي متعثراً إلى بركة سلوام؟ لا أظن أن الإجابة هي "لأن الطين له خاصية شافية". أظن أن يسوع أراد أن يجعل الشفاء عملية، لا لحظة. أراد أن يشرك الرجل في طاعة، أن يجعله يمشي في العمى قبل أن يبصر. وربما، ونحن نقف أمام هذا السؤال، علينا أن نقبل أن الله لا يعمل دائماً بالطريقة الأسرع أو الأنظف. أحياناً يضع طيناً على عيوننا قبل أن يفتحها، ويطلب منا أن نمشي.
التفصيل
كلمة "تَفَلَ" مزعجة. لو كنّا نكتب الإنجيل، لحذفناها. الريق شيء حميم، شخصي، فيه شيء من العار الاجتماعي. في ثقافة القرن الأول، البصاق كان يُستعمل أحياناً كإهانة قصوى. لكن يسوع يستعمله كأداة للخلق الجديد. هذا يقول شيئاً أخلاقياً حاداً: ما يعتبره العالم مهيناً أو وضيعاً، يستطيع الله أن يستعمله للشفاء. ويقول أيضاً: يسوع يعطي من ذاته حرفياً. ليس فقط قدرته، بل شيئاً منه. الخدمة التي لا تكلّف شيئاً من ذاتك ليست خدمة كاملة. حين تساعد أحداً، اسأل: هل أعطيت شيئاً من ريقي؟ أم فقط من فائضي؟
الشخصية الرئيسية
يسوع في هذه الآية هادئ، متعمَّد، غير مستعجل. لم يسأل الأعمى إن كان يريد الشفاء. لم يشترط عليه إيماناً مسبقاً. رآه، وقرر. هذه المبادرة الإلهية تفضحنا: نحن ننتظر أن يطلب المحتاج قبل أن نتحرك. يسوع يبدأ. وفي انحنائه إلى الأرض شيء عميق: ابن الله يجثو ليصنع طيناً. الملك يوسّخ يديه. هذه ليست حادثة عابرة في حياته، بل هي كل حياته مختصرة: تجسّد، انحناء، لمس، شفاء. من يريد أن يعرف كيف يعيش المسيح، فلينظر إلى يديه المتسختين بالطين، وليقرر إن كان مستعداً لأن تكون يداه هكذا أيضاً.
للتأمل
أين في حياتي أتجنّب "الطين"، أي أين أختار الخدمة النظيفة من بعيد بدلاً من الانحناء الفعلي إلى فوضى حياة شخص أعرفه؟
ما الذي أطلب من الله أن يفعله بكلمة سريعة، بينما هو يدعوني إلى مسيرة طويلة بطين على عيني، ثقةً به قبل أن أرى النتيجة؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
أسئلة شائعة حول John 9:6
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى يوحنا 9:6؟
عمّ يتحدث يوحنا 9:6؟
ما هو السياق التاريخي لـ يوحنا 9:6؟
ماذا يعلّمنا يوحنا 9:6 عن صفات الله؟
كيف لا يزال يوحنا 9:6 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول John 9
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يا رب، أنت فتحت عينيّ حين لم أكن أعرف حتى أنني أعمى. علّمني أن أقول بثقة: أنا أومن، وأن أنحني أمامك لا بشفتي فقط بل بكل قلبي. زدني نوراً كلما ضعف إيماني، واجعل حياتي كلها سجوداً لك.
يا رب، كثيرًا ما أشبه أولئك الذين ظنوا أنهم يعرفون كل شيء عنك، فأغلقوا قلوبهم أمام ما لم يفهموه. علّمني أن أنصت إليك حين تأتي بطرق لم أتوقعها، وأن أعرفك أنت لا مجرد كلام عنك. افتح عينيّ لأراك حيث أنت فعلًا.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة