المزامير 126
النص
جماعةٌ عائدة من السبي تتذكّر اللحظة التي انفتح فيها الطريق فجأة، فبدت لهم كحُلمٍ لا يُصدّق: «صِرْنَا مِثْلَ ٱلْحَالِمِينَ»، والضحك يملأ الأفواه، والأمم نفسها تشهد أنّ الرب صنع شيئًا عظيمًا. ثم ينكسر الصوت في الوسط ويصير صلاة: «ٱرْدُدْ يَارَبُّ سَبْيَنَا»، كأنّ الفرح الأول لم يكتمل بعد. ويُختم المزمور بمثلٍ من الحقل: الزارع الذي يخرج باكيًا يعود حاملًا حُزَمَه.
الجوهر
انظر إلى بنية المزمور، فهي هي الرسالة: ذكرى فرحٍ، ثم صلاة من داخل ضيقٍ ما زال قائمًا. الذين يقولون «عَظَّمَ ٱلرَّبُّ ٱلْعَمَلَ مَعَنَا» هم أنفسهم الذين يستجدون: «ٱرْدُدْ يَارَبُّ سَبْيَنَا». هذا لا يعني أنّ خلاصهم السابق كان وهمًا؛ يعني أنّ عمل الله في التاريخ يأتي على دفعات، وأنّ الشكر لا يُلغي الحاجة. الله الذي يخلّص هنا موصوفٌ كمن يفعل ما يفوق التوقّع حتى يبدو حُلمًا، لكنه أيضًا مَن يُترك له أن يُكمِل. والصورة التي يختارها المزمور للرجاء ليست معجزةً مباغتة بل بذارًا في الأرض: عملٌ صغير، مدفون، بلا ضمانةٍ منظورة، وقد سُقي بالدموع.
الخيط الجامع
«ٱلَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِٱلدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِٱلِٱبْتِهَاجِ» ليست حكمةً زراعية عامة، بل نمطٌ يمشي عبر الكتاب كله ويصل إلى ذروته في المسيح. يسوع نفسه أخذ هذه الصورة: حبّة الحنطة التي تقع في الأرض وتموت لتأتي بثمرٍ كثير (يوحنا 12). ذكرتُ هذا الموضع لأنّه يشرح كيف تتحقّق آية 6 لا كوعدٍ عن مزاجٍ يتحسّن، بل كطريقٍ يسلكه الله بذاته: خروجٌ بالبكاء إلى الصليب، ورجوعٌ بالترنّم في القيامة، والحُزَم في يديه هي نحن. وهكذا صار العائدون من بابل أنفسهم صورةً باهتة لردٍّ أعظم: سبيٌ أعمق من الجغرافيا، ورجوعٌ أوسع من أورشليم.
المرآة
أنت تعرف الآية الرابعة أكثر مما تعترف. صلّيت مرةً وأُجبت، وشهدتَ في المجموعة، ثم عدتَ إلى البيت حيث الابن لم يتغيّر بعد، والزواج بارد بعد، والتحليل الطبي لم يتحسّن بعد، والراتب لا يكفي بعد. والإغراء هنا مزدوج: إمّا أن تُنكر الفرح القديم فتصير مريرًا، أو تتظاهر بأنّ لا حاجة لك فتصير كاذبًا. المزمور يرفض الاثنين. يعلّمك أن تقول في نفَسٍ واحد: صنع الرب معي عظائم، وأنا ما زلت في السبي، فارْدُدْ يا رب. وأمّا آية 6 فهي كلمةٌ للمعلّم الذي يزرع في صفٍّ لا يستجيب، وللأمّ التي تصلّي سنواتٍ على وسادةٍ مبلّلة: البكاء ليس علامةً على أنّ البذار فاسد.
المشهد
تصوّر السامعين الأوّلين، وقد رجعوا فعلًا. الهيكل أنقاض، الأسوار مهدومة، الجيران معادون، والحصاد الأول ضعيف. الحلم الذي فرحوا به تحوّل إلى عملٍ شاق في تربةٍ يهودية جافة. لهذا تنبض الآية الرابعة بصورةٍ يعرفونها في أجسادهم: «مِثْلَ ٱلسَّوَاقِي فِي ٱلْجَنُوبِ»، أي وديان النقب التي تبقى حجرًا ورملًا معظم السنة، ثم ينزل المطر فتصير في ساعةٍ أنهارًا هادرة. هم يطلبون هذا: تحوّلًا مباغتًا في أرضٍ يائسة. ولاحظ أيضًا فخرهم في الآية الثانية: الأمم التي شهدت خرابهم واستهزأت اضطرّت أن تقول: «إِنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ عَظَّمَ ٱلْعَمَلَ مَعَ هَؤُلَاءِ». كرامة اسم الله وكرامتهم مربوطتان معًا.
النصوص المتجاورة
هذا المزمور هو من «مزامير المصاعد» التي كانت تُرتَّل في الطريق إلى أورشليم، فهو أصلًا شِعرُ سائرين لا شِعرُ جالسين. وهو يقف في تناقضٍ لافت مع مزمور 137، حيث المسبيّون يعلّقون أعوادهم على الصفصاف ولا يقدرون أن يترنّموا في أرضٍ غريبة. المسافة بين المزمورين هي المسافة بين الفم المغلق والفم المملوء ضحكًا. ذكرتُ هذا لأنّ مزمور 126 لا يُفهم إلا على خلفية صمتٍ طويل سبقه. أمّا الفم الممتلئ ضحكًا فيُعيدنا إلى سارة التي ضحكت أولًا من عدم الإيمان ثم من الفرح؛ فالله يبدو، في عادته، وكأنّه يفعل ما لا يُعقل.
السؤال
لكن ماذا عن الذين خرجوا بالبكاء ولم يعودوا بالحُزَم؟ الآية 6 مكتوبةٌ بصيغة اليقين، وهناك مؤمنون زرعوا أربعين سنة في بيتٍ لم يرجع فيه أحد، أو دفنوا ولدًا ولم يحصدوا شيئًا يشبه حصادًا. لا يجوز أن نُهدّئ هذا بالقول إنّ الحصاد كان دائمًا في مكانٍ آخر لم نلاحظه. المزمور نفسه لا يزعم أنّ كل بكاءٍ يُثمر في هذا العمر: هو يُصلّي في آية 4 لأنّ الحصاد لم يأتِ بعد. ما يعطيه ليس جدولًا زمنيًا بل شخصًا: الرب الذي رَدَّ السبي مرةً، وقادرٌ أن يُجري السواقي في النقب مرةً أخرى. الفارق بين هذا وبين التمنّي هو أنّ لنا ذكرى، وأنّ لنا قبرًا فارغًا. وما بينهما يبقى صلاةً غير مُجابة بعد، لا لغزًا مُحلولًا.
للتأمل
في أي موضعٍ من حياتك تحتاج أن تقول الآيتين معًا: «عَظَّمَ ٱلرَّبُّ ٱلْعَمَلَ مَعَنَا» و«ٱرْدُدْ يَارَبُّ سَبْيَنَا»؟
ما هو البذار الذي تحمله الآن باكيًا، ومَن يعرف عنه غيرك والله؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Psalms 126
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى المزامير 126؟
عمّ يتحدث المزامير 126؟
ما هو السياق التاريخي لـ المزامير 126؟
ماذا يعلّمنا المزامير 126 عن صفات الله؟
كيف لا يزال المزامير 126 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Psalms 126
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
أشكرك لأنك لا تضيّع دمعة واحدة سُكبت على الأرض وأنا أحمل مبذار الزرع. شكرًا لأن البكاء ليس النهاية، بل أنك تجعل الذاهب بالبكاء "مجيئًا يجيء بالترنم حاملًا حزمه". شكرًا لأنك تحفظ تعبي وصلواتي وكل بذرة زرعتها في الظلام، وتعِدني بحصاد من يدك.
يا رب، حين أنظر إلى الوراء أرى يدك في كل خطوة، حتى في الأيام التي ظننت فيها أنني وحدي. أنت صنعت معي ما لم أقدر أن أصنعه، فامتلأ قلبي فرحًا. علّمني أن أتذكر، وأن أشكر بصوت مسموع، لا بهمس خجول.
أشكرك لأنك لا تضيّع دموعي، بل تجعلها بذارًا في أرضك. أنت القائل: "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج." شكرًا لأن ليالي البكاء في بيتي محسوبة عندك، ولأنك تحفظ موعد الحصاد ولا تنساه.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
